
خاص ـ المركز الأوروبي لدراسات مكافحة الإرهاب والاستخبارات، ألمانيا وهولندا ECCI
بون ـ د. فريد لخنش ـ باحث في المركز الأوروبي ECCI
يتزايد التهديد من روسيا والصين بشكل ملحوظ في السنوات الأخيرة، حيث تحول الفضاء الخارجي تدريجياً إلى ساحة صراع استراتيجي غير تقليدي يهدد الأمن القومي الأوروبي بشكل مباشر ومطّرد.
في هذا السياق الحرج، ما مدى أمان المعلومات الحساسة للغاية في أوروبا، خاصة مع تصاعد المناورات الفضائية الروسية المنهجية التي تستهدف البنية التحتية الحيوية للقارة بدقة مذهلة؟ علاوة على ذلك، تدعو الملاحظات الأخيرة للخبراء إلى قلق شديد للغاية، إذ تكشف تقارير استخباراتية سرية وعلنية على حد سواء عن عمليات تجسس فضائي متطور تهدف إلى السيطرة التامة على تدفق البيانات الاستراتيجية الحساسة.
تشكل الأقمار الصناعية شبكة حيوية غير مرئية تماماً، تعمل بثبات وبطء محسوب بين مدارها العلوي، حيث أصبحت العمود الفقري لنقل البيانات الاستراتيجية على المستوى العالمي بأكمله، بما في ذلك المعلومات العسكرية الحساسة للغاية والاستخباراتية السرية التي تدعم التواصل الفوري بين القادة العسكريين، والتنقل الدقيق للقوات والأسلحة المتطورة، والأمن الرقمي الشامل في عالم مترابط بشكل متزايد الخطورة.
وتُظهر هذه الشبكات بوضوح مدى ضعف ألمانيا ودول أوروبا الأخرى أمام التهديدات الهجينة المتقدمة في الفضاء، حيث يتداخل الآن القتال السيبراني المتطور مع العمليات الفضائية المنهجية بطريقة تجعل الدفاع أمراً شبه مستحيل دون تطوير استراتيجية أوروبية موحدة ومتكاملة تجمع بين الدفاع الصاروخي والحماية السيبرانية والتعاون الدولي الواسع.
مخاطر الاختراق المنهجي الروسي
أثار تقرير نشرته صحيفة “فايننشال تايمز” مؤخراً مخاوف عميقة ومبررة بشأن أمن الأقمار الصناعية من التخريب المتعمد والتجسس المنهجي المتقن. حسب تفاصيل التقرير، صرح مسؤولون أمنيون أوروبيون رفيعو المستوى بأن المركبات الفضائية الروسية تستهدف الاتصالات الصادرة من ما لا يقل عن اثني عشر قمراً صناعياً رئيسياً فوق أوروبا مباشرة، وهو عدد هائل يشمل أنظمة اتصالات حيوية للدفاع الوطني والاقتصاد العالمي والخدمات المدنية الأساسية، مما يعني أن أي نجاح لهذه العمليات قد يؤدي إلى شلل شامل وغير مسبوق للقارة بأكملها. هذا من ناحية.
ومن ناحية أخرى، تنطوي هذه المناورات على خطر اختراق المعلومات الحساسة التي تنقلها الأقمار الصناعية بشكل مباشر وفوري، بالإضافة إلى إمكانية تمكين موسكو من التلاعب بمساراتها أو حتى إسقاطها الكامل في لحظة حاسمة استراتيجياً، كما أكَّدَ مسؤولون في تصريحات نادرة للصحيفة كشفت تفاصيل التهديد غير المسبوق هذا وأبعاده الخطيرة على الأمن الأوروبي طويل الأمد.
مركبتا “لوتش” وشهادة الخبيرة الأمريكية حول Intelsat 39
في سياق متصل ومقلق، شاركت مركبتان فضائيتان روسيتان محددتان بعناية، هما لوتش-1 ولوتش-2، في هذه المناورات المقلقة على نطاق واسع، حيث رُصدَتَا بدقة وهما تقتربان بشكل مثير للريبة الشديدة من أهم البنى التحتية الأوروبية الحيوية.
وفقاً للمصادر الاستخباراتية، تتبعت لوتش-2 وحدها ما لا يقل عن 17 قمراً صناعياً مختلفاً في عمليات منهجية، مما يبرهن على قدرات تتبع روسية متقدمة للغاية تهدف إلى جمع معلومات استراتيجية حاسمة قد تغيّر موازين القوى. على سبيل المثال الدقيق، صرحت بيليندا مارشاند، خبيرة من شركة Slingshot Aerospace الأمريكية المتخصصة في تتبع الأقمار الصناعية، لصحيفة “فايننشال تايمز” بأن القمر الروسي Luch-2 يتواجد حالياً “في محيط” القمر الأوروبي الرئيسي Intelsat 39، وهو قمر صناعي ثابت كبير الحجم يدير نقل البيانات والصور التلفزيونية وإشارات الاتصالات عبر أوروبا وأفريقيا على نطاق واسع جداً، وبالتالي يُتَحَوَّلُ إلى هدف رئيسي لأي عملية تجسس أو تخريب محتملة في المستقبل القريب.
