المركز الأوروبي لدراسات مكافحة الإرهاب والاستخبارات ـ ألمانيا وهولندا ECCI
الأمن السيبراني ـ ما دور الاتحاد الأوروبي في حماية البنية التحتية الحيوية؟
فرضت دول الاتحاد الأوروبي في 16 مارس 2026، عقوبات جديدة على عدد من مجموعات القرصنة الدولية، ضمن جهودها المتواصلة لتعزيز الأمن السيبراني وحماية البنية التحتية الحيوية للاتحاد الأوروبي. وشملت هذه العقوبات مجموعة إيرانية متورطة في سرقة بيانات مشتركي مجلة شارلي إيبدو الفرنسية الساخرة، والتي كانت قد تعرضت سابقا لهجمات إرهابية في عام 2015 إثر نشرها رسوما كاريكاتورية مثيرة للجدل. وقد أعلنت السلطات الأوروبية عن تجميد أصول شركة “إمينيت باسارجاد” الإيرانية، ومنع أي تعاملات مالية أو تجارية معها، بعد أن ثبت تورطها في سرقة بيانات مشتركي المجلة الفرنسية عام 2023 وعرضها للبيع على شبكة الإنترنت المظلم، في واحدة من أخطر عمليات القرصنة المرتبطة بالإرهاب السيبراني في السنوات الأخيرة.
تهديد الاستقرار السياسي والأمني في دول الاتحاد الأوروبي
تأتي هذه الخطوة في إطار جهود الاتحاد الأوروبي للحد من تهديدات مجموعات القرصنة الأجنبية على البنية التحتية الحيوية والوظائف الحكومية الحيوية، والتي تشمل نظم الاتصالات، وأنظمة الطاقة، والمرافق الحيوية، وكذلك المؤسسات المالية والحكومية. فقد أظهرت التحقيقات أن هذه المجموعات لم تكتف بسرقة المعلومات لأغراض مالية، بل استخدمتها أيضا لتهديد الاستقرار السياسي والأمني في دول الاتحاد الأوروبي، بما يشمل الاستغلال في عمليات التجسس، والابتزاز الإلكتروني، والتدخل في سياسات الدول الأعضاء.
استهداف البنية التحتية الحيوية لدول الاتحاد الأوروبي
فرضت الدول الأوروبية عقوبات على شركتين صينيتين، هما Integrity Technology Group وAnxun Information Technology المعروفة أيضا باسم i-Soon، إضافة إلى مؤسسيهما المشاركين Chen Cheng وWu Haibo، الذين مُنعوا من دخول الاتحاد الأوروبي وفقًا لقائمة العقوبات الأوروبية الجديدة. وأوضحت تفاصيل العقوبات أن شركة Anxun Information Technology استهدفت “البنية التحتية الحيوية والوظائف الحكومية الحيوية” لدول الاتحاد الأوروبي، كما باعت معلومات سرية واستغلتها في تقديم ما وصفته خدمات قرصنة مدفوعة الأجر، مما يشير إلى مستوى عال من التنظيم والتخطيط في عمليات الهجوم السيبراني على المؤسسات الأوروبية.
وفي مارس 2025، وجهت وزارة العدل الأمريكية اتهامات إلى 12 شخصا متورطين في مجموعة “آي-سون” بشن هجمات إلكترونية واسعة النطاق، زعمت الولايات المتحدة أنها نفذت بتحريض مباشر من أجهزة الأمن الصينية. وأكدت الوزارة أن أجهزة الأمن الصينية دفعت مبالغ مالية ضخمة لهذه المجموعات مقابل البيانات التي تم سرقتها، وهو ما يعكس تعاونًا بين بعض الجهات الحكومية الأجنبية ومجموعات القرصنة لتحقيق أهداف استراتيجية بعيدة المدى، بما يشمل التجسس الصناعي والسياسي.
التهديدات السيبرانية وحماية الأمن الرقمي
تعتبر شركة Integrity Technology Group، وهي شركة صينية أخرى، أحد الأطراف الرئيسية في هذه الشبكات، حيث قامت بتسهيل أنشطة مجموعة قرصنة تابعة للدولة الصينية تُعرف باسم Flax Typhoon، والتي استهدفت منظمات في تايوان لأغراض تجسسية واستراتيجية. وأعلن مجلس الاتحاد الأوروبي أن مجموعة “فلاكس تايفون” استخدمت منتجات وتقنيات شركة Integrity لاختراق أكثر من 65 ألف جهاز كمبيوتر في ست دول أعضاء بالاتحاد الأوروبي، مما أدى إلى اختراق معلومات حساسة خاصة بالبنية التحتية الحيوية والمؤسسات الحكومية. وتزامن ذلك مع فرض وزارة الخزانة الأمريكية عقوبات على شركة Integrity في يناير 2025، فيما فرضت المملكة المتحدة عقوبات مماثلة على الشركتين الصينيتين في أواخر العام 2025، في خطوة تهدف إلى محاصرة التهديدات السيبرانية وحماية الأمن الرقمي لدول التحالف الغربي.
