المركز الأوروبي لدراسات مكافحة الإرهاب والاستخبارات ـ ألمانيا وهولندا ECCI
الأمن السيبراني ـ كيف باتت المعلومات المضللة تهدد استقرار الاقتصاد الالماني؟
من عمليات إغلاق المصانع المزعومة إلى الحملات المُتلاعب بها، تتطور المعلومات المضللة لتصبح تهديدا جديدا للشركات الألمانية يُضاهي الهجمات الإلكترونية. وفقا لدراسة أجرتها جمعية الأمن في الأعمال (VSW)، أصبحت الشركات الألمانية بشكل متزايد هدفا لحملات التضليل الموجهة. على سبيل المثال، يستشهد المؤلفان، البروفيسور الدكتور مارتن غروث والدكتور كريستوفر نيهرينغ، من بين جهات أخرى، بشركة الكيماويات الألمانية BASF، التي انتشرت عنها معلومات مضللة بشكل متكرر عبر حملات إلكترونية منسقة. ويشمل ذلك تقارير عن مزاعم إغلاق مصانع، وتسريح جماعي للعمال، أو نقل مواقع الإنتاج. لا يقتصر هدف هذه الادعاءات الكاذبة على تشويه سمعة الشركات فحسب، بل يهدف بالدرجة الأولى إلى ترسيخ سردية التدهور المزعوم للاقتصاد الألماني. ومن خلال استغلال شركات مثل BASF عمدا، يتمثل الهدف في بث الخوف والشك وانعدام الثقة في المجتمع.
آليات الهجمات والمعلومات المضللة
تصف الدراسة مجموعة متنوعة من الأشكال النموذجية التي تُشن بها حملات التضليل ضد الشركات. وتشمل هذه الأشكال تقارير كاذبة حول حالات إفلاس مزعومة أو إغلاق مصانع، وحملات مقاطعة منسقة، ومراجعات إلكترونية مُتلاعب بها، ومحتوى مُزيّف بتقنية التزييف العميق يظهر فيه، على سبيل المثال، مسؤولون تنفيذيون وهم يروجون لمنتجات مشكوك فيها. تُعد المواقع الإلكترونية المزيفة، والمخططات الاحتيالية، والتضليل الموجه بهدف التلاعب بأسعار الأسهم، جزءا من هذه الأساليب. والأهم من ذلك، أن هذا المحتوى غالبا لا يستند كليا إلى الأكاذيب، بل يتضمن معلومات حقيقية مُحرّفة أو مُقتطعة من سياقها.
الشركات الألمانية تقلل من شأن الخطر
بحسب الدراسة، باتت المعلومات المضللة منذ زمن بعيد تشكل تهديدا كبيرا للشركات، يُضاهي الهجمات الإلكترونية التقليدية. وعلى عكس الهجمات التقنية، يصعب اكتشاف حملات التضليل. فالمحتوى على الإنترنت ينتشر بسرعة، وإنتاجه غير مكلف، ويصعب تتبعه. وعموما، يصعب حذف المحتوى الذي يُنشر على الإنترنت، إما لعدم إمكانية تتبعه بوضوح، أو لأنه أُعيد إنتاجه ونشره على نطاق أوسع. يمكن لحملات التضليل أن تُلحق أضرارا جسيمة بالشركات، بدءا من تشويه السمعة وتراجع المبيعات وصولا إلى التأثير السلبي على أسعار الأسهم. ومع ذلك، تشير الدراسة إلى أن العديد من الشركات لا تزال تُقلل من شأن هذا الخطر. ويعود ذلك في المقام الأول إلى تغير الظروف، مثل التوترات الجيوسياسية، وتزايد الاستقطاب في المجتمعات، وتأثير وسائل التواصل الاجتماعي بشكل كبير على الفضاء العام الرقمي.
تلعب التطورات التكنولوجية دورا في ذلك فالمحتوى المدعوم بالذكاء الاصطناعي، وبرامج الروبوت، وقنوات الأخبار المزيفة الآلية، تجعل إنتاج ونشر المعلومات المضللة على نطاق واسع أسهل من أي وقت مضى. وتزداد الهجمات فعالية لأنها أسرع وأكثر احترافية وأصعب في السيطرة عليها. كل هذه العوامل تجعل المعلومات المضللة “رخيصة وسريعة ومتعددة الأوجه وفعالة ويصعب اكتشافها”.
