المركز الأوروبي لدراسات مكافحة الإرهاب والاستخبارات ـ ألمانيا وهولندا ECCI
الأمن الدولي ـ هل تمثل قمة أنقرة نقطة تحول في دعم أوكرانيا عسكريًا؟
حملت قمة أنقرة تطوراتٍ بارزة في مسار الدعم الغربي لأوكرانيا، بعدما تعهدت الولايات المتحدة بمنح كييف ترخيصًا لإنتاج صواريخ باتريوت وتعزيز التعاون العسكري والتكنولوجي معها. غير أن هذه الوعود تثير التكهنات حول شروط تنفيذها، ومدى تأثيرها في مسار حرب أوكرانيا ومستقبل الأمن الأوروبي.
حزمة مساعدات عسكرية شاملة لأوكرانيا
اتفق أعضاء حلف الناتو في قمة أنقرة، على حزمة مساعداتٍ عسكرية شاملة لأوكرانيا بقيمة إجمالية تبلغ 140 مليار يورو. وإضافةً إلى ذلك، أعلن الرئيس الأمريكي دونالد ترامب، عقب لقائه بالرئيس الأوكراني فولوديمير زيلينسكي، عزمه منح أوكرانيا ترخيصًا لإنتاج صواريخ منظومة الدفاع الجوي باتريوت بشكلٍ مستقل. وتُعد هذه الصواريخ عنصرًا حاسمًا في التصدي للهجمات الباليستية الروسية. وخلال هجومٍ روسي واسع وقع في السادس من يوليو من العام 2026، لم تتمكن القوات الجوية الأوكرانية من إسقاط أي صاروخٍ باليستي. وأُرجع السبب الرئيسي لذلك إلى نقص صواريخ باتريوت.
تعتزم واشنطن بحسب ترامب، مشاركة تكنولوجيا باتريوت ومنح أوكرانيا حق إنتاج الذخائر اللازمة للدفاع الجوي، والتي تعاني من نقصٍ حاليًا، داخل الأراضي الأوكرانية مباشرةً. كما أكد أن الولايات المتحدة مستعدة لتقديم الدعم اللازم لهذا الغرض. أعلن ترامب أنه يرغب في شراء طائراتٍ مسيَّرة أوكرانية، في تحولٍ واضح عن موقفه السابق الذي كان يتسم بالاستخفاف بصناعة التسليح الأوكرانية. وأشاد ترامب بالإمكانات الكبيرة التي تمتلكها أوكرانيا في تصنيع الطائرات المسيَّرة، وتابع: “من المدهش أنهم ينتجونها في ظل ظروف الحرب”. كما تحظى الخبرة الأوكرانية في مجال الطائرات المسيَّرة بطلبٍ متزايد في مختلف أنحاء أوروبا. وفي أنقرة، وقعت عدة دول اتفاقًا مع كييف بشأن التعاون في مجال الطائرات المسيَّرة.
ما هي الشروط؟
إذا حصلت أوكرانيا على ترخيصٍ لإنتاج صواريخ باتريوت، فستصبح، بعد اليابان وألمانيا، ثالث دولة في العالم تحصل على هذا الحق. لكن الطريق من الإعلان السياسي إلى بدء الإنتاج سيستغرق سنوات، بحسب الخبير العسكري أوليه كاتكوف، رئيس تحرير مجلة شركة الإعلام والاستشارات الأوكرانية Defense Express.. قال كاتكوف: إنه أمرٌ رائع بالفعل، ولحظة تاريخية. لكن يجب أن نعلم أن مثل هذه العملية لا تستغرق بضعة أيام أو أسابيع فقط. فقد احتاجت اليابان، رغم صناعتها وقدراتها وكفاءاتها، إلى عامين منذ التوصل إلى الاتفاق وحتى بدء الإنتاج. ونحن الآن، على الأرجح، ما زلنا في مرحلة اتفاقٍ سياسي مبدئي بين حكومتي أوكرانيا والولايات المتحدة”.
