الإشتراك في نشرتنا الإخبارية المجانية

 

تابعنا على تويتر

تابعنا على فيسبوك

آخر المشاركات التلفزيونية

استطلاع رأي

هل المركز مصدر موثوق في البحث ؟

جاري التحميل ... جاري التحميل ...

الأمن الدولي ـ هل تقترب أوروبا من مرحلة ما بعد الناتو؟ استشراف التحولات الأمنية . ملف

فبراير 02, 2026

المركز الأوروبي لدراسات مكافحة الإرهاب والاستخبارات ـ ألمانيا وهولندا ـ ECCI ـ وحدة الدراسات والتقارير

تصفح الملف نسخة PDF ملف الأمن الدولي ـ هل تقترب أوروبا من مرحلة ما بعد الناتو؟ استشراف التحولات الأمنية

المقدمة

يشهد النظام الدولي مرحلة إعادة تشكّل عميقة، تتراجع فيها ثوابت التحالفات التقليدية، وتتصاعد الشكوك حول استدامة المظلات الأمنية التي حكمت العلاقات عبر الأطلسي منذ نهاية الحرب الباردة. وفي قلب هذه التحولات، تجد أوروبا نفسها أمام لحظة مفصلية تعيد فيها تقييم موقعها الاستراتيجي، ليس فقط في علاقتها مع روسيا، بل أيضًا في علاقتها مع الولايات المتحدة، التي باتت سياساتها، خاصة في ظل عودة دونالد ترامب، مصدر قلق استراتيجي للأمن القومي الأوروبي.

ينطلق هذا الملف من فرضية أساسية مفادها أن أوروبا لم تعد قادرة على إدارة أمنها القومي وفق المعادلات القديمة، وأن التحولات الجارية تفرض عليها إعادة صياغة خياراتها الاستراتيجية بين الحوار مع روسيا، وضبط العلاقة مع الولايات المتحدة، وبناء قدرات دفاعية ذاتية تقلل من هشاشتها في عالم يتجه نحو مزيد من التنافس والصراعات غير المتكافئة. ومن هذا المنطلق، يسعى الملف إلى تفكيك هذه التحولات عبر ثلاث دراسات تحليلية متكاملة، تتناول أبعاد التوجه الأوروبي الجديد، ودوافعه، وحدوده، وانعكاساته المحتملة على مستقبل الأمن الأوروبي.

 1 ـ الأمن الدولي ـ التحول الأوروبي نحو الحوار مع موسكو، الدوافع، السياق، والحدود

أعلن المستشار الألماني “فريدريش ميرز” عن ضرورة إعادة التوازن في العلاقات مع روسيا، ما شكل بداية كسر محظورات سياسية طالما اعتُبرت مقدسات دبلوماسية في أوروبا. يشهد الاتحاد الأوروبي تحولًا ملموسًا في مقاربة سياساته تجاه علاقاته وإعادة فتح قنوات الحوار مع روسيا، وسط تزايد الضغوط الداخلية والخارجية. يأتي هذا التغيير في وقت تتفاقم فيه الأزمات الاقتصادية والأمنية في أوروبا. كما سيبدأ التكتل في تبني استراتيجيات غير مسبوقة، تتجاوز شرط الإجماع التقليدي بين الدول الأعضاء، بالتزامن مع معارضة المجر وسلوفاكيا لبعض القرارات المصيرية للاتحاد لا سيما بشأن أوكرانيا، في محاولة لعدم تهميش الدور الأوروبي، ولعب دور فعال في أي تسوية مستقبلية بشأن أوكرانيا.

تصريحات المستشار الألماني ميرتس وبداية كسر المحظور السياسي

صرّح المستشار الألماني “فريدريش ميرز” في يناير 2026: “إن الاتحاد الأوروبي سيستفيد من إيجاد توازن مرة أخرى مع أكبر جيراننا الأوروبيين”. أضاف “ميرز”: “إذا نجحنا، على المدى الطويل، في إيجاد توازن مرة أخرى مع روسيا، وإذا تحقق السلام، فحينها يمكننا أن نتطلع إلى الأمام بثقة كبيرة إلى ما بعد عام 2026”. أوضح “ميرز”: “إنه يعتبر روسيا دولة أوروبية”. وكان قد صرّح “ميرز” قبل تراجع موقفه بشأن الاتصالات مع روسيا قائلًا: “إنه سيمتنع عن إجراء مكالمات هاتفية مع الرئيس الروسي فلاديمير بوتين”، مشيرًا إلى أن مثل هذه الاتصالات مع موسكو لا طائل منها. جاء التغيير الواضح في موقف المستشار الألماني بعد تصريح المتحدثة الرئيسية باسم المفوضية الأوروبية “باولا بينهو” بأنه “من الواضح أنه في مرحلة ما، سيتعين إجراء محادثات مع الرئيس بوتين”.

كان قد أدان المستشار الألماني السابق “أولاف شولتز” حرب أوكرانيا، وبشكل خاص الهجمات الجوية الروسية على البنية التحتية المدنية في أوكرانيا. دعا “شولتز” الرئيس الروسي “فلاديمير بوتين” إلى سحب القوات الروسية من أوكرانيا، كما ضغط من أجل استعداد روسيا لإجراء مفاوضات جادة مع أوكرانيا بهدف تحقيق سلام عادل ودائم. شنّ المستشار الألماني “أولاف شولتز” دفاعًا قويًا عن أوكرانيا قائلًا: “إنه لا يمكن فرض اتفاق سلام لإنهاء الحرب”. وأكد: “أنه لن يتحقق السلام إلا إذا تم ضمان سيادة أوكرانيا”. أوضح شولتز: “إن برلين لن تقبل أي حل للصراع المطوّل الذي لا يؤدي إلا إلى فك الارتباط بين الأمن الأوروبي والأمريكي”، مضيفًا: “شخص واحد فقط سيستفيد من هذا، الرئيس بوتين”.

تزايد الضغط لإنهاء حرب أوكرانيا، مع تزايد ميل حرب أوكرانيا لصالح روسيا، ومع معاناة أوروبا، لا سيما ألمانيا، من مشاكلها الاقتصادية الخاصة. أثّرت حرب أوكرانيا منذ بدايتها في فبراير 2022 على الوضع الأمني في ألمانيا، وخاصة في مجالات التدخل والتضليل، والأمن السيبراني، والبنية التحتية الحيوية. تفاقمت أزمة الطاقة في ألمانيا، ويعود ذلك، وما تبعه من ارتفاع في التكاليف، إلى حدّ كبير إلى التحول الذي اضطرت ألمانيا إلى تنويع مصادر الطاقة لديها. فقبل حرب أوكرانيا، كانت روسيا تزوّد ألمانيا بنسبة (55%) من وارداتها من الغاز في عام 2020، وذلك بشكل رئيسي عبر خطوط الأنابيب التي ضمنت إمدادًا مستقرًا وبأسعار معقولة.