التصميم الاستخباراتي لـ”لوتش” وثغرات التشفير القديمة
بناءً على هذه التطورات، صرح مسؤول استخباراتي أوروبي رفيع المستوى لصحيفة فايننشال تايمز بأن مركبة لوتش الفضائية صُمِّمت خصيصاً لتضع نفسها داخل المخروط الضيق لحزم البيانات المرسلة من المحطات الأرضية إلى الأقمار الصناعية بدقة متناهية واستثنائية. هذا التصميم المتطور يسمح باعتراض الإشارات الحساسة بفعالية عالية للغاية دون الحاجة إلى أي اتصال مباشر مرئي، مما يجعل الكشف عنه أمراً شبه مستحيل. ومع ذلك، أعرب المسؤول عن قلقه البالغ والمبرَّر من أن بيانات التحكم في الأقمار الأوروبية القديمة غير مشفرة على الإطلاق، إذ أُطلِقَتْ معظمها منذ سنوات طويلة دون تجهيز بحواسيب حديثة مدمجة أو إمكانيات تشفير متقدمة كافية. نتيجة لذلك المباشرة، تصبح هذه الأنظمة عرضة للتدخل الفوري والتدمير الكامل بمجرد نجاح أي اعتراض، مما قد يُحدث سيناريوهات كارثية قد تشلّ الاتصالات العسكرية والمدنية والاقتصادية في أوروبا خلال لحظات قليلة، خاصة في ظل التوترات الجيوسياسية المتسارعة والتصعيد المستمر راهناً.
تحوُّل الفضاء إلى ساحة حرب وإنذارات القادة العسكريين
في الوقت نفسه الذي يتسارع فيه الخطر، أصبح الفضاء “ساحة معركة حقيقية” كما صرّح اللواء مايكل تراوت، قائد قيادة الفضاء التابعة للقوات المسلحة الألمانية، مشيراً إلى تحوُّله منذ بداية الحرب الروسية على أوكرانيا إلى منطقة عمليات وحرب مباشرة دون مقدمات. ولذلك، يُطالب بتعزيز القدرات الردعية في الفضاء بأسرع وقت ممكن قبل فوات الأوان. وبالمثل تماماً، يدرك وزير الدفاع الألماني بوريس بيستوريوس هذا التهديد بوضوح تام وكامل، إذ دعا في مؤتمر الفضاء الذي عقده اتحاد الصناعات الألمانية في سبتمبر/أيلول إلى توخي الحذر الشديد تجاه روسيا والصين، مؤكداً: “في الفضاء لا حدود ولا قارات ولا منفذ للتراجع، هناك روسيا والصين جيراننا المباشرون والخطرون في المدارات الأرضية المنخفضة”. علاوة على هذه التحذيرات، وسَّع البلدان قدراتهما في مجال الحرب الفضائية بشكل سريع ومكثَّف للغاية في السنوات الأخيرة تحديداً، مُمكنين من التشويش الإلكتروني على الأقمار الصناعية أو تعطيلها الكلي أو التلاعب بمساراتها أو حتى تدميرها نهائياً باستخدام تقنيات متطورة للغاية، مما يُشَكِّلُ تهديداً وجودياً مباشراً لكامل البنية التحتية الأوروبية الحديثة والمعتمدة عليها يومياً.
برنامج التسلح الألماني الضخم والتحديات الأوروبية
السؤال الذي يطرح نفسه هو: كيف ستحمي ألمانيا نفسها من هذا التهديد المتفاقم والمتسارع يوماً بعد يوم؟
يكمن الجواب الأساسي في برنامج تسلح ضخم وطموح بقيمة 35 مليار يورو يركز بشكل حاسم على تعزيز القدرات الدفاعية الفضائية والأمن السيبراني معاً، بما في ذلك تطوير أنظمة ردع متقدمة للغاية وأقمار صناعية محمية بأحدث التقنيات المتاحة عالمياً. بهذا النهج الاستراتيجي، يعكس البرنامج تحولاً جذرياً في السياسة الألمانية نحو مواجهة التهديدات الهجينة متعددة الأبعاد، لكن رغم ذلك يظل يحتاج إلى تنسيق أوروبي أوسع وأعمق لأنَّ القدرات الروسية والصينية تتفوق حالياً بشكل ملحوظ، مما يستلزم تعاوناً عابراً للحدود بشكل فوري لتجنب الانهيار.
النتائج المتوقعة والتحديات الاستراتيجية المستقبلية
– يشهد الفضاء تصعيداً ملحوظاً في المنافسة مع زيادة المناورات الروسية والصينية اليومية قرب الأقمار الأوروبية، مما يستلزم استجابة أوروبية موحدة عاجلة ومنسقة للحفاظ على السيادة الفضائية.
– كما يبرز ضعف التشفير القديم في الأقمار غير المحدثة كنقطة ضعف رئيسية خطيرة، تتطلب برامج تحديث طارئة بتكلفة باهظة وجهود مشتركة بين الدول الأوروبية لتعزيز الأمان الرقمي.
– يرسخ برنامج الـ35 مليار يورو ألمانيا كقوة رائدة في الدفاع الفضائي، إلا أنه غير كافٍ لحل المشكلة الأوروبية الشاملة، مما يفرض الحاجة إلى تعاون أوسع يشمل تطوير تقنيات جديدة ومشاركة الموارد.
– يهدد خطر التصعيد بسباق تسلح فضائي شامل، خاصة مع فعالية الأسلحة الروسية المضادة للأقمار، إلى جانب الحاجة الملحة لمركز عمليات فضائي أوروبي موحد لتبادل الاستخبارات وتنفيذ الردود الجماعية.
– أخيراً، يجعل اندماج الهجمات الفضائية مع السيبرانية الفضاء محوراً مركزياً للحرب الهجينة المستقبلية، مما يتطلب إعادة تعريف الأمن القومي الأوروبي بالكامل، مع التركيز على بناء قدرات ردع متقدمة وتحالفات دولية استراتيجية.
رابط مختصر- https://www.europarabct.com/?p=114697
رابط تحدبث .. https://www.europarabct.com/?p=114875
*حقوق النشر محفوظة إلى المركز الأوروبي لدراسات مكافحة الإرهاب والاستخبارات
