بون ـ المركز الأوروبي لدراسات مكافحة الإرهاب والاستخبارات ECCI ـ وحدة الدراسات (3)
الأمن القومي الألماني بعد حرب أوكرانيا ـ الانتقال من مقاربة دفاعية إلى استباقية
تشهد ألمانيا تحولًا استراتيجيًا عميقًا في سياساتها الأمنية والدفاعية، مدفوعًا بتصاعد التهديدات الجيوسياسية والإرهابية الإسلاموية واليمينية المتطرفة. شرعت ألمانيا في تعزيز مشاركتها في مبادرات التعاون الدفاعي الأوروبي وحلف الناتو، وتنفيذ برامج إعادة تسليح واسعة النطاق، وزيادة الإنفاق الدفاعي، وتأسيس مجلس للأمن القومي لتوحيد الجهود الاستراتيجية، وتقليل الاعتماد على الحماية الأمريكية، منذ إعلان “نقطة التحول” عام 2022.
نقطة التحول والمراجعة الاستراتيجية لـ(PESCO) تعزز من أمن ألمانيا
كان قد أعلن “أولاف شولتز” المستشار الألماني السابق عن “نقطة التحول” في فبراير 2022 من خلال صندوق خاص بقيمة (100) مليار يورو للجيش الألماني. وأعلن المستشار الألماني في ذلك الوقت عن: “معدات أفضل، ومعدات تشغيلية حديثة، والمزيد من الأفراد”. فضلًا عن ذلك، فإن هدف الـ (2%) الذي حدده حلف شمال الأطلسي لا بد أن يتحقق عامًا بعد عام. وافق البوندستاغ على الصندوق الخاص في الثالث من يونيو 2022 بأغلبية (80) صوتًا فقط.
رحبت ألمانيا باستنتاجات الاتحاد الأوروبي المتعلقة بالمراجعة الاستراتيجية للتعاون الهيكلي الدائم (PESCO)، وهو حجر الزاوية في التعاون الدفاعي للاتحاد الأوروبي. وتهدف المراجعة، التي بدأت في نوفمبر 2023، إلى تعزيز فعالية (PESCO) ومواءمتها مع الحقائق الجيوسياسية المتطورة بعد عام 2025.
أفاد استطلاع رأي أجراه معهد أبحاث الرأي “فورسا” في أغسطس 2025 أن واحدًا فقط من كل ستة ألمان تقريبًا سيحمل السلاح دفاعًا عن ألمانيا دون تردد في حالة الطوارئ العسكرية. وذكر الاستطلاع أن (16%) مستعدون بالتأكيد لذلك، بينما يقول (22%) إنهم على الأرجح سيفعلون ذلك. وأشارت أغلبية واضحة، بلغت (59%)، إلى أنها على الأرجح لن تكون مستعدة.
يرى (27%) من المشاركين أنه من المرجح جدًا أو إلى حد ما أن تتعرض ألمانيا لهجوم عسكري خلال السنوات الخمس المقبلة. ويقول (59%) من المشاركين إنه من المرجح أن تضطر ألمانيا لتقديم مساعدة عسكرية لعضو آخر في حلف الناتو خلال هذه الفترة، في إطار التزامها بتقديم المساعدة العسكرية نظرًا لتعرضه لهجوم.
كيف يمثل مجلس الأمن القومي الألماني خطوة استباقية نحو تعزيز الدفاع؟
أعلن كل من الاتحاد الديمقراطي المسيحي/الاتحاد الاجتماعي المسيحي (CDU/CSU)، والحزب الاشتراكي الديمقراطي (SPD) عن تشكيل مجلس للأمن القومي في اتفاقية الائتلاف في أغسطس 2025. يرأس المستشار الاتحادي “فريدريش ميرز” مجلس الأمن القومي، ويضم المجلس في عضويته وزراء المالية، والخارجية، والدفاع، والداخلية، والعدل، والاقتصاد والطاقة، والتعاون الاقتصادي والتنمية، والشؤون الرقمية، وتحديث الدولة، ورئيس المستشارية الاتحادية. يمكن استشارة أعضاء آخرين في الحكومة الاتحادية عند الحاجة، كما سيُسمح لممثلي دول أخرى، أو الاتحاد الأوروبي، أو حلف شمال الأطلسي بالمشاركة.