أجرت جمعية الأعمال البافارية “vbw” في مايو 2025 دراسة أشارت إلى أن أسعار الكهرباء الصناعية في ألمانيا كانت قريبة من المتوسط الأوروبي في عام 2022، قبل أن تؤثر حرب أوكرانيا في أسواق الطاقة، مما جعل المقارنات السنوية صعبة. أشار “أندرياس فيشر”، الخبير الاقتصادي في مجال الطاقة في معهد الاقتصاد الألماني (IW)، إلى أن “الغاز أصبح أكثر تكلفة لأنه كان يأتي بشكل رئيسي عبر خطوط الأنابيب، ثم واجهنا حالة أزمة”. أمن ألمانيا ـ مستقبل السياسات الأمنية في مواجهة التهديدات غير التقليدية

مواقف الدول الأوروبية من فتح قنوات الحوار مع روسيا

يعتقد الرئيس الفرنسي “إيمانويل ماكرون “أنه سيكون من “المفيد” لأوروبا إعادة التواصل مع الرئيس الروسي “فلاديمير بوتين” في الوقت الذي يضغط فيه الرئيس الأمريكي “دونالد ترامب” من أجل التوصل إلى اتفاق سلام سريع في أوكرانيا. أكد “ماكرون”: “أعتقد أن من مصلحتنا كأوروبيين وأوكرانيين إيجاد الإطار المناسب لإعادة فتح هذا النقاش”، مضيفاً أنه ينبغي على الأوروبيين إيجاد الوسائل للقيام بذلك خلال العام 2026”. تابع ماكرون: “وإلا، فسوف ينتهي بنا الأمر بالتحدث فيما بيننا مع المفاوضين الأمريكيين الذين سيتعاملون مع الروس وحدهم، وهو أمر ليس مثالياً” .

أعلنت رئيسة الوزراء الإيطالية “جورجيا ميلوني” في يناير 2026: “إن الاتحاد الأوروبي يجب أن يستأنف الحوار رفيع المستوى مع روسيا في الوقت الذي تسعى فيه بروكسل إلى إنهاء حرب أوكرانيا، وحثت على تعيين مبعوث خاص”. أضافت “ميلوني”: “أعتقد أن الوقت قد حان لكي تتحدث أوروبا مع روسيا، لأنه إذا قررت أوروبا المشاركة في هذه المرحلة من المفاوضات، والتحدث مع طرف واحد فقط من الأطراف المعنية فإن المساهمة الإيجابية التي يمكن أن تقدمها ستكون محدودة”.

صرحت وزيرة الخارجية البريطانية “إيفيت كوبر”: “إنه لا يوجد دليل على أن بوتين يريد السلام فعلاً”. كما رفضت مقترحات من باريس وروما تدعو الحلفاء الأوروبيين إلى النظر في استئناف الاتصالات الدبلوماسية مع بوتين كجزء من الجهود المبذولة لإنهاء حرب في أوكرانيا. تصر على ضرورة زيادة الضغط على موسكو بدلاً من تخفيفه، من خلال العقوبات والدعم العسكري لكييف. لا تزال لندن تعتقد أن كييف والدول الأوروبية هي من يجب أن تحدد شروط إنهاء الصراع

انتقد الرئيس البولندي “كارول ناووركي” سياسات الاتحاد الأوروبي في يناير 2026 قائلًا: “ن أحد أهداف روسيا، هو التوسع الإقليمي والقتل الجماعي والهجمات على الأهداف المدنية، بما في ذلك المستشفيات والمدارس”، مضيفًا: “إن بولندا، التي تحد روسيا منذ قرون، تدرك التهديد القادم من موسكو أكثر من غيرها”. أكد ناووركي: “لا يمكن ردع روسيا إلا من خلال تعزيز القدرات الدفاعية لجميع الحلفاء ووحدتنا”.

يرى نائب وزير الدفاع الوطني الليتواني “كاروليس ألكسا” أن التهديد الروسي يتزايد خلال السنوات الثلاث إلى الخمس المقبلة. ويعزو ذلك إلى تعزيز روسيا لقدراتها العسكرية، واستعدادها لاستخدام القوة، وطموحها لإعادة تشكيل الأمن الأوروبي. ستؤثر نتيجة الحرب، سواء أكانت وقفًا لإطلاق النار أم اتفاق سلام، على موقف روسيا. حذّر معهد دراسات الحرب “ISW” من أن الكرملين يُمهّد الطريق لهجوم روسي مُحتمل في المستقبل ضد مولدوفا وأعضاء حلف الناتو: “إستونيا، ولاتفيا، وليتوانيا، وفنلندا”. ووفقًا للمعهد، يندرج هذا ضمن استراتيجية “المرحلة الصفرية” الروسية، والتي تهدف إلى تهيئة أرضية معلوماتية ونفسية لنزاع مُحتمل مع حلف الناتو.

لم ينجح الاتحاد الأوروبي في تأمين (90) مليار يورو لأوكرانيا لعامي 2026 و2027 كما وعد، بل رسم مسارًا جديدًا للمضي قدمًا، مسارًا لم يعد فيه شرط الإجماع عائقًا أمام تشكيل تحالفات بين الدول الراغبة. استخدمت المجر حق النقض ضد عدد كبير من البيانات المشتركة المتعلقة بالسياسة الخارجية، وعرقلت مقترحات تقديم دعم ملموس لأوكرانيا وبدء محادثات رسمية للانضمام إلى الاتحاد الأوروبي مع كييف، ونتيجةً لذلك، صدرت معظم بيانات الاتحاد الأوروبي الداعمة لأوكرانيا باسم دول الاتحاد الأوروبي الـ (26)، باستثناء المجر.

