المركز الأوروبي لدراسات مكافحة الإرهاب والاستخبارات ـ ألمانيا وهولندا،ECCI
الأمن السيبراني الأوروبي ـ البنية التحتية الحيوية، التهديدات والمخاطر
تتزايد الهجمات الإلكترونية في مختلف أنحاء الاتحاد الأوروبي، مستهدفة كل شيء من الوزارات الحكومية إلى البنية التحتية الحيوية. ومع ذلك، حتى بعد اعتماد عشرات المبادرات المتعلقة بالأمن السيبراني ومنح الحكومات والشركات سنوات لتطبيق تدابير الحماية، لا تزال الكتلة الأوروبية تواجه صعوبة في الدفاع عن نفسها.
تزايد في معدلات الهجمات الإلكترونية
ارتفعت الهجمات الإلكترونية بنسبة 145% بين عامي 2024 و2025 في بولندا، وفي فرنسا، سرق قراصنة معلومات حساسة لأكثر من 600 ألف من دافعي الضرائب في يوليو من العام 2026. وفي برلين، احتجزت مجموعة مرتبطة بروسيا في أغسطس من العام 2026 بيانات حكومية، بما في ذلك ملفات الموظفين وكلمات المرور، كرهائن، ما أدى إلى توقف بعض الأنظمة الحكومية عن العمل. ومن المرجح أن يتزايد التهديد مع تمكين الذكاء الاصطناعي ناشطي القرصنة والجهات المتحالفة مع الدول من تنفيذ عمليات أكثر إقناعًا، مع زيادة سرعتها ونطاقها. يقول إيلياس باكاتسيس، خبير الأمن السيبراني في وكالة الاتحاد الأوروبي للأمن السيبراني “ENISA”: “نشهد استخدامًا متزايدًا للذكاء الاصطناعي من جانب مجرمي الإنترنت لتعزيز التقنيات القائمة، بما في ذلك جعل حملات التصيد الإلكتروني أكثر إقناعًا ودعم عمليات الاستطلاع وتطوير البرمجيات الخبيثة”. وأضاف: “نتوقع أيضًا أن تدمج مجموعات الاختراق المرتبطة بالدول الذكاء الاصطناعي بصورة أكبر في عملياتها، بالاستناد إلى الأساليب والقدرات التقليدية التي تستخدمها بالفعل”. ولم يقف الاتحاد الأوروبي مكتوف اليدين. فقد تطور نهجه في مجال الأمن السيبراني خلال العقد الماضي من نهج تفاعلي إلى نهج استباقي بصورة متزايدة، مع تعزيز الوقاية والاستعداد والكشف المبكر والاستجابة المنسقة، وفقًا لباكاتسيس. لكن مقابلات مع خبراء في الأمن السيبراني ومسؤولين حكوميين ومطلعين على قطاع الصناعة تشير إلى أن الدفاعات الأوروبية لا تزال مجزأة عبر الحدود الوطنية والمؤسسات، ما يثير تساؤلات حول قدرة دفاعات الاتحاد الأوروبي على مواكبة الاستخدام المتزايد للذكاء الاصطناعي في الهجمات الإلكترونية.
أوروبا تحت الهجوم السيبراني
لا تكمن هشاشة أوروبا فقط في عدد الهجمات الإلكترونية التي تواجهها، وإنما في طبيعة الأهداف التي تستهدفها هذه الهجمات. فالإدارات العامة وشبكات الطاقة وغيرها من البنى التحتية الرقمية الحيوية تتعرض بصورة منتظمة للاستهداف من جانب مجرمين وجماعات مدعومة من دول، ما يضع الأنظمة الأساسية للمجتمعات والاقتصادات الأوروبية أمام مخاطر متزايدة. وتأتي معظم الحوادث المبلغ عنها في الاتحاد الأوروبي بدوافع أيديولوجية، تليها الهجمات ذات الدوافع المالية، والتجسس السيبراني، والأنشطة المتحالفة مع الدول. وشكل ناشطو القرصنة، وهم أفراد أو مجموعات تستخدم القرصنة الإلكترونية لتعزيز قضية أيديولوجية، ما يقرب من 80% من جميع الحوادث التي سجلتها وكالة ENISA بين يوليو 2024 ويونيو 2025. لكن هذه النسبة تشمل تهديدات مختلفة للغاية، تبدأ من تعطيل مواقع حكومية لفترة قصيرة، وصولًا إلى تشفير أنظمة أساسية بهدف طلب فدية، أو التسلل بهدوء إلى الشبكات وسرقة المعلومات.
