خاص ـ المركز الأوروبي لدراسات مكافحة الإرهاب والاستخبارات، ألمانيا وهولندا ECCI
الأمن الدولي ـ هل تنجح “قوة الطمأنة” في ضمان أمن أوكرانيا؟
من المقرر أن يقوم عدد من حلفاء أوكرانيا بوضع الخطوط العريضة لـ”قوة طمأنة” مقترحة في سبتمبر 2025، من شأنها تأمين البلاد بعد وقف إطلاق النار المحتمل أو اتفاق السلام ولكن ليس كل اللاعبين الرئيسيين موافقين على الفكرة. ولا تزال مجموعة الحلفاء، التي أطلقت على نفسها اسم “تحالف الراغبين”، تناقش معايير وأنواع الضمانات الأمنية أو الدعم الميداني الذي يمكنها تقديمه لأوكرانيا، لفرض أي اتفاق محتمل مع روسيا وردع أي غزو مستقبلي.
طرح الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون ورئيس الوزراء البريطاني كير ستارمر فكرة “قوة الطمأنة” في بداية العام 2025، حيث تحدّثا عن إمكانية نشر حوالي 30 ألف جندي غربي، أو أقل في أوكرانيا. ومنذ ذلك الحين، أيد نحو 30 زعيمًا عالميًا هذه المبادرة. لكن بعد مرور ستة أشهر، لا يزال من غير الواضح كيف ستبدو هذه القوة في الواقع، وكيف ستعمل، وما هي بالتحديد المساهمة التي قد تكون أي من البلدان المشاركة في المناقشات على استعداد لتقديمها، أو قادرة عليها.
مخاوف من الانجرار إلى صراع مباشر
أقل من نصف التحالف يفكر في إرسال قوات إلى أوكرانيا، وهي قضية مثيرة للجدل تطرح تساؤلات حول الرد في حال هاجمت روسيا، ومخاوف من الانجرار إلى صراع مباشر. ومن بين الدول التي تشهد انقسامًا مع فكرة نشر قوات عسكرية: أستراليا، وبلجيكا، وكندا، وإستونيا، وفرنسا، وليتوانيا، والمملكة المتحدة. كان بعض القادة حذرين، مؤكدين أن قواتهم لن تُرسل إلى خطوط المواجهة. فقد أيّد رئيس الوزراء الأسترالي أنتوني ألبانيز فكرة مهمة “حفظ السلام” في أغسطس 2025، بينما لمّحت وزيرة الدفاع التشيكية يانا تشيرنوشوفا إلى إرسال قوات “لإعادة الإعمار بعد الحرب”.
الدعم العيني لأوكرانيا
يعرض زعماء آخرون، متخوفون من إرسال قواتهم إلى أوكرانيا، دعمًا عملياتيًا أو أشكالًا أخرى من المساعدة لـ”قوة الطمأنة”. فقد استبعدت بولندا، التي تمتلك أكبر جيش في الاتحاد الأوروبي من حيث الأعداد، إرسال جنود بشكل مباشر، على الرغم من أن رئيس الوزراء دونالد توسك أكد إن بلاده يمكن أن تقدم دعمًا لوجستيًا. أوضح توسك، في مؤتمر صحفي مشترك مع نظيره الكندي مارك كارني في أغسطس 2025: “بولندا لا تنوي إرسال قوات في مهمة إلى أوكرانيا بعد انتهاء الحرب”.
كما عرضت فنلندا تقديم المساعدة اللوجستية، لكنها تظل حذرة بشأن سحب أي قوات بعيدًا عن حدودها التي يبلغ طولها 1350 كيلومترًا مع روسيا.تعتزم السويد توفير مراقبة المجال الجوي والموارد البحرية، بينما أعلن رئيس الوزراء الروماني إيلي بولوجان: “إن بلاده قد تتيح قواعدها العسكرية لقوة الطمأنة”.
يمكن أن تساعد سلوفينيا في التخطيط وتدريب الموظفين خارج أوكرانيا، وهو ما ناقشه المسؤولون التشيكيون. تدرس لوكسمبورغ، التي يقل عدد جنودها العسكري عن 1000 جندي وفقًا لتقديرات حلف شمال الأطلسي، المساهمة في النقل الجوي وتقنيات الأقمار الصناعية. كما صرّح وزير الخارجية كزافييه بيتيل: “القوات في الفضاء بدلًا من الأرض”.
ألمانيا تبدي انفتاحًا على الفكرة
لم تُحدّد ألمانيا، إحدى الدول الثلاث التي تقود “تحالف الراغبين”، كيفية دعمها للقوة بعد. وقد أشار وزير الخارجية يوهان فادفول إلى: “أن نشر القوات قد يُثقل كاهل الجيش الألماني”. لكن نائب المستشار الألماني أبدى انفتاحه على الفكرة قائلًا: “هناك حاجة إلى ضمانات أمنية موثوقة لضمان السلام الدائم في أوكرانيا ألمانيا سوف تتحمل مسؤولياتها”.
أشار الرئيس الأوكراني فولوديمير زيلينسكي إلى: “أن الحلفاء سيضعون اللمسات الأخيرة على تعهداتهم وخططهم التفصيلية لضمان أمن أوكرانيا”. يأتي ذلك بعد انضمام عدد من القادة الأوروبيين إلى زيلينسكي في اجتماعه بالبيت الأبيض مع الرئيس الأمريكي دونالد ترامب. ولا يزال هناك المزيد من البلدان التي قد تنضم إلى هذا الجهد الدبلوماسي، حيث يتفاوض الدبلوماسيون ويتفقون على المساهمات.
النتائج
يمثّل تشكيل “قوة الطمأنة” محاولة لإرساء بنية أمنية جديدة في شرق أوروبا. لكنها تكشف في الوقت ذاته عن حجم التردد والانقسام بين الحلفاء الغربيين، حيث تتباين المواقف بين دعم رمزي ولوجستي وبين إرسال قوات ميدانية، ما يعكس مخاوف متزايدة من تصعيد محتمل مع روسيا.
النجاح الفعلي لهذه المبادرة يعتمد على توصل التحالف إلى صيغة واضحة ومُلزمة تقنع أوكرانيا بمصداقيتها، وتردع موسكو في الوقت نفسه. في حال تم الاتفاق، قد نشهد بداية تحول في مفهوم التدخل الغربي ليشمل “الدعم الوقائي” قبل التصعيد لا بعده.
تظل فرص تنفيذ المبادرة بشكل فعال رهينة بالتوازنات السياسية داخل الدول المشاركة، وقد تعرقلها تغيرات في الحكومات أو الانتخابات. كما أن وجود دونالد ترامب في البيت الأبيض مجددًا يضيف متغيرًا جديدًا وغير محسوم في دعم الولايات المتحدة طويل الأمد.
يبدو أن “قوة الطمأنة” ليست فقط أداة أمنية، بل اختبار حقيقي لقدرة الغرب على تشكيل تحالف عسكري مستدام في مواجهة التحديات الجيوسياسية المستجدة.
رابط مختصر.. https://www.europarabct.com/?p=108337