استخدمت (15) دولة عضوًا في الاتحاد الأوروبي حق النقض “الفيتو” (46) مرة منذ عام 2011 في (38) قضية بحسب قائمة أعدها المحاضر “ميخال أوفاديك” من جامعة لندن. كانت المجر أكثر الدول الأعضاء استخدامًا لحق النقض ضد مقترحات الاتحاد الأوروبي، حيث بلغ مجموع مرات استخدامها (19) مرة. بينما قامت سلوفاكيا، بعرقلة قرارين، وكلاهما صدر خلال العام 2025. يقول “ميكولاش دزوريندا” رئيس مركز مارتنز للأبحاث ورئيس وزراء سلوفاكيا السابق: “إن قادة مثل المستشار الألماني فريدريش ميرز والرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون يدعمون الآن تغييرات في قواعد التصويت في الكتلة”. تعمل المفوضية الأوروبية بشكل متعمد على هيكلة مقترحاتها لتجنب اشتراط موافقة بالإجماع من الدول الأعضاء. ملف الأمن الدولي ـ النووي الإيراني والترويكا، السيناريوهات المحتملة

موقف مؤسسات الاتحاد الأوروبي

أثارت المفوضية الأوروبية علنًا احتمال الدخول في محادثات مباشرة مع الرئيس “الروسي فلاديمير” بوتين لإنهاء الحرب في أوكرانيا، مع التحذير من أن حملة القصف المتواصلة التي تشنها موسكو تجعل مثل هذه الخطوة مستحيلة في هذه المرحلة. تقول “باولا بينهو”، المتحدثة الرئيسية باسم المفوضية الأوروبية: “نحن نعمل بجد شديد من أجل السلام في أوكرانيا. إن السلام في أوكرانيا يعتمد على شخص واحد. هذا الشخص، كما تعلمون جيدًا، هو الرئيس بوتين. لذلك من الواضح أنه في مرحلة ما، ستكون هناك حاجة إلى إجراء محادثات مع الرئيس بوتين . وفي الوقت نفسه، يجري بذل الكثير من العمل”. تابعت “بينهو”: “لسوء الحظ، لا نرى أي مؤشرات من الرئيس بوتين على الانخراط في مثل هذه المحادثات، لذلك لم نصل إلى تلك المرحلة بعد، ولكننا نأمل بالفعل في مرحلة ما أن تُجرى مثل هذه المحادثات التي ستؤدي في النهاية إلى السلام في أوكرانيا”.

يسعى الاتحاد الأوروبي لإقناع الرئيس الأوكراني “فولوديمير زيلينسكي” بتقديم تنازلات عبر عرض نسخة “مخففة” من عضوية الاتحاد الأوروبي، تمنح كييف الوصول الكامل إلى السوق الأوروبية الموحدة والاستفادة من أموال الاتحاد، مع استثناء حقوق التصويت الكاملة في البداية. الهدف من هذا العرض هو تعزيز موقف “زيلينسكي” في المفاوضات مع موسكو، خصوصًا بشأن القضايا الإقليمية، وتسريع قبول التنازلات داخليًا. ناقش القادة الأوروبيون فكرة تعيين مبعوث خاص لأول مرة خلال قمة الاتحاد الأوروبي في مارس 2025، ورغم الدعم الواسع، سيتركز دور السفير بشكل دقيق على تمثيل بروكسل في المفاوضات إلى جانب كييف.

أفاد مسؤولون أن جوانب رئيسية من هذا الدور، مثل ما إذا كان سيمثل الاتحاد الأوروبي فقط أم تحالف الراغبين بأكمله، بما في ذلك المملكة المتحدة ودول أخرى لم تُحسم بعد. ينطبق الأمر نفسه على الرتبة الدبلوماسية لهذا المبعوث، وما إذا كان سيتم تعيين مسؤول رسمي أو تفويض هذا الدور بشكل غير رسمي إلى زعيم وطني حالي. أشار أربعة دبلوماسيين إلى أن الرئيس الفنلندي “ألكسندر ستوب” غالبًا ما يُنظر إليه على أنه ممثل محتمل لأوروبا في أي مفاوضات مع واشنطن وموسكو. يمثل ذلك تحولًا في سياسة المفوضية، من التركيز على عزل الكرملين دبلوماسيًا وفرض عقوبات اقتصادية، إلى إحياء الحوار مع روسيا. هذه الخطوة تشكل تغييرًا عميقًا في نهج أوروبا تجاه سلسلة من المفاوضات الثنائية التي نظمها الرئيس الأمريكي “دونالد ترامب”، وتأتي في خضم سعي القارة لإظهار استعدادها للعب دور مهم في أي تسوية من شأنها إنهاء الحرب.

لماذا هذا الموقف الأوروبي؟

وضعت أوروبا سيناريو التفاوض مع “بوتين” بديلًا في اعتبارها، فهناك مخاوف مبررة في العواصم الأوروبية من أن موسكو وواشنطن ستتوصلان إلى اتفاق بدونهم، وأنهما سترسمان معًا خريطة لإعادة الإعمار بعد الحرب، ما يشير إلى عجز أوروبا عن تشكيل بيئتها الأمنية، وفي مثل هذا السيناريو، سيتلاشى الردع، وسيرث الاتحاد الأوروبي حدودًا غير مستقرة بشكل دائم. كذلك هناك مخاوف من تصاعد الهجمات التخريبية على البنية التحتية الحيوية للاتحاد الأوروبي. بالإضافة إلى أن “الإرهاق” الاقتصادي والعسكري بدأ يرتفع داخل الاتحاد الأوروبي، وباتت أحتمالية خطر الحرب المباشرة مع روسيا تتزايد. يتنامي الاعتقاد داخل الاتحاد الأوروبي بأن الولايات المتحدة لن تدخل في حرب مع روسيا من أجل أوروبا، لا سيما أن الاتحاد الأوروبي ليس قادرًا بأي حال من الأحوال على استبدال الضمانات الأمريكية على المدى القصير. أمن دولي ـ الترويكا الأوروبية والملف النووي ـ قراءة في السياق الراهن.

2 ـ  أمن دولي ـ أوروبا وترامب، من الشراكة الأطلسية إلى أزمة الثقة الاستراتيجية

عزّزت السنة الأولى من الولاية الثانية للرئيس دونالد ترامب المخاوف الأوروبية من تآكل عدد من المؤسسات والشركات التي أسهمت في الحفاظ على السلام في أوروبا خلال الحرب الباردة وما بعدها. فقد شكّلت مواقفه المتقلّبة تجاه حلف شمال الأطلسي، وحرب أوكرانيا، وتلميحاته المتكررة بضم غرينلاند، إلى جانب رفضه استبعاد استخدام القوة، تهديدًا غير مسبوق للأمن الأوروبي، ما دفع القادة الأوروبيين إلى إعادة تقييم افتراضاتهم التقليدية بشأن الضمانات الأمنية الأمريكية.