استراتيجيات متكاملة لمكافحة الهجمات الإلكترونية
أثارت هذه التحركات الأوروبية والأمريكية قلقا واسعا في الأوساط الأمنية والاستخباراتية، خاصة في ظل التوسع المتزايد لاستخدام مجموعات القرصنة الأجنبية لأغراض سياسية وتجسسية، واستهدافها البنى التحتية الحيوية للدول الأوروبية. ويؤكد المسؤولون الأوروبيون أن التهديدات لا تقتصر على الاختراقات الرقمية للبيانات، بل تشمل القدرة على تعطيل الخدمات الأساسية، وابتزاز الحكومات، والتأثير على الأمن الوطني والسياسي، وهو ما يفرض على الاتحاد الأوروبي تبني استراتيجيات متكاملة لمكافحة الهجمات الإلكترونية، تشمل العقوبات الاقتصادية، وتعزيز التعاون الاستخباراتي، وتطوير البنية التحتية الرقمية للدفاع السيبراني.
أكد الاتحاد الأوروبي أن العقوبات الموجهة ضد شركات ومؤسسات صينية وإيرانية تمثل جزءا من سياسة أوروبية شاملة للتصدي للجرائم السيبرانية المعقدة، ولردع أي تدخل خارجي يمكن أن يهدد استقرار الاتحاد وأمنه الداخلي. وتشمل هذه السياسة تعزيز القدرة على مراقبة الشبكات الحساسة، وتأمين البيانات الحكومية والخاصة، وتطوير برامج تدريبية متقدمة للكوادر التقنية في دول الاتحاد، بالإضافة إلى التعاون مع الدول الشريكة على المستوى الدولي لتبادل المعلومات بشأن الهجمات السيبرانية ومصادرها.
يعتبر استهداف مجلة شارلي إيبدو مثالًا على كيفية امتداد التهديدات السيبرانية لتشمل المجال الثقافي والإعلامي، إذ تم استخدام القرصنة كوسيلة للضغط والابتزاز وتهديد الحريات الصحفية، خاصة بعد نشر المجلة رسوما كاريكاتورية أثارت جدلا دوليا في سياق حرية التعبير. وقد أظهرت التحقيقات أن سرقة البيانات لم تقتصر على المعلومات المالية للمشتركين، بل شملت بيانات شخصية وحساسة يمكن أن تُستغل في هجمات مستقبلية أو عمليات ابتزاز، مما يجعل من الضروري اتخاذ إجراءات وقائية صارمة.
تطوير أنظمة دفاعية متقدمة ضد الهجمات السيبرانية
وبالإضافة إلى الإجراءات القانونية والعقوبات، تركز المفوضية الأوروبية على تطوير أنظمة دفاعية متقدمة ضد الهجمات السيبرانية، بما يشمل الذكاء الاصطناعي لرصد الاختراقات، وتحليل البيانات الكبيرة لتوقع التحركات الخبيثة، وتعزيز التعاون بين الدول الأعضاء لتبادل المعلومات فور وقوع أي حادثة. ويؤكد خبراء الأمن الإلكتروني أن استمرارية هذه الجهود ومواكبتها للتطورات التقنية هي العامل الأساسي لضمان قدرة الاتحاد الأوروبي على مواجهة أي تهديد من هذا النوع في المستقبل.
تشير هذه التطورات إلى تزايد أهمية التعاون الدولي بين الاتحاد الأوروبي، والولايات المتحدة، والمملكة المتحدة، في التصدي للقرصنة والهجمات الإلكترونية، خاصة تلك التي تنفذ بدعم أو تحريض من جهات حكومية خارجية. وتشدد السلطات على أن حماية الأمن السيبراني لم تعد مسؤولية فردية للدول، بل أصبحت قضية استراتيجية مشتركة تتطلب تكامل الجهود القانونية، الاستخباراتية، والتقنية لضمان سلامة البنية التحتية الحيوية وحماية المواطنين والمعلومات الحساسة.
رابط مختصر.. https://www.europarabct.com/?p=116317
*حقوق النشر محفوظة إلى المركز الأوروبي لدراسات مكافحة الإرهاب والاستخبارات
