خاص ـ المركز الأوروبي لدراسات مكافحة الإرهاب والاستخبارات، ألمانيا وهولندا ECCI
الأمن السيبراني ـ كيف أصبحت المعلومات المضللة والهجمات السيبرانية “التهديد الأكبر” لأوروبا؟
في استطلاع للرأي تم نشره في 23 أغسطس 2025، وشمل أكثر من 31 ألف بالغ في 25 دولة حول العالم، تبيّن أن انتشار المعلومات المضللة عبر الإنترنت والإرهاب يُعدّان من أبرز التهديدات التي تواجه الأمن الوطني في العديد من الدول، وخصوصاً في أوروبا. وأظهر الاستطلاع، الذي نُفذ من قبل مركز بيو للأبحاث، تصاعد القلق العام في أوروبا إزاء التأثير المتزايد للمعلومات المضللة، لا سيما في ظل الانتخابات والأحداث السياسية الكبرى.
المعلومات المضللة التهديد الأكبر للأمن الوطني
في خمس دول أوروبية رئيسية شملها الاستطلاع هي ألمانيا، وهولندا، وبولندا، والسويد، والمملكة المتحدة صُنِّف انتشار المعلومات المضللة على أنه التهديد الأكبر للأمن الوطني، متقدماً على التهديدات التقليدية الأخرى مثل الإرهاب، وتغير المناخ، والاقتصاد. وتُظهر هذه النتائج أن الجمهور الأوروبي بات يعتبر الهجمات الرقمية على الحقيقة والمعلومات تهديداً مباشراً للاستقرار السياسي والاجتماعي.
وفي أربع دول أوروبية أخرى فرنسا، وإيطاليا، والمجر، وإسبانيا لم تحتل المعلومات المضللة المرتبة الأولى، لكنها جاءت في موقع قريب من الصدارة، وغالباً ما كانت ثانية أو ثالثة من حيث درجة التهديد الذي تمثله في أعين المواطنين. أما في اليونان، فقد برزت وجهة نظر مختلفة إلى حد ما، حيث اعتُبرت المعلومات المضللة ثالث أكبر تهديد، بعد المشكلات الاقتصادية وتغير المناخ، ما يشير إلى تباينات في أولويات المخاوف الوطنية بين الدول الأوروبية.
يرى جاكوب بوشتر، المدير المساعد للأبحاث في مركز بيو للأبحاث بالولايات المتحدة: “أن الانتخابات الأخيرة في بعض البلدان الأوروبية قد لعبت دوراً رئيسياً في تعميق هذه المخاوف”. وأوضح قائلاً: “الانتخابات الأخيرة في بلدان مثل ألمانيا وبولندا ربما عززت من شعور الأوروبيين بخطورة المعلومات المضللة”. ويُعتقد أن الحملات الانتخابية في ألمانيا في فبراير 2025، وفي بولندا في يونيو 2025، كانت هدفاً لحملات تضليل إعلامي يُرجح أنها جاءت من مصادر روسية، ضمن سياق أوسع من الحرب المعلوماتية التي تُستخدم فيها الأخبار الزائفة لتقويض الثقة في الديمقراطية والتأثير على نتائج التصويت.
تأثير الحملات الرقمية والتدخلات الأجنبية على المزاج الأوروبي
كشف الاستطلاع عن أن 81% من الألمان يعتبرون المعلومات المضللة تهديداً وطنياً كبيراً، في حين ارتفعت هذه النسبة في بولندا إلى 85%. هذا المستوى العالي من القلق يعكس تأثير الحملات الرقمية والتدخلات الأجنبية على المزاج الأوروبي، وخاصة عندما تقترن بمناسبات حساسة مثل الانتخابات العامة. وأضاف بوشتر: “الانتخابات تلعب دوراً حاسماً في تكوين هذه التصورات، خاصة عندما تترافق مع حملات منظمة تهدف إلى التشكيك في نتائجها أو في نزاهة العملية الديمقراطية برمتها”.
الانتماء السياسي يلعب دوراً بارزاً في تشكيل الآراء
لكن الصورة ليست موحدة في جميع أنحاء أوروبا، حيث أظهر الاستطلاع أن الانتماء السياسي يؤثر بشكل كبير على نظرة الأفراد إلى المخاطر والتهديدات. ففي ألمانيا، على سبيل المثال، أظهرت النتائج أن 55% فقط من البالغين الذين ينظرون بإيجابية إلى حزب البديل من أجل ألمانيا (AfD) اليميني المتطرف يرون أن المعلومات المضللة تمثل تهديداً كبيراً، مقابل 89% من الذين لديهم موقف سلبي تجاه هذا الحزب. ويشير ذلك إلى أن الانتماء السياسي يلعب دوراً بارزاً في تشكيل آراء الأفراد بشأن المخاطر الوطنية.
تكررت هذه الفجوة الأيديولوجية في دول أوروبية أخرى مثل بولندا، والمجر، وهولندا، والسويد، والمملكة المتحدة. إذ يميل مؤيدو الأحزاب اليمينية إلى التقليل من خطورة المعلومات المضللة أو النظر إليها كجزء من نزاع سياسي داخلي، بينما يُظهر مؤيدو الأحزاب اليسارية قلقاً أكبر حيال هذه الظاهرة، ويعتبرونها تهديداً للديمقراطية والاستقرار.