من الشراكة إلى التشكيك

شملت أهداف السياسة الخارجية الأمريكية، على مدى (80) عامًا، دعم شرعية الديمقراطيات الأوروبية وتكاملها وأمنها. غير أن ترامب شكّك في هذا الالتزام خلال ولايته الأولى، وسارع خلال ولايته الثانية إلى اتخاذ خطوات أعادت توجيه الأولويات الأمريكية بعيدًا عن أوروبا. كما أظهرت الإدارة الجديدة في البيت الأبيض عناصر من العداء الصريح للمشروع الأوروبي. يكمن جوهر رؤية ترامب في رفضه اعتبار الأمن الأوروبي مصلحة وطنية أمريكية جوهرية. وقد زرع الشكوك حول التزامه بتعهدات المادة الخامسة من حلف الناتو، بما في ذلك ربط الحماية الأمريكية بمطالب سياسية، مثل زيادة الإنفاق الدفاعي. فعلى سبيل المثال، قال في مارس 2025: “إذا لم يدفعوا، فلن أدافع عنهم، كلا لن أدافع عنهم”. نجحت جهود دبلوماسية حذرة قادها رؤساء الدول الأوروبية في إقناع الرئيس بالابتعاد عن بعض هذه المواقف المتطرفة. فقد عدّل خطابه بشأن حلف الناتو، مصرحًا بأن الحلف “ليس عملية احتيال”، وذلك بعد تعهّد الحلفاء بإنفاق (5%) من الناتج المحلي الإجمالي على الدفاع.

لا تزال عناصر العداء لأوروبا متأصلة في برامج أيديولوجية مثل استراتيجية الدفاع والأمن القوي الأمريكية، ومتجذّرة داخل ائتلاف ترامب، وتواصل التأثير في السياسة الخارجية الأمريكية ونهجها تجاه أوروبا. وصف ترامب الاتحاد الأوروبي بأنه كيان عالمي يهدف إلى “إلحاق الضرر” بالولايات المتحدة مع الاستفادة من حمايتها. وفي مؤتمر ميونيخ للأمن، اعتبر نائب الرئيس “فانس” أن محاولات كبح التضليل الإعلامي تشكّل تهديدًا أكبر لأوروبا من روسيا والصين. وفي مايو 2025، نشرت وزارة الخارجية الأمريكية مذكرة تتهم فيها أوروبا بشن “حملة عدوانية ضد الحضارة الغربية نفسها”. كما أصدرت الوزارة في أغسطس 2025 تعليمات للسفارات الأمريكية في أوروبا بالتصدي بنشاط للوائح الاتحاد الأوروبي الخاصة بالخدمات الرقمية. قامت إدارة ترامب بتقليص المساعدات الأمنية للدول المتاخمة لروسيا، وامتنعت عن انتقاد موسكو عندما اخترقت (19) طائرة روسية مسيّرة المجال الجوي البولندي في سبتمبر 2025. قامت إدارة ترامب بتقليص المساعدات الأمنية للدول المتاخمة لروسيا، وامتنعت عن انتقاد موسكو عندما اخترقت (19) طائرة روسية مسيّرة المجال الجوي البولندي في سبتمبر 2025. حسابات جديدة لأوروبا بعيدا عن أمريكا، مزيد من الاستقلالية واستراتيجيات جديدة

استراتيجية دفاعية أمريكية جديدة تُقلّل من شأن أوروبا

تدفع استراتيجية الدفاع الأمريكية الجديدة، التي نُشرت في 23 يناير 2026، أوروبا رسميًا إلى مرتبة أدنى في سلّم أولويات واشنطن. وجاء في الوثيقة: “على الرغم من أهمية أوروبا، إلا أن حصتها من القوة الاقتصادية العالمية تتضاءل وتتقلّص. وعليه، فبينما ستواصل الولايات المتحدة انخراطها في أوروبا، يجب عليها، وستفعل، إعطاء الأولوية للدفاع عن أراضيها وردع الصين”. توضح الاستراتيجية أنه في أوروبا “سيأخذ الحلفاء زمام المبادرة” في مواجهة التهديدات “الأقل خطورة” بالنسبة للولايات المتحدة، لكنها أكثر حدّة بالنسبة لهم، مع تقديم واشنطن “دعمًا حاسمًا ولكن محدودًا”. كما تؤكد الوثيقة أن أوروبا قادرة اقتصاديًا وعسكريًا على الدفاع عن نفسها، مشيرة إلى أن أعضاء الناتو غير الأمريكيين يفوقون روسيا بفارق كبير من حيث الحجم الاقتصادي، وبالتالي فهم “في وضع قوي لتحمّل المسؤولية الأساسية عن الدفاع التقليدي لأوروبا”.

تجعل هذه الاستراتيجية من الاستقلال الاستراتيجي الأوروبي، الذي طالما كان موضع نقاش، أمرًا لا مفر منه، ليس باعتباره انفصالًا عن الولايات المتحدة، بل كمسؤولية داخل إطار الحلف. ولم يعد وجود ركيزة أوروبية داخل الناتو خيارًا، بل بات السبيل الوحيد للتوفيق بين أولوية الولايات المتحدة تجاه الصين وبين ردع روسيا بفعالية. غير أن استراتيجية الدفاع الوطني لا تقدّم نموذج حوكمة واضحًا لهذه المرحلة الانتقالية، تاركةً لأوروبا مهمة سد هذه الفجوة عبر التكيّف داخل الناتو، وتعزيز التكامل الدفاعي للاتحاد الأوروبي، أو تشكيل تحالفات من الدول الراغبة والقادرة. الأمن الدولي ـ استراتيجية الدفاع الأمريكية، ماذا تعني لأوروبا؟

الخلافات الأوروبية، الأمريكية حول أوكرانيا

شكّلت حرب أوكرانيا أحد أبرز ميادين الخلاف البنيوي بين إدارة الرئيس الأمريكي دونالد ترامب والدول الأوروبية، حيث تجاوزت التباينات حدود التكتيك السياسي لتصل إلى اختلافات جوهرية في الرؤية الاستراتيجية لطبيعة الصراع، وحدود الالتزام الغربي، ومستقبل النظام الأمني الأوروبي. فعلى الرغم من الإجماع المعلن داخل المعسكر الغربي على دعم أوكرانيا في مواجهة روسيا، كشفت سياسات وتصريحات ترامب عن تصدعات عميقة في وحدة الموقف عبر الأطلسي. نجح اجتماع قمة حلف شمال الأطلسي في لاهاي في يونيو 2025، لفترة وجيزة، في خلق انطباع بوحدة عبر أطلسية. غير أن البيان الختامي، المؤلف من خمس فقرات فقط، والذي لم يتضمن سوى إشارة عابرة إلى أوكرانيا دون تكرار الوعود السابقة بشأن انضمامها إلى الناتو، ودون أي ذكر للتعاون بين الاتحاد الأوروبي والحلف، عكس اتساع هوة الخلاف بين الولايات المتحدة وحلفائها الأوروبيين حول مستقبل الأمن الأوروبي.