من يقف وراء هجمات التضليل الإعلامي؟
بالنسبة للشركات، تكون هذه الآثار ملحوظة اقتصاديا وسياسيا: فهي تواجه فقدان الثقة بين العملاء والمستثمرين ويمكن أن تسجل خسائر مباشرة في الإيرادات في حالة دعوات المقاطعة أو المعلومات المضللة. ومع ذلك، فإن حملات التضليل لا تقتصر على كونها ملحوظة خارجيا بالنسبة للشركات فحسب؛ بل يمكن أن تسبب أيضا اضطرابات داخلية من خلال حالة عدم اليقين بين القوى العاملة أو التسييس المستهدف للقضايا. لا توجد جهة واحدة تقف وراء هذه الحملات. فبحسب الدراسة، تشارك فيها طيف واسع من الجهات، بما في ذلك الدولة والجماعات السياسية، والناشطون، ومجرمو الإنترنت، ومقدمو الخدمات المتخصصة. وفي بعض الحالات، قد يكون للجهات الداخلية دور فيها.
أعلن وزير الداخلية الألماني، ألكسندر دوبريندت، أن ألمانيا سترد على الهجمات الإلكترونية في الخارج مستقبلا. إلى أي مدى سيصل ذلك؟. لطالما كان الأمن السيبراني قضية مهملة في السياسة الألمانية. فبينما كانت التحذيرات من مخاطر الهجمات، لا سيما من الخارج، تُصدر باستمرار، كان اتخاذ إجراءات ملموسة أمرا صعبا، إذ لم تترك القوانين والأحكام القضائية القائمة مجالا كافيا للمناورة. ولذا ازداد عدد الحوادث بشكل مطرد خلال العام 2025. لكن الأمور قد تتغير الآن. فقد أعلن وزير الداخلية ألكسندر دوبريندت: “سنرد، حتى في الخارج. سنعرقل المهاجمين وندمر بنيتهم التحتية”. هذه كلمات غير مألوفة، فبعد كل شيء، لطالما حث المسؤولون على ضبط النفس فيما يتعلق بالإجراءات التي تتجاوز الدفاع. تشير تصريحات دوبريندت إلى نهج جديد، توسيع الصلاحيات، وهو يعتزم تقديم تشريع ذي صلة قريبا. وقد تتخذ الهجمات المضادة بعدا جديدا خلال العام 2026. ونظرا لأن الهجمات الإلكترونية غالبا ما تُنفذ بدعم من جهات فاعلة حكومية مثل روسيا أو الصين، فإن مناطق صراع جديدة تلوح في الأفق.
النتائج
تشير المعطيات إلى أن المعلومات المضللة مرشحة لأن تتحول إلى أحد أخطر التهديدات غير التقليدية التي تواجه الشركات في المرحلة المقبلة. فمع تسارع تطور تقنيات الذكاء الاصطناعي، خاصة في مجالات التزييف العميق وإنتاج المحتوى الآلي، ستصبح القدرة على تصنيع روايات مقنعة ومؤثرة أكثر سهولة وانتشارا، وهو ما يعقد من مهمة التحقق والتصدي.
من المتوقع أن تتجه حملات التضليل نحو مزيد من التخصيص والاستهداف الدقيق، بحيث لا تقتصر على الجمهور العام، بل تمتد إلى مستثمرين بعينهم أو موظفين داخل الشركات أو حتى شركاء استراتيجيين. هذا التحول سيزيد من تأثير هذه الحملات، إذ لن يكون الضرر إعلاميا فقط، بل قد يمتد إلى قرارات استثمارية وتشغيلية حساسة.
من المرجح أن تتكامل حملات التضليل مع أدوات أخرى، مثل الهجمات السيبرانية أو التسريبات الموجهة، في إطار ما يمكن وصفه بالحروب الهجينة ضد الكيانات الاقتصادية. هذا التكامل سيجعل من الصعب الفصل بين الهجوم التقني والحملة الإعلامية، ما يستدعي استجابات أكثر شمولية من جانب الشركات.
في المقابل، ستضطر الشركات إلى تطوير استراتيجيات دفاعية جديدة، لا تقتصر على الأمن السيبراني، بل تشمل أيضا رصد المحتوى الرقمي، وبناء قدرات الاستجابة السريعة، وتعزيز الثقة مع الجمهور عبر الشفافية والتواصل الفعال.
على المستوى التنظيمي، قد نشهد تدخلات حكومية وتشريعية أوسع لمواجهة هذا النوع من التهديدات، خاصة مع إدراك تأثيره على الاقتصاد الوطني والاستقرار المجتمعي. ومع ذلك، ستظل المواجهة معقدة بسبب الطبيعة العابرة للحدود لهذه الحملات.
يبدو أن معركة المستقبل لن تكون فقط على حماية البيانات، بل على حماية الحقيقة نفسها، وهو تحد يتطلب تعاونا وثيقا بين الشركات والحكومات والمجتمع.
رابط مختصر.. https://www.europarabct.com/?p=116976
*حقوق النشر محفوظة إلى المركز الأوروبي لدراسات مكافحة الإرهاب والاستخبارات