بحسب نتائج الاستطلاع، فإن الأشخاص ذوي الميول اليسارية، على الصعيد العالمي، كانوا أكثر عرضة لاعتبار المعلومات المضللة وتغير المناخ تهديدين رئيسيين، بالمقارنة مع نظرائهم من ذوي التوجهات اليمينية، الذين غالباً ما يعتبرون الإرهاب أو الاقتصاد التهديدات الأكثر إلحاحاً. هذا التباين في أولويات التهديدات يعكس اختلافات ثقافية وسياسية عميقة، ليس فقط بين الدول، بل حتى داخل المجتمعات نفسها.
في المحصلة، يؤكد هذا الاستطلاع أن المعلومات المضللة لم تعد مجرد ظاهرة إعلامية أو رقمية، بل أصبحت تشكّل تحدياً استراتيجياً متنامياً للأمن القومي في أوروبا والعالم، لا سيما في ظل تنامي التداخل بين التقنية، والسياسة، والهوية الوطنية. وبينما تختلف النظرة إلى هذا التهديد من بلد إلى آخر ومن تيار سياسي إلى آخر، يبدو أن الاتجاه العام يشير إلى تزايد إدراك خطورته على المدى القريب والمتوسط، خاصة في ظل ازدياد استخدام الذكاء الاصطناعي والتقنيات الحديثة لنشر وتضخيم الأخبار الكاذبة.
أوروبا تتعرض لهجمات الإلكترونية
وفقًا لبحث حديث أجرته شركة ماستركارد في 18 دولة، فإن واحدًا من كل أربعة من أصحاب الشركات الصغيرة والمتوسطة في أوروبا تعرضوا للاحتيال الإلكتروني. سجلت أيرلندا 38% والدنمارك 35% وفرنسا 29% أعلى المعدلات. احتلت عمليات الاختراق والبرامج الضارة المرتبة المشتركة 32% باعتبارها الشكل الأكثر شيوعاً للهجوم الذي تعرضت له الشركات الصغيرة والمتوسطة، في حين جاء التصيد الاحتيالي في المرتبة الثانية 31%.
يمنع هذا الخطر ما يقرب من نصف الشركات الصغيرة والمتوسطة من توسيع نطاق أعمالها. يتجلى ذلك بشكل خاص في سلوفاكيا بنسبة 80%، وبولندا 79%، وإسبانيا 68%، والنرويج 64%، وفرنسا 62%، وجمهورية التشيك 59%. تخشى 25% من الشركات من أن هجوماً إلكترونياً قد يجبرها على الإغلاق تمامًا. يرى 67% إنهم يجب أن يحسنوا فهمهم للأمن السيبراني، وهو الشعور الأقوى في أيرلندا 83%، وبولندا 82%، والبرتغال 79%.
النتائج
يشير استطلاع الرأي إلى تصاعد غير مسبوق في الوعي الأوروبي بخطورة المعلومات المضللة، إذ باتت تُصنّف كتهديد وطني رئيسي يتجاوز الإرهاب وتغير المناخ في عدة دول.
هذا التحول يعكس إدراكًا متزايدًا بأن الحروب المعاصرة لم تعد تُخاض فقط بالسلاح، بل عبر التحكم بالمعلومة والتأثير في وعي الشعوب.
التدخلات الخارجية على رأسها التدخلات الروسية في الانتخابات الألمانية والبولندية، ساهمت في تعميق هذه المخاوف، خصوصاً في ظل الانتشار الواسع للذكاء الاصطناعي والمنصات الرقمية التي تُسهّل التلاعب السريع بالمحتوى.
على المدى القريب، من المرجح أن تتسارع جهود الحكومات الأوروبية في تشديد الرقابة على الفضاء الرقمي، وزيادة الاستثمار في مكافحة التضليل، وتطوير أدوات للكشف المبكر عن الحملات المنظمة.
على المدى البعيد، فستكون هناك حاجة لإعادة هيكلة سياسات التعليم والإعلام لتعزيز الوعي الرقمي لدى الأفراد.
مع استمرار الاختلاف الأيديولوجي في تفسير طبيعة التهديدات، سيبقى التحدي الأكبر في إيجاد إجماع مجتمعي حول ماهية الخطر وأولوياته. مستقبل الأمن الأوروبي بات مرتبطًا بقدرة الأفراد على التمييز بين الحقيقة والتضليل، لا فقط بترسانة الأسلحة أو الأنظمة الدفاعية التقليدية.
يُحتمل أن تدفع هذه التهديدات الحكومات والاتحاد الأوروبي إلى تبني تشريعات أكثر صرامة وتقديم دعم مباشر للشركات الصغيرة لتقوية قدراتها الدفاعية، وتفادي تحولها إلى نقطة ضعف داخل النظام الاقتصادي الأوروبي.
رابط مختصر.. https://www.europarabct.com/?p=108034