ينطلق هذا الخلاف من النظرة ترامب التقليدية للتحالفات، القائمة على منطق “الكلفة والعائد”، إذ اعتبر ترامب أن الولايات المتحدة تتحمّل عبئًا غير متوازن في الدفاع عن أوروبا، بما في ذلك دعم أوكرانيا، من دون مقابل استراتيجي أو مالي واضح. وقد اصطدمت هذه المقاربة مباشرة بالرؤية الأوروبية التي ترى في أوكرانيا خط الدفاع الأول عن الأمن القاري، وليس مجرد ملف خارجي يمكن إخضاعه لحسابات الربح والخسارة قصيرة الأجل. برز التباين بوضوح في مقاربة إدارة ترامب للعلاقة مع روسيا. ففي حين تبنّى الاتحاد الأوروبي، ولا سيما ألمانيا وفرنسا، سياسة مزدوجة تقوم على الردع والعقوبات من جهة، والحفاظ على قنوات الحوار من جهة أخرى، أظهر ترامب ميلًا شخصيًا للتقارب مع الرئيس الروسي فلاديمير بوتين، وقلّل في عدة مناسبات من خطورة التهديد الروسي لأوكرانيا. وقد أثار هذا التباين مخاوف أوروبية من إمكانية عقد “صفقة كبرى” أمريكية ـ روسية على حساب المصالح الأوكرانية والأمن الأوروبي.

عادت هذه الخلافات إلى الواجهة في أغسطس 2025، عندما عقد ترامب قمة مع فلاديمير بوتين في ألاسكا، وبدا متعاطفًا مع المطالب الإقليمية الروسية وغيرها من القضايا المرتبطة بأوكرانيا. ولم يُفضِ التوصل إلى موقف مشترك، ولو جزئيًا، إلا إلى قمة عُقدت على عجل في واشنطن، شارك فيها قادة أوكرانيا والمملكة المتحدة وفنلندا وفرنسا وألمانيا وإيطاليا، إلى جانب رئيس المفوضية الأوروبية والأمين العام لحلف الناتو. غير أن هذا التوافق لم يكن سوى هدنة مؤقتة، تعمّقت الخلافات كذلك حول مسألة التسوية السياسية، فقد طرحت إدارة ترامب، بشكل مباشر أو غير مباشر، فكرة الدفع نحو حل تفاوضي سريع، حتى لو تطلّب ذلك تنازلات أوكرانية. في المقابل، شدّدت أوروبا على أن أي تسوية يجب أن تقوم على احترام سيادة أوكرانيا ووحدة أراضيها، محذّرة من أن فرض حل غير متوازن قد يفتح الباب أمام سابقة خطيرة في النظام الدولي.

طرحت إدارة ترامب في نوفمبر 2025، خطة سلام من (28) بندًا، كانت ستكافئ روسيا على عدوانها، وتجعل أوكرانيا أقل قدرة على مقاومة أي هجوم متجدد، وتزيد في الوقت نفسه من مستوى التهديد الروسي لأوروبا. وقد تمكنت أوكرانيا وشركاؤها الأوروبيون من تخفيف بعض العناصر الأكثر رفضًا في المقترح، إلا أنه لم يتضح بعد ما إذا كان ترامب سيواصل الضغط على كييف لتقديم تنازلات من شأنها تقويض أمنها على المدى الطويل.

غرينلاند بين السيادة الدنماركية والطموحات الأمريكية

شدّدت إدارة ترامب، منذ أوائل يناير 2026، من حدّة خطابها، ناقلةً إياه من منطق “المعاملات” إلى منطق السيادة وما يستتبعه من إكراه. فقد أكد البيت الأبيض صراحة أن “جميع الخيارات” مطروحة، وأن استخدام القوة “خيار متاح دائمًا” للقائد الأعلى للقوات المسلحة. يصرّ ترامب على أن “الإيجار” أو “المعاهدة” لا يُغنيان عن الملكية، التي يزعم أنها ضرورية “أمنيًا”. وعندما سُئل عن معضلة “غرينلاند أو الناتو”، أجاب بأن “هذا قد يكون خيارًا”. ورغم أن ترامب لا ينفذ دائمًا كل ما يقوله، إلا أنه يلمّح بوضوح إلى ما قد يقدم عليه. وبالاستماع إلى خطابه المتكرر، يبدو أن دافعه أقرب إلى نزعة توسّع إقليمي، أكثر منه اهتمامًا تقنيًا بالموارد أو الترتيبات الدفاعية.

تستخدم ترامب حجة “أمن القطب الشمالي” كذريعة سياسية. فالولايات المتحدة تمتلك بالفعل نفوذًا عسكريًا هيكليًا في غرينلاند، حيث تستضيف قاعدة بيتوفيك “ثول سابقًا” رادار الإنذار المبكر المطوّر “المعروف سابقًا باسم BMEWS”، الذي تشغّله القوات الفضائية الأمريكية ويشكّل عنصرًا أساسيًا في نظام الإنذار المبكر المتقدم للصواريخ والهجمات. كما يتيح الإطار القانوني الثنائي، المتمثل في اتفاقية الدفاع لعام 1951 وتحديثها في إيغاليكو عام 2004، إمكانية تعديل الوضع العسكري دون نقل السيادة. وبعبارة أخرى، إذا كان الهدف هو “مزيد من الدفاع” فحسب، فإن مسار التعاون قائم بالفعل، وهو ما يجعل المطالبة بالملكية مسألة شديدة الحساسية سياسيًا.

أدت التصريحات الأخيرة لترامب بشأن الإقليم الدنماركي إلى بلورة موقف أوروبي واضح، داخل الاتحاد الأوروبي وخارجه. ففي السادس من يناير 2026، صدر بيان مشترك عن قادة الدنمارك وفرنسا وألمانيا وإيطاليا وبولندا وإسبانيا والمملكة المتحدة، تلاه بيان آخر لوزراء خارجية الدول الإسكندنافية الخمس. وقد أكد البيانان موقفًا متطابقًا مفاده أن أمن منطقة القطب الشمالي ينبغي مناقشته بشكل جماعي، في حين أن مستقبل غرينلاند يقرره سكانها وحدهم. حاول وزير الخارجية الأمريكي ماركو روبيو تهدئة المخاوف الأوروبية بالإشارة إلى محادثات مستقبلية مع الدنمارك وسكان غرينلاند، مع الحرص في الوقت نفسه على عدم استبعاد الخيار العسكري صراحة. كما كان متوقعًا، انتهى الاجتماع القصير بين وزراء خارجية الدنمارك وغرينلاند والولايات المتحدة في 14 يناير 2026 إلى طريق مسدود، إذ استمر وجود “خلاف جوهري” حول مستقبل الجزيرة، ولم يتفق الطرفان سوى على تشكيل فريق عمل مشترك.