شكلت الإدارات العامة 38% من الحوادث المسجلة. كما تعرض قطاعا النقل والخدمات اللوجستية لمخاطر كبيرة، حيث كانت الموانئ والمطارات ومشغلو الشحن من بين الأهداف المفضلة لعصابات برمجيات الفدية. أما الجماعات المرتبطة بالدول، فتميل إلى تفضيل أهداف أقل وضوحًا. ويمكن أن توفر نقاط الضعف في سلاسل الإمداد وشهادات البرمجيات المسروقة موطئ قدم لها داخل شبكات الاتصالات والتصنيع وغيرها، بما يتيح لها سرقة المعلومات أو تعطيل العمليات أو التوغل بصورة أعمق داخل الأنظمة المترابطة. وقال باكاتسيس من وكالة ENISA: “لا نرى مشهد تهديدات مختلفًا بصورة جوهرية مقارنة بالعام الماضي، وإنما نشهد تطورًا في التهديدات القائمة، مع تغيرات في التقنيات والأدوات والأساليب التشغيلية التي تستخدمها مجموعات التهديد”.
أوضح سفين هيربيغ، كبير مستشاري الأمن السيبراني والتهديدات الناشئة في مركز Interface الأوروبي المتخصص في شؤون التكنولوجيا، إن الدفاع عن الحكومات والبنية التحتية الحيوية الأوروبية من الهجمات الإلكترونية يمثل تحديًا هائلًا. وأشار هيربيغ إلى أن هناك في ألمانيا وحدها 50 ألف منظمة مصنفة ضمن البنية التحتية الحيوية. وقال: “معظم البنى التحتية الحيوية لن تكون قادرة على الدفاع عن نفسها ضد الجهات العسكرية أو الجهات المدنية الخبيثة”، مضيفًا أن جميع القطاعات تقريبًا معرضة للهجمات. وفي حين تصدرت نماذج الذكاء الاصطناعي المتقدمة من الولايات المتحدة، مثل Mythos 5 وFable 5 من شركة Anthropic، عناوين الأخبار بسبب ما تمثله من تهديد كبير للأمن السيبراني، يرى هيربيغ ورولاند ديلروي، الشريك المؤسس لشركة الأمن السيبراني البلجيكية Aikido، أن مصدر القلق الأكثر إلحاحًا يتمثل في صعود نماذج الذكاء الاصطناعي منخفضة التكلفة والمفتوحة المصدر من الصين.
وقالا إن هذه النماذج لا تتأخر عن النماذج الأمريكية المتقدمة سوى بنحو ستة إلى ثمانية أشهر. ويمكن للجهات الخاصة الخبيثة أو الحكومات إزالة ميزات الأمان من النماذج مفتوحة المصدر واستخدامها لمضاعفة الهجمات الإلكترونية بتكلفة منخفضة. لكن هيربيغ يرى أن التغيير الأساسي سيكون في كمية الهجمات وليس في جودتها. وأوضح: “نشهد استخدام الذكاء الاصطناعي عبر سلسلة الهجوم السيبراني بأكملها، وهو يجعل كل شيء أسرع، وليس بالضرورة أفضل”.
هل تستطيع أوروبا الدفاع عن نفسها؟
يرى أعضاء لجنة الأمن والدفاع في البرلمان الأوروبي “SEDE” أن أوروبا بحاجة إلى تعزيز قدرتها على اكتشاف هذه التهديدات وجمع المعلومات الاستخباراتية بشأنها والاستجابة لها، بما في ذلك من خلال إنشاء مركز أوروبي جديد للأمن السيبراني. وقال النائب الأوروبي خوسيه ثيبيدا، من إسبانيا عن مجموعة الاشتراكيين والديمقراطيين، وأحد مقرري تقرير غير ملزم بشأن التهديدات الهجينة من المقرر التصويت عليه في ستراسبورغ في سبتمبر من العام 2026: “إن مجال الذكاء الاصطناعي العسكري بأكمله، إلى جانب الحوسبة الكمية، سيعرضنا لتهديدات صارخة، ولكن خلال فترة زمنية قصيرة جدًا”. وأضاف: “لهذا السبب، نحتاج إلى إنشاء مركز أوروبي للاستجابة في الوقت الفعلي لجميع أنواع التهديدات”. ويرى ثيبيدا أن مثل هذا المركز يمكن أن يشكل نواة لقيادة أوروبية للفضاء السيبراني. لكن المشكلة تكمن في أن أوروبا لديها بالفعل عدد كبير من الهيئات المصممة لتنسيق الجهود الوطنية، بينما لا تزال الحكومات مترددة في مشاركة بعض المعلومات والقدرات اللازمة لجعل هذه الهيئات فعالة.
