خاص ـ المركز الأوروبي لدراسات مكافحة الإرهاب والاستخبارات ـ ألمانيا وهولندا ECCI
التجسس والهجمات الإلكترونية في ألمانيا ـ ما حجم التهديد القائم؟
حذّر رئيس المكتب الاتحادي للشرطة الجنائية الألمانية (BKA)، هولغر مونش، من تصاعد الأنشطة الروسية التي باتت، بحسب تعبيره، تُشكّل تهديدًا متزايدًا للأمن الداخلي في ألمانيا، مشيرًا إلى تزايد ملحوظ في حوادث التجسس والتخريب، إضافة إلى نشاط متنامٍ للطائرات المسيّرة وحملات القرصنة والتضليل في الفضاء الإلكتروني. دعا مونش إلى تحسين آليات جمع وتحليل البيانات المتعلقة بتحليقات الطائرات المسيّرة، معتبرًا أن التطورات الأمنية الأخيرة، في ظل حرب أوكرانيا، تفرض على السلطات الألمانية إعادة تقييم أدوات الرصد والمراقبة. أضاف مونش: “ألمانيا، بصفتها داعمًا قويًا لأوكرانيا، أصبحت على نحو متزايد هدفًا للتجسس والتخريب الروسيين. وروسيا تسعى بوضوح إلى إضعاف ديمقراطيتنا ومؤسساتنا”.
زيادة ملحوظة في الحالات المشتبه بها للتخريب والتجسس
أشار رئيس المكتب الاتحادي للشرطة الجنائية إلى “زيادة ملحوظة في الحالات المشتبه بها للتخريب والتجسس”، موضحًا أن عدد القضايا التي تورط فيها فاعلون روس أمام مكتب الادعاء العام الاتحادي ارتفع بشكل واضح خلال العام 2025. كما لفت إلى تصاعد أنشطة القرصنة الإلكترونية المرتبطة بالدولة الروسية، بما في ذلك الهجمات السيبرانية وحملات التضليل الإعلامي، التي تستهدف التأثير على الرأي العام وزعزعة الثقة بالمؤسسات الديمقراطية. فيما يتعلق بالطائرات المسيّرة، أوضح مونش أن الأجهزة الأمنية وثّقت خلال العام 2025 عددًا من المشاهدات التي بلغ “بضعة آلاف” فوق منشآت تُصنّف ضمن البنية التحتية الحيوية، مثل منشآت الطاقة، والمواقع العسكرية، وشركات الصناعات الدفاعية. أضاف مونش: “أن جزءًا كبيرًا من هذه التحليقات لم يُرصد بواسطة وسائل تقنية متخصصة، بل أبلغ عنها مواطنون، وهو ما يحدّ من قدرة السلطات على التحقق من هوية مشغّلي الطائرات أو أهدافهم الفعلية”.
تحديات أمنية معقدة
شدّد مونش رغم هذا النشاط المتزايد، على أن الأجهزة الأمنية لا تمتلك أدلة تؤكد أن الدولة الروسية تُسيّر طائرات مسيّرة بشكل منهجي فوق الأراضي الألمانية. لكنه اعتبر أن صعوبة تحديد الجهات المسؤولة عن تشغيل هذه الطائرات تمثل تحديًا أمنيًا خطيرًا، يستدعي تطوير منظومات الرصد والتتبع. تابع مونش: “في كثير من الحالات، يكاد يكون من المستحيل تحديد من يقف خلف هذه التحليقات، وهو وضع لم يعد مقبولًا في ظل التهديدات الحالية”. أعلن مونش عن خطط لتوسيع نطاق المراقبة، بدءًا من المطارات والمنشآت العسكرية، مرورًا بمصنعي الأسلحة الكبار وموردي الطاقة، على أن يتم لاحقًا تجميع جميع البيانات المتعلقة بالطائرات المسيّرة في مركز الدفاع الجديد التابع للشرطة الفيدرالية. تهدف هذه الخطوة، بحسب المسؤول الألماني، إلى تعزيز التنسيق بين الجهات الأمنية وتحسين سرعة الاستجابة لأي تهديد محتمل.
مخاطر داخلية محتملة
حذّر مونش إلى جانب التهديدات الخارجية، من مخاطر داخلية محتملة، مشيرًا إلى حزب البديل من أجل ألمانيا (AfD) بوصفه مصدر قلق أمني. تساءل مونش عن تداعيات وصول الحزب إلى السلطة في إحدى الولايات الفيدرالية، في ظل تقدّمه في استطلاعات الرأي. أوضح مونش: “إذا تولى الحزب مسؤولية الحكم، فسيحصل على إمكانية الوصول إلى بيانات ومعلومات حساسة، وهو ما قد يؤثر على التعاون بين الأجهزة الأمنية على المستويين الاتحادي والدولي”. يقول رئيس المكتب الاتحادي للشرطة الجنائية: “أنه لا توجد لديه معلومات دقيقة حول عدد أعضاء حزب البديل من أجل ألمانيا العاملين داخل الجهاز، مشيرًا إلى أن الانتماء الحزبي ليس من البيانات التي يُلزم الموظفون بالكشف عنها”. أضاف مونش: “نحن لا نسأل عمّا إذا كان الشخص عضوًا في الحزب الاشتراكي الديمقراطي SPD أو الاتحاد الديمقراطي المسيحي CDU أو حزب الخضر”.