اجتمع عسكريون من الدنمارك وفرنسا وألمانيا وهولندا والنرويج والسويد والمملكة المتحدة في غرينلاند لبحث سبل تعزيز أمن القطب الشمالي في 15 يناير 2025. سيكون ضم غرينلاند من قبل الولايات المتحدة غير مقبول بالنسبة للقادة الأوروبيين وجميع الأعضاء غير الأمريكيين في حلف شمال الأطلسي، لأنه سيخلق سابقة لا يمكن تصورها بالنسبة للأقاليم التسعة عشر المرتبطة بالدنمارك وفرنسا وهولندا والبرتغال وإسبانيا والمملكة المتحدة، والمنتشرة في المحيط الأطلسي والمحيط الهندي والمحيط الهادئ والقطب الشمالي والقطب الجنوبي.

يتوقع الخبراء أنه إذا لم تتغير مواقف واشنطن بشأن الإقليم، وإذا لم يتم التوصل إلى أرضية مشتركة مع الدول الأوروبية وحلف الناتو لتنفيذ أنشطة عسكرية مشتركة في غرينلاند، فإن النتائج قد تتمثل في تجميد كامل لعمل الحلف على المدى القصير، واندلاع أزمة عبر أطلسية غير مسبوقة. أما الاستجابات البديلة، فهي أكثر تعقيدًا في صياغتها. فمن حيث المبدأ، يتمثل الخيار الأمثل في خطة مشتركة لتعزيز أمن القطب الشمالي تحت مظلة حلف شمال الأطلسي، بما يحافظ على الدور الأمريكي وقاعدته العسكرية في بيتوفيك، مع إشراك الدول الأوروبية وصون وحدة غرينلاند. وقد كان هذا الهدف حاضرًا بوضوح في البيانين الأوروبيين الأخيرين. أمن أوروبا ـ اتفاقية غرينلاند، هل تعيد توازن القوى في القطب الشمالي؟.

3 ـ  أمن دولي ـ الاستقلال الدفاعي الأوروبي، بين الطموح السياسي والقيود الواقعية

دفعت التحولات الجيوسياسية والصراعات الدولية الراهنة أوروبا إلى أن تعيد صياغة استراتيجيتها الأمنية وسياساتها الدفاعية، لا سيما وأن هذه التغيرات تزامنت مع صعود تيارات اليمين الشعبوي التي تهدد قيم وأسس الديمقراطية في أوروبا. ذلك بجانب تراجع الثقة في المظلة الأمنية الأمريكية، بعد أن أظهرت واشنطن رغبتها في التخلي عن حماية الحلفاء في أوروبا، ما جعل مسألة الاستقلال الدفاعي الأوروبي أمرًا حتميًا، ولكن تواجه أوروبا تحديات جسيمة لتحقيق هذه الخطوة، ما يطرح تساؤلات حول قدرة أوروبا على الاستقلال الدفاعي.

تحولات التهديد الإرهابي داخل أوروبا

هل يمكن إنشاء جيش أوروبي موحد؟

الخلفية التاريخية: تعود فكرة بناء جيش أوروبي موحد إلى ما بعد الحرب العالمية الثانية، وتحديدًا في 1950 باقتراح فرنسي، وفي 10 مايو 1952 تم التوقيع من قبل “فرنسا، وألمانيا، وإيطاليا، وهولندا، وبلجيكا، ولوكسمبورغ” على نص معاهدة إنشاء “جماعة دفاع أوروبية” ذات سلطة إدارية وعسكرية مشتركة للدفاع الوطني، وميزانية وقانون عسكري مشترك. ورفضت وقتها المملكة المتحدة الانضمام للتحالف، ولكن تعهدت بالتعاون العسكري معه. وسرعان ما ألغيت المعاهدة في 31 أغسطس 1954 بعد أن رفضتها الجمعية الوطنية الفرنسية.

غابت فكرة الاستقلال الدفاعي الأوروبي بعد الحرب الباردة، مع توسع حلف الناتو وضمه عددًا من دول أوروبا، حتى أقرت قمة الناتو في 1999 حزمة “برلين بلس”، التي ضمنت عدم وجود أي انفصال بين الحلف والاتحاد الأوروبي فيما يخص الدفاع الجماعي. ظلت فكرة الجيش الأوروبي مؤجلة حتى عادت في الولاية الأولى للرئيس الأمريكي دونالد ترامب (2017 ـ 2021)، عندما ألمح إلى أن بلاده لن تقدم العون لدولة أخرى بالناتو إذا تعرضت لهجوم. الأمر الذي دفع قادة أوروبا المؤيدين للعلاقات الأطلسية لمطالبة أوروبا بالاستعداد للتعامل بمفردها. رغم مساعِ فرنسا لتطوير دفاع أوروبي مستقل، عرقل خروج بريطانيا من الاتحاد الأوروبي هذه الخطوة، وفي المقابل استمرت الدعوات للتوجه نحو الاستقلالية الاستراتيجية، لذا أطلق التكتل الأوروبي “الاستراتيجية العالمية لأمن الاتحاد وسياسته الخارجية”، ومبادرة التعاون الهيكلي الدائم “PESCO”، ووكالة الدفاع الأوروبي المجددة “EDA”.

تعالت الدعوات باستقلال أوروبا عسكريًا بعد 31 أغسطس 2021، حينما سحب الرئيس الأمريكي جو بايدن قواته بشكل مفاجئ من أفغانستان، وما تبعها من إنشاء تحالف بين الولايات المتحدة وبريطانيا وأستراليا في منطقة المحيطين الهادئ والهندي. كانت حرب أوكرانيا في 24 فبراير 2022 نقطة تحول في استقلالية أوروبا دفاعيًا، بإصدار البوصلة الاستراتيجية للاتحاد الأوروبي في مارس 2022، وإنشاء قوة انتشار سريعة قوامها (5) آلاف جندي و(200) خبير في السياسة الأمنية والدفاعية المشتركة. وفي السابع من يناير 2024 طالبت الخارجية الإيطالية بإنشاء جيش أوروبي، وفي 25 أبريل 2024 دعا الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون إلى دفاع أوروبي أقوى ومتكامل. وتشابهت هذه المطالب مع دعوة رئيس وزراء لوكسمبورغ لوك فريدن في 5 نوفمبر 2024.

واصلت فرنسا دورها القيادي مع زيادة التحديات الأمنية وتغير السياسات الأمريكية تجاه أوروبا، بتقديم مبادرات واستضافة اجتماعات أوروبية في 2025. أطلق مفوض الاتحاد الأوروبي لشؤون الدفاع والفضاء “أندريوس كوبيليوس” في 11 يناير 2026 دعوة لتشكيل قوة عسكرية أوروبية دائمة، قوامها نحو (100) ألف جندي، على خلفية تهديدات ترامب بضم غرينلاند. وأعلن وزير الخارجية الإسباني خوسيه مانويل ألباريس في 21 يناير 2026 أن بلاده تحث الاتحاد الأوروبي على التحرك نحو تشكيل جيش أوروبي كإجراء ردع، رافضًا تعرض أوروبا للابتزاز العسكري.