وبحسب هيربيغ، فإن حساسية الأمن السيبراني تجعل حتى الوكالات داخل الدولة الواحدة مترددة في مشاركة المعلومات. وقال بشأن إنشاء قيادة سيبرانية أوروبية أوسع نطاقًا: “نحن لا نتشارك حتى الأدوات ونقاط الضعف فيما بيننا، فما الذي سنحققه بمجرد الجلوس في الغرفة نفسها؟” وتعمل بعض الدول بدلًا من ذلك على بناء قدراتها الوطنية الخاصة. وقال جوزيف يارنيكي، الباحث في المعهد الملكي للخدمات المتحدة “RUSI”: “ما نراه، على الأقل في المملكة المتحدة وإيطاليا وفرنسا، هو تطوير وكالات موجهة إلى الجمهور ولديها خلفيات استخباراتية، بهدف التفكير في الدفاع السيبراني الوطني للدولة بأكملها”. وخلال السنوات الخمس عشرة الماضية، سعت بعض الدول كذلك إلى الجمع بين القدرات العسكرية والخبرات المتخصصة في المجال السيبراني. ويرى يارنيكي أن هناك مبررًا لتعزيز التعاون بين الدول الأوروبية، ولا سيما في مجال تبادل المعلومات بشأن نقاط الضعف الحيوية والاستجابات للتهديدات الاستراتيجية.
لكنه حذر من الاكتفاء بإضافة طبقة أخرى إلى بنية مؤسسية تعاني أصلًا من كثرة الجهات والهياكل. كما يتحول النقاش من كيفية حماية أوروبا لشبكاتها إلى مسألة ما إذا كان ينبغي لها أن تعمل بنشاط على تعطيل شبكات خصومها. إلا أن الدول الأوروبية لا تتبنى الموقف نفسه تجاه فكرة نقل المواجهة إلى شبكات الخصوم، وفقًا ليارنيكي. تمتلك فرنسا بالفعل قدرة عسكرية سيبرانية هجومية راسخة، لكن الهجمات الأخيرة كشفت نقاط ضعف في الأمن الأساسي للدولة الفرنسية. أما ألمانيا، فتتحرك لمنح أجهزتها الاستخباراتية صلاحيات أكبر لتعطيل العمليات السيبرانية الأجنبية، في تحول حساس سياسيًا بالنسبة إلى دولة تتسم تقليديًا بالحذر في استخدام سلطة الدولة في الفضاء السيبراني. وتوضح الدولتان مشكلة أوسع نطاقًا: امتلاك القدرة على التحرك لا يعني بالضرورة امتلاك الأنظمة أو القواعد أو التوافق السياسي اللازم للتحرك بسرعة. وهذا يجعل الوصول إلى نهج أوروبي مشترك أمرًا صعبًا. ويرى يارنيكي أن أي عملية تشمل عدة دول ستكون، على الأرجح، أكثر احتمالًا لأن تتم عبر حلف شمال الأطلسي “الناتو” أو من خلال تحالف أصغر من الدول التي تمتلك القدرات التقنية والاستعداد السياسي للتحرك.
العودة إلى أساسيات الأمن السيبراني
قد يتمثل التحدي الأكثر إلحاحًا أمام أوروبا في ضمان قدرة الشركات الخاصة على الدفاع عن نفسها ضد الهجمات التي تتعرض لها بالفعل، بما في ذلك الهجمات المدعومة بالذكاء الاصطناعي. وقال باكاتسيس: “لا تزال الجرائم الإلكترونية، وبرمجيات الفدية على وجه الخصوص، واحدة من أهم التهديدات لاستمرارية أعمال المنظمات الأوروبية، حيث تؤثر في القطاعين العام والخاص”. وأصبح وعي الشركات بالمخاطر أكبر بصورة متزايدة، وفقًا لممثلين عن القطاع تحدثوا إلى مجلة البرلمان. لكن العديد منها لا يزال يحاول تحديد كيفية استخدام الذكاء الاصطناعي لأكثر من مجرد اكتشاف نقاط الضعف، وما إذا كان يمكن استخدامه لاختبار أنظمتها ضد أنواع الهجمات التي قد تواجهها فعليًا. ويرى ديلروي أن الحل يبدأ بتحسين الدفاعات الأساسية وتطوير مزيد من التكنولوجيا الأوروبية. وقال إن اهتمام الحكومات ومزودي البنية التحتية الحيوية، مثل البنوك، بمنتجات شركة Aikido ازداد بصورة حادة خلال السنوات الأخيرة.