يعد الهدف الرئيسي للمجلس هو صياغة السياسات بشكل استباقي، وليس مجرد رد فعل على الأحداث. وتتمثل المهمة الرئيسية لمجلس الأمن القومي في توحيد وتنسيق جميع المعلومات والتحليلات ذات الصلة في مكان واحد، بحيث يمكن اتخاذ القرارات بشكل أسرع وعلى أوسع نطاق ممكن. ويتولى المجلس مسؤولية “الاستشراف والتخطيط الاستراتيجي”، بالإضافة إلى تطوير سيناريوهات وتمارين لمواجهة الأزمات، على سبيل المثال، في شكل محاكاة أزمات لعمليات اختطاف أو هجمات جوية.
يقول “فيليب روتمان” من معهد السياسات العامة العالمية (GPPi) في برلين في أغسطس 2025: “لأن برلين غالبًا ما تعجز عن اتخاذ قرار، امتنعت الحكومة الألمانية في كثير من الأحيان عن التصويت على قضايا أوروبية رئيسية”. وقد أدى هذا بدوره إلى إحباط الشركاء الأوروبيين. يرى “روتمان”: “من الضروري للبلاد ولحماية المصالح الألمانية أن تتخذ الحكومة قرارات أسرع وأكثر حسمًا”.
إلى إي مدى تعزز الاستراتيجية الأمنية الدفاعية وإعادة التسلح من أمن الناتو؟
أعلنت ألمانيا عن خطط لزيادة الإنفاق الدفاعي من حوالي (86) مليار يورو في عام 2025 إلى حوالي (153) مليار يورو بحلول عام 2029، مما يرفعه إلى حوالي (3.5%) من الناتج المحلي الإجمالي لتلبية أهداف حلف شمال الأطلسي ودعم التزامات البنية التحتية المشتركة.
يريد المستشار الألماني فريدريش ميرز أن يجعل الجيش الألماني “أقوى جيش في أوروبا”، ويبدو أن القوات المسلحة الألمانية تعتزم تعزيز أسطولها من الدبابات والمركبات المدرعة بشكل كبير. يدرس وزير الدفاع “بوريس بيستوريوس” طلبًا ضخمًا، يشمل تحديدًا (1000) دبابة ليوبارد 2، و(2500) مركبة قتالية، وأرجعت مصادر مطلعة هذا إلى إنشاء ألوية جديدة لحلف شمال الأطلسي.
تهدف الحكومة إلى تجهيز الجيش الألماني بالكامل ليكون مستعدًا للدفاع عن ألمانيا والحلفاء. وأكدت “ينيغك إمدن” رئيسة مكتب المشتريات في الجيش الألماني، في 12 يوليو 2025: “لقد تلقينا من المفتش العام للجيش الألماني توجيهًا بأن يكون الجيش مجهزًا بالكامل بحلول عام 2029”. أضافت “ينيغك إمدن”: “علينا أن نكون مستعدين في ظل التهديد الروسي”.