المواقف داخل الاتحاد الأوروبي: تنقسم المواقف داخل التكتل الأوروبي حول إنشاء جيش أوروبي، وتعد فرنسا في مقدمة المؤيدين للفكرة بجانب إيطاليا وإسبانيا. ورغم تأييد ألمانيا للخطوة، فإنها أكثر حذرًا لتفاصيل تطبيقها، وفي الأول من أكتوبر 2025 كشف استطلاع رأي لصحيفة “شتيرن” الألمانية عن تأييد (57%) من الألمان لأن يصبح “البوندسفير” جزءًا من جيش أوروبي، وتأييد (77%) لسياسة خارجية دفاعية نشطة لبلادهم. وتشكك دول شرق أوروبا في فرص تأسيس قوة عسكرية أوروبية، أكد وزير الخارجية البولندي رادوسلاف سيكورسكي في 16 فبراير 2025 إن أوروبا لن تنشئ جيشًا موحدًا. وتبنت دول “لاتفيا، وإستونيا، وليتوانيا” نفس الموقف، وتتمسك بالمظلة الأمريكية وترى فيها السبيل الوحيد لمنع التهديدات الروسية، بينما تظل أيرلندا والنمسا ومالطا على الحياد.

العلاقات مع الناتو: تأخذ العلاقة بين الاتحاد الأوروبي والناتو شكل الشراكة الاستراتيجية والطابع المؤسسي لمواجهة التحديات المشتركة وضمان أمن منطقة اليورو الأطلسية، إذ تضم دول الاتحاد والناتو أكثر من مليار شخص وتضم أكبر عدد من اقتصادات العالم. تُعدّ (23) دولة من أصل (27) عضوًا بالاتحاد الأوروبي أعضاء بالناتو. رغم أن العلاقة بينهما في الفترة (2016 ـ 2023) ارتكزت على التصدي للتهديدات الهجينة والإرهابية، وبناء قدرات الشركاء في الجناحين الشرقي والجنوبي للناتو ومنطقة غرب البلقان، فإن العلاقات توترت بتولي دونالد ترامب رئاسة الولايات المتحدة في يناير 2025.

تعتبر العلاقة بين الناتو وأوروبا معقدة ومتطورة وفقًا لمتغيرات المشهد السياسي العالمي، وتجمع بين التقارب الاستراتيجي والاعتماد العميق، ولا تزال أوروبا تعتمد على الولايات المتحدة عسكريًا، رغم رفع الإنفاق الدفاعي لعدد من الدول. أصبح الاستقلال الاستراتيجي الشغل الشاغل لأوروبا، خوفًا من انفصال واشنطن عن الحلف، لذا صاغت دول مثل ألمانيا عقيدتها العسكرية، ونشرت قوات خارج أراضيها لأول مرة منذ عقود في ليتوانيا، وسرعت بولندا من تعزيز قدراتها العسكرية.

عمل قادة أوروبا في قمة الناتو في (24 ـ 25) يونيو 2025 على استرضاء واشنطن بعد مراجعة البنتاغون لوضع القوات الأمريكية بشرق أوروبا، بالإعلان عن التزام الأعضاء باستثمار ما لا يقل عن (5%) من الناتج المحلي الإجمالي للإنفاق العسكري بحلول 2035، ويخصص منها (3.5%) لمتطلبات الدفاع الأساسية، و(1.5%) للبنية التحتية الحيوية وضمان الجاهزية المدنية، وتوسع التعاون الصناعي العابر للأطلسي في ضوء التوقعات لهجوم روسي محتمل.  أمن أوروبا ـ اتفاقية غرينلاند، هل تعيد توازن القوى في القطب الشمالي؟

خيار القوة الأوروبية للتدخل السريع

القدرات الحالية لأوروبا: أطلق الاتحاد الأوروبي صندوق الدفاع الأوروبي في يونيو 2017، ومبادرة التعاون الهيكلي الدائم “PESCO” في ديسمبر 2017، وتعمل في الوقت الحالي على (47) مشروعًا تعاونيًا. ووافق البرلمان الأوروبي على تمويل صندوق الدفاع الأوروبي بميزانية قدرها (7.9) مليار يورو كجزء من ميزانية الاتحاد طويلة الأجل (2021-2027). وأيد أعضاء البرلمان الأوروبي في 12 سبتمبر 2023 تعزيز صناعة الدفاع الأوروبي عبر قانون المشتريات المشتركة “EDIRPA” لدعم الدول في شراء المنتجات الدفاعية بشكل مشترك، لسد الفجوات وتعزيز القاعدة الصناعية والتكنولوجية الدفاعية الأوروبية.

يرى مدير المركز الأمريكي للدراسات الاستراتيجية والدولية “ماكس بيرجمان” أن على أوروبا أن تولي اهتمامًا لبناء قوة عسكرية مشتركة قادرة على القتال واستبدال الولايات المتحدة، وتقدر القوات المسلحة في فرنسا بـ(202 ـ 205) ألف جندي، وألمانيا أكثر من (184) ألف جندي، وإيطاليا (165 ـ 171) ألف جندي، والمملكة المتحدة حوالي (141) ألف جندي، واليونان نحو (132) ألف جندي، وإسبانيا (122) ألف جندي.

تشير تقديرات مركز بروغل للدراسات الاقتصادية إلى أن أوروبا بحاجة إلى (300) ألف جندي إضافي لتشكيل قوة ردع مستقلة، وستحتاج إلى ما لا يقل عن (1400) دبابة و(2000) مركبة قتالية للمشاة و(700) قطعة مدفعية ومليون قذيفة عيار (155) ملم للأشهر الثلاثة الأولى من الحرب، وإنتاج الطائرات المسيرة إلى زيادة تصل إلى (2000) ذخيرة طويلة المدى سنويًا، وزيادة الإنفاق الدفاعي بنحو (250) مليار يورو سنويًا، أي ما يقارب من (3.5%) من الناتج المحلي الإجمالي.