وأوضح كاتكوف أنه قبل إنشاء أساسٍ للتعاون على مستوى شركات الصناعات الدفاعية، يجب أولًا إبرام اتفاقٍ بين الحكومتين. وبعد ذلك فقط، يمكن التفاوض مع الشركات الأمريكية المالكة لحقوق تصنيع صواريخ باتريوت. وأضاف: “تعود حقوق صواريخ PAC-3 إلى شركة Lockheed Martin، بينما تعود حقوق صواريخ PAC-2 إلى شركة RTX (Raytheon). ويتعين على هاتين الشركتين إبرام العقود المناسبة مع الشركات الأوكرانية. وبعد ذلك فقط يمكن الحديث عن بدء الإنتاج داخل أوكرانيا”.
يشير أوليكساندر تشارا، من “مركز استراتيجيات الدفاع” الأوكراني، إلى أن القضية لا تتعلق فقط بمنح أوكرانيا ترخيصًا لإنتاج صواريخ باتريوت، بل أيضًا بما إذا كان الرئيس الأمريكي دونالد ترامب سيربط هذا الترخيص بشروطٍ سياسية. وقال تشارا لـدويتشه فيله: “آمل بشدة ألا تكون هناك شروطٌ خفية. وألا يُطلب من أوكرانيا تقديم تنازلات لروسيا قبل حصولها على منظومات باتريوت. فمن الممكن توقع أي شيء من الإدارة الأمريكية الحالية”.
رسالة تحذير رمزية إلى روسيا
يحذر إيهور رايتيروفيتش، من جامعة تاراس شيفتشينكو الوطنية في كييف، من توقع تنفيذٍ سريع لهذا القرار. ويقول: “إنها خطوة ذات طابعٍ رمزي أكثر منها عملي. فهي في المقام الأول رسالة إلى روسيا مفادها: انظروا إلى ما قد يحدث لاحقًا. لكن من الواضح أن أوكرانيا ستحتاج إلى وقتٍ طويل لبناء مثل هذه القدرة الإنتاجية فعليًا”. ويرى رايتيروفيتش أن البيت الأبيض يريد قبل كل شيء أن يثبت للكرملين أنه لا ينوي التخلي عن أوكرانيا. وأضاف: “إنها رسالة تقول: نحن نقف إلى جانب أوكرانيا وسندعمها. وإذا لم يكن ذلك الآن، فإن أوكرانيا ستنتج صواريخ باتريوت في المستقبل. وينبغي أن يكون ذلك تحذيرًا لروسيا”.
لماذا لم يكن انضمام أوكرانيا إلى الناتو مطروحًا؟
كان من اللافت خلال القمة غياب النقاش تقريبًا حول انضمام أوكرانيا إلى حلف الناتو. ويعزو أوليكساندر تشارا ذلك في المقام الأول إلى موقف الرئيس الأمريكي، موضحًا: “حتى قبل عودته إلى البيت الأبيض، أوضح ترامب أنه يعارض انضمام أوكرانيا إلى الناتو. وعندما تتبنى الدولة الأهم داخل الحلف مثل هذا الموقف، فمن الطبيعي ألا يناقش أحدٌ الآن مسألة العضوية بجدية”. وفي الوقت نفسه، يؤكد الخبير أن كييف يجب ألا تتخلى عن هدفها الاستراتيجي المتمثل في الانضمام إلى الناتو. ووفقًا لتشارا، ستظل أوروبا تمتلك نظامًا للأمن الجماعي، وينبغي لأوكرانيا أن تكون جزءًا منه. وأضاف: “لن نتمكن بمفردنا من احتواء روسيا على المدى الطويل”. ورغم أن انضمام أوكرانيا إلى الناتو لم يكن محورًا للنقاش العلني، فإن القمة كانت بالنسبة إلى كييف أكثر نجاحًا بكثير مما كان متوقعًا، بحسب إيهور رايتيروفيتش. فمجرد أن أوكرانيا كانت في صلب محادثات الحلفاء يُعد، في رأيه، دليلًا على دورها المحوري في قضايا الأمن الأوروبي.
رابط مختصر.. https://www.europarabct.com/?p=120808
*حقوق النشر محفوظة إلى المركز الأوروبي لدراسات مكافحة الإرهاب والاستخبارات