تنشر القوات الجوية الألمانية (5) طائرات “يوروفايتر” مقاتلة في بولندا، في قاعدة “مينسك مازوفيتسكي” الجوية، ويستمر الانتشار في المطار شرق “وارسو” أقل من شهر، لحماية المجال الجوي على الجناح الشرقي لحلف شمال الأطلسي، ويوجد في الموقع حوالي (150) جنديًا من الجيش الألماني. وتخطط ألمانيا لشراء 15 طائرة مقاتلة إضافية من طراز (F35)، وهي خطوة من شأنها زيادة أسطول البلاد المستقبلي من الطائرات أمريكية الصنع إلى (50) طائرة. أمن ألمانيا ـ عسكرة السياسة الألمانية، التحول من سياسة الدفاع إلى الهجوم
شاركت سفن حربية ألمانية بجانب كل من هولندا والنرويج والبرتغال في مناورات قبالة الساحل الشمالي للنرويج ومنطقة الشمال العليا، بهدف تأمين الممرات البحرية ومراقبة النشاط تحت الماء في منطقة القطب الشمالي، وهي منطقة ذات أهمية استراتيجية وتضم البنية التحتية الحيوية، بما في ذلك الكابلات البحرية. وتشكل المناورات جزءًا من عملية انتشار أوسع نطاقًا وسط تصاعد التوترات بين حلف شمال الأطلسي وروسيا.
هل يمكن لألمانيا الاستغناء عن المظلة الأمريكية في المستقبل القريب؟
تُدرك ألمانيا أن الأمريكيين لن يبقوا إلى الأبد، وتسعى استباقيًا لضمان عدم رحيلهم. وقد شكّل الوجود العسكري الأمريكي على الأراضي الألمانية ركيزة أساسية للأمن القومي في أوروبا، وبالنسبة لألمانيا شكّل الدعم العسكري الأمريكي حجر الزاوية في أمنها القومي منذ الحرب الباردة وحتى العام 2025. مع استمرار الثغرات في قدراتها الذاتية، من الذخيرة والجاهزية إلى الردع الاستراتيجي، لا تزال برلين تعتمد اعتمادًا كبيرًا على القوات الأمريكية، ويشمل ذلك الرؤوس النووية الأمريكية المتمركزة في بلدة “بوشل الغربية”، وهي ركيزة أساسية في الموقف الدفاعي المشترك لحلف شمال الأطلسي ضد التهديدات.
تقول “أيلين ماتلي” الباحثة البارزة في سياسة الأمن في المجلس الألماني للعلاقات الخارجية: “من الواضح أن الحكومة الألمانية سعت مبكرًا إلى إعادة بناء تحالف وثيق مع الولايات المتحدة، عبر جهود منسقة من قِبَل المستشار الألماني، ووزير الدفاع، ووزير الخارجية”.
ما حجم تهديدات التجسس والهجمات الهجينة الروسية؟
ازداد عدد مشاهدات الطائرات المسيّرة في ألمانيا بشكل ملحوظ منذ بدء حرب أوكرانيا في العام 2022. فبينما لم تُرصد سوى حالات معزولة في عام 2021، ارتفع العدد بالفعل إلى (446) في عام 2023، وكثيرًا ما رُصدت الطائرات المسيّرة فوق قواعد الجيش الألماني، وفي بعض الحالات فوق مصانع كيميائية.
سُجّل (131391) هجومًا إلكترونيًا في العام 2025، مع أن جزءًا منها فقط يُعزى إلى روسيا. وشُنت الهجمات على مقر الحزب الاشتراكي الديمقراطي (SPD)، بالإضافة إلى شركات الدفاع وتكنولوجيا المعلومات والطيران، ونُسبت إلى جماعة القراصنة الروسية (APT 28)، التي تتعاون مع وكالة الاستخبارات العسكرية الروسية (GRU). الاستخبارات والحروب الهجينة ـ الاغتيالات ضد روسيا كسلاح في الحرب الأوكرانية
حذّرت “مارتينا روزنبرغ” رئيسة جهاز مكافحة التجسس العسكري (MAD) قائلةً: “نحن نتحدث عن زيادة حادة في حالات التجسس والتدابير الهجينة. النهج أكثر شمولًا وأكثر عدوانية”. يُحذّر خبير الاستخبارات “كريستوفر نيرينغ” قائلًا: “ألمانيا غير مستعدة جيدًا لحرب هجينة مع روسيا، لقد فشلوا في دراسة أساليب الهجوم الهجينة ككل”. ويضيف الخبير “نيرينغ”: “إنهم عمليًا يضيعون في التفاصيل الدقيقة”.