أشار مونش إلى أن تصنيف الحزب كمنظمة يمينية متطرفة مؤكدة سيترتب عليه بالضرورة تشديد إجراءات التدقيق الأمني. تكتسب هذه التحذيرات أهمية إضافية في ظل اقتراب انتخابات محلية في ألمانيا عام 2026، من بينها في ولايتي ساكسونيا-أنهالت ومكلنبورغ-فوربومرن، حيث يحظى حزب البديل من أجل ألمانيا بتأييد يقارب 40%. وتشير التقديرات إلى أن الحزب قد يتمكن لأول مرة من تولي رئاسة حكومة ولاية ألمانية، وهو سيناريو يثير قلقًا متزايدًا داخل الأوساط الأمنية والسياسية.
النتائج
تعكس تحذيرات رئيس المكتب الاتحادي للشرطة الجنائية الألمانية (BKA) إدراكًا متزايدًا داخل المؤسسات الأمنية الألمانية بأن التهديدات لم تعد محصورة في الأطر التقليدية، بل باتت تتخذ طابعًا هجينًا يجمع بين التخريب المادي، والتجسس، والهجمات السيبرانية، والتأثير السياسي غير المباشر. فتصاعد النشاط الروسي، سواء عبر الفضاء الإلكتروني أو من خلال محاولات استهداف البنية التحتية الحساسة، يضع ألمانيا في صدارة الدول الأوروبية المعرضة لهذا النوع من التهديدات، نظرًا لدورها المحوري في دعم أوكرانيا.
يُرجَّح أن تشهد ألمانيا مزيدًا من الاستثمار في قدرات الرصد والإنذار المبكر، خصوصًا في ما يتعلق بالطائرات المسيّرة وحماية المنشآت الحيوية. فالفجوات التي أشار إليها مونش في مجال جمع البيانات والتتبع التقني تعكس تحديًا أوسع يواجه معظم الدول الأوروبية، وهو التأخر النسبي للتشريعات والبنى التقنية مقارنة بسرعة تطور أدوات التهديد. ومن المتوقع أن يقود ذلك إلى تشديد القوانين المنظمة لاستخدام الطائرات بدون طيار، وتوسيع صلاحيات الأجهزة الأمنية، مع تركيز أكبر على التكامل بين المستويات الاتحادية والمحلية.
يطرح البُعد السياسي الداخلي تحديًا لا يقل تعقيدًا. فصعود حزب البديل من أجل ألمانيا يضع الأجهزة الأمنية أمام معادلة حساسة بين احترام التعددية السياسية وحماية المعلومات المصنفة. وإذا واصل الحزب تحقيق اختراقات انتخابية على مستوى الولايات، فإن مسألة الوصول إلى البيانات الأمنية ستتحول إلى قضية مؤسسية تتطلب حلولًا قانونية دقيقة، قد تشمل إعادة تعريف معايير التدقيق الأمني للمسؤولين المنتخبين دون المساس بمبادئ النظام الديمقراطي.
من المرجح على المستوى الأوروبي، أن تدفع المخاوف الألمانية نحو تعزيز التنسيق الأمني داخل الاتحاد الأوروبي، لا سيما في مجالات الأمن السيبراني، ومكافحة التضليل، وحماية البنية التحتية العابرة للحدود. فالتجربة الألمانية تؤكد أن التهديدات الروسية لا تستهدف دولة بعينها، بل تسعى إلى إضعاف المنظومة الأوروبية ككل عبر استغلال نقاط التباين الداخلية.
يشير المشهد المستقبلي إلى أن الأمن الألماني، ومن خلفه الأمن الأوروبي، سيتحول تدريجيًا من نموذج دفاعي تقليدي إلى نموذج وقائي متعدد الأبعاد، يدمج الأدوات الأمنية والتقنية والقانونية والسياسية. غير أن نجاح هذا التحول سيظل مرهونًا بقدرة الدولة على تحقيق توازن دقيق بين متطلبات الأمن وحماية الحريات، وبين مواجهة التهديدات الخارجية وإدارة الانقسامات الداخلية المتصاعدة.
رابط مختصر.. https://www.europarabct.com/?p=113179