ومع ذلك، لا تزال العديد من المنظمات تطلب أدوات تعتمد على التكنولوجيا الأمريكية، بما في ذلك نماذج Anthropic وOpenAI. ويرى ديلروي أن ذلك لا يعكس بالضرورة تفوق هذه النماذج، بقدر ما يعكس قوة التسويق الذي تتمتع به شركات التكنولوجيا الأمريكية. وقال: “كنت أتحدث مع مجموعة منهم وكانوا يقولون: نحتاج إلى Mythos، نحتاج إلى Mythos، نحتاج إلى Mythos”. وأضاف: “هذا الأمر يزعجني على المستوى الشخصي… فالمشرعين الأوروبيين والقائمين على تشغيل البنية التحتية الحيوية ليسوا على دراية كافية”. ويرى أن الوصفة لا تتعلق بالتكنولوجيا المتطورة بقدر ما تتعلق بأساسيات النظافة السيبرانية، ومنها التخلص من الأنظمة القديمة، وتصحيح نقاط الضعف الأساسية، واستخدام الذكاء الاصطناعي لفحص البنية التحتية للبرمجيات الحيوية.
وقد بدأ الاتحاد الأوروبي بالفعل في تشديد قواعده. ففي يناير 2026، اقترحت المفوضية الأوروبية إصلاحات رئيسية لقانون الأمن السيبراني، بما في ذلك توسيع صلاحياتها للحد من استخدام التكنولوجيا القادمة من دول تعتبر غير صديقة في مجالات حساسة مثل الاتصالات. فعلى سبيل المثال، تسعى الكتلة إلى التخلص التدريجي من معدات الجيل الخامس عالية المخاطر، مثل البنية التحتية التي توفرها شركة Huawei.وقال يارنيكي إن هذا التغيير تأخر كثيرًا. فقد قبلت الحكومات الأوروبية منذ فترة طويلة “المخاطر الاستراتيجية” المترتبة على الاعتماد على التكنولوجيا من خارج الاتحاد الأوروبي في البنية التحتية الوطنية الحيوية. لكن التنظيم لا يكون مفيدًا إلا بقدر فاعلية تطبيقه. وتعد مراجعة توجيه أمن الشبكات والمعلومات الثاني “NIS2” جزءًا آخر من هذه الجهود.
وبعد وجود فجوات في التنفيذ وإضافات وطنية أعادت إنتاج حالة التجزئة التي كان التوجيه مصممًا للقضاء عليها، تعمل بروكسل الآن على توسيع نطاق القطاعات والشركات الخاضعة لمتطلبات الحد الأدنى للأمن السيبراني، وإلزامها بالإبلاغ عن مزيد من الحوادث إلى السلطات الوطنية. وخلال العام 2026، سيعمل الاتحاد الأوروبي أيضًا على تعزيز تفويض وكالة ENISA وتزويدها بقدرات أفضل للاستجابة للتهديدات السيبرانية. كما يمكن أن يسهم توجه الاتحاد الأوروبي نحو السيادة التكنولوجية واستراتيجيته الأمنية المشتركة المرتقبة في تعزيز منظومة الأمن السيبراني الأوروبية على نطاق أوسع. لكن التشريعات الجديدة لن تعالج المشكلة الأساسية إذا لم يتم تطبيق القواعد القائمة، وإذا واصلت الشركات إهمال الأساسيات. وقال يارنيكي: “رغم أن الأمر قد يبدو مملًا، فإن ما نحتاج إليه هو تمكين الجهات التنظيمية وتوفير الموارد اللازمة لها بصورة فعالة”.
رابط نشر مختصر . https://www.europarabct.com/?p=124456
*حقوق النشر محفوظة إلى المركز الأوروبي لدراسات مكافحة الارهاب والاستخبارات ـ ألمانيا وهولندا ECCI