مابين الإسلاموية والتطرف اليميني: التهديدات تتغير لكن الخطر باقٍ
بلغ عدد الخطيرين أمنيًا في أبريل 2025 في ألمانيا (575) شخصًا، مقارنة بـ(613) في عام 2023. ويُعتبر (458) شخصًا تهديدًا بسبب “أيديولوجيتهم الدينية”، معظمهم من الإسلاميين، في المقابل يأتي (74) تهديدًا من اليمين المتطرف، و(10) من الطيف اليساري المتطرف. انخفضت أعداد التهديدات في مجالات “الأيديولوجية الإسلاموية” و”التطرف اليميني”، ولكن ما يبدو وكأنه تطور إيجابي لا يظهر إلا جزءًا من الحقيقة، لأن هذه الإحصائيات لا تقدم إلا معلومات محدودة عن الوضع الخطير في ألمانيا. مكافحة الإرهاب ـ صعود اليمين المتطرف في ألمانيا وتحديات الأمن القومي
تقييم وقراءة مستقبلية
تشهد ألمانيا تحولًا جذريًا في سياستها الدفاعية والأمنية، مدفوعةً بتصاعد التهديدات الإرهابية الجيوسياسية، خاصة من روسيا، وبحاجتها لسد الثغرات في قدراتها الدفاعية.
يعكس التوجه الألماني الاستراتيجي لجعل الجيش الألماني “أقوى جيش في أوروبا”، إعادة بناء قوة ردع متكاملة، مدعومة بزيادة الإنفاق الدفاعي بحلول عام 2029، وبرامج إعادة تسليح ضخمة.
يهدف إنشاء مجلس الأمن القومي كخطوة استباقية إلى تسريع عملية صنع القرار، وتنسيق التحليلات والمعلومات الأمنية والاستخباراتية.
يظل استمرار الاعتماد على المظلة الأمريكية، خاصة في مجال الردع النووي، نقطة ضعف استراتيجية، رغم الجهود لتعزيز الشراكة مع واشنطن وضمان بقاء قواتها.
تكشف التهديدات والهجمات الهجينة على ألمانيا هشاشة البنية الأمنية الداخلية، ويمكن القول أن تراجع أعداد “الخطيرين أمنيًا” مؤشرًا إيجابيًا ظاهريًا، لكنه لا يعكس بالضرورة انخفاض حجم المخاطر.
بات متوقعًا إذا تمكنت برلين من استكمال خطط التحديث العسكري، وتعزيز التنسيق مع مبادرات التعاون الدفاعي الأوروبي (PESCO)، فقد تصبح لاعبًا محوريًا في الأمن الأوروبي.
من المحتمل مع استمرار التوترات مع روسيا واحتمال تعرض ألمانيا أو حلفائها لهجمات، أن تتنامى مساعي برلين في دمج الاستثمار المستمر في قدراتها الدفاعية، وبناء شبكة تحالفات مرنة، لمواجهة أزمات مستقبلية غير تقليدية.
رابط مختصر.. https://www.europarabct.com/?p=107514
*حقوق النشر محفوظة إلى المركز الأوروبي لدراسات مكافحة الإرهاب والاستخبارات
هوامش
Warum Deutschland einen Nationalen Sicherheitsrat gründet
https://tinyurl.com/3uruevwj
UK and Germany prepare to sign wide-ranging mutual defense treaty
https://tinyurl.com/52ymprew
On defence, France and Germany are inching closer but remain far apart
https://tinyurl.com/yjymmb3j
Germany eyes strongest EU army by 2031
https://tinyurl.com/5n87kyft