حدود الفاعلية دون قيادة موحدة: ترتكز أغلب القدرات العسكرية الأوروبية في ألمانيا وفرنسا وإيطاليا وإسبانيا وبولندا، وتمثل نحو (70%) من الإنفاق الدفاعي داخل التكتل الأوروبي. وتكمن معضلة من يقود الجيش الأوروبي المشترك، لا سيما وأن الاتحاد الأوروبي يتشكل من دول قومية لكل منها سياساتها وحكومتها، ما يعني أن اختيار أي دولة سيفرض نهجًا مختلفًا على باقي الدول في المسائل الدفاعية والتعامل مع التهديدات الروسية ودعم أوكرانيا. في حالة طرح اسم فرنسا أو ألمانيا لتولي المهمة، نظرًا لأنهما العصب الأساسي للاتحاد، تُطرح تساؤلات حول درجة الثقة في الدولتين بشأن الحفاظ على الأمن الأوروبي، والقدرة على حل الخلافات في الصناعات الدفاعية وشراء الأسلحة. الدفاع ـ كيف تعزز ألمانيا قدراتها الدفاعية ضمن الناتو؟

التحديات البنيوية أمام الاستقلال الدفاعي

غياب عقيدة عسكرية مشتركة: يواجه بناء جيش أوروبي إشكالية العقيدة العسكرية الموحدة، خاصة وأن مشروع الدفاع الأوروبي سيتشكل من مجموعة مبادرات لتعزيز الدفاع الأوروبي، وسيصبح تحت مظلة المؤسسات التي تنظم مسائل الدفاع والصناعات العسكرية بالاتحاد الأوروبي، الذي لا يملك عقيدة دفاعية موحدة. تتباين الأولويات الاستراتيجية، وتهتم دول بالعلاقات عبر الأطلسي، بينما تدعم دول أخرى الاستقلال الاستراتيجي لأوروبا، وضغطت دول أوروبا الشرقية مثل بولندا ودول البلطيق لزيادة الإنفاق الدفاعي، لمخاوفها من تمدد النفوذ الروسي على عكس بعض دول أوروبا الغربية.

يثير تضارب المصالح بين دول الاتحاد شكوكًا حول إمكانية تقديم عقيدة موحدة، في ضوء تمركز أغلب صناعات الدفاع الأوروبي في أوروبا الغربية، مما يجعل الاقتصاد السياسي للدفاع بأوروبا معقدًا. أظهرت حرب أوكرانيا تفاوت الجاهزية بين جيوش الدول الأوروبية، فالبعض لم يطبق التجنيد الإجباري منذ عقود مثل ألمانيا، ما يعيق التوافق على عقيدة تشغيلية موحدة، وهناك دول ترفض التخلي عن السيطرة على قواتها المسلحة، وتميل وزارات الدفاع الوطنية لدعم الشركات المحلية، ما يقلل من المنافسة بين الشركات الأوروبية ويمنع وجود عقيدة لوجستية صناعية موحدة.

تفاوت أنظمة التسليح: تتعدد أنواع الأسلحة لدى الاتحاد الأوروبي، حيث تمتلك الدول الأعضاء نحو (17) نوعًا مختلفًا من الدبابات القتالية و(20) نوعًا من الطائرات المقاتلة، في المقابل لدى الولايات المتحدة نوع دبابة قتالية واحدة و(6) أنواع من الطائرات المقاتلة. ولدى الاتحاد (27) قوة مسلحة و(27) هيئة مشتريات و(27) سوقًا صناعية دفاعية. ويصبح الجمع بين القدرات العسكرية وتحسين كفاءتها لا يتناسب مع إمكانيات جميع الجيوش الأوروبية وجاهزيتها العسكرية. وقد يحتاج الجيش الأوروبي لقدرات لا تتوافر لدى بعض الدول، وأسلحة لا تستطيع كل الدول نشرها.

مشاكل التدريب والتكامل العملياتي: يعمل صندوق الدفاع الأوروبي على توجيه المشتريات نحو الشركات الأوروبية الكبرى لتعزيز الاستقلال التقني، ولكن عمليًا اعتاد القادة العسكريون على استخدام المعدات الأمريكية، ما يجعلها المفضلة بالتدريبات، وتُمكن الجنود الأوروبيين من العمل بسلاسة مع الحلفاء الأطلسيين. يصبح الأوروبيون أمام تحدٍ لدعم الاقتصاد المحلي وضمان الكفاءة القتالية الفورية. يسعى الاتحاد الأوروبي إلى تحسين الاستجابة للتعامل مع الأزمات الإقليمية وإدارة الحدود، بجانب تولي الدفاع الجماعي والردع الاستراتيجي، وهي المسؤولية التي يتولاها الناتو حاليًا. تعد هذه المهام نقلة نوعية لدور أوروبا عسكريًا، حيث من المخطط أن يصبح الجيش الأوروبي قوة متعددة الأبعاد، يمكنها التعامل مع الهجمات السيبرانية وحماية البنية التحتية، ما يجعل أوروبا إضافة للناتو وليست عبئًا أو منافسًا للقيادة.

القيود السياسية والدستورية الوطنية: يشكل الانقسام السياسي أهم عقبة أمام الجيش الأوروبي، ويقول ستافروس أتلامازوغلو، صحفي متخصص في الشؤون الدفاعية، إن “القوة العسكرية يستطيع قائد أو حكومة دولة قومية نشرها دون تفسير للآخرين، بينما في جيش أوروبا الموحد سيصدر قائد فرنسي أوامره لوحدات ألمانية مثلًا بالقتال، ما سيخلق مشكلة سياسية”.

تمنح هذه الثغرة فرصة للسياسيين المشككين بالاتحاد لعرقلة فكرة تأسيس جيش أوروبي. تعد القوانين الوطنية لكل دولة عائقًا آخر، وهناك (4) دول هي “النمسا وأيرلندا وقبرص ومالطا” لا تتمكن من الانضمام لتحالفات عسكرية وفقًا لقوانينها الخاصة. ويلعب البوندستاغ بألمانيا دورًا في الانتشار العسكري بالخارج، كونه المسؤول عن اتخاذ القرار، وفي فرنسا يتخذ الرئيس قرار نشر القوات المسلحة. وفي كل الأحوال يتعلق الأمر بالسلطة التشريعية أو التنفيذية، ما يعني أن التكتل الأوروبي سلطته محدودة، وتدور أغلب المقترحات حول إسناد القرار للبرلمان الأوروبي، ولكن الدول الأعضاء غير ممثلة بالتساوي بالبرلمان، أو أن يتخذ المجلس الأوروبي، الذي يتشكل من رؤساء الدول والحكومات، قرار النشر. وفي حالة عدم وجود إجماع على القرار قد يلجأ الاتحاد لقاعدة الأغلبية.

هل يمكن لأوروبا الدفاع عن نفسها دون واشنطن؟

غياب عقيدة عسكرية مشتركة: يواجه بناء جيش أوروبي إشكالية العقيدة العسكرية الموحدة، خاصة وأن مشروع الدفاع الأوروبي سيتشكل من مجموعة مبادرات لتعزيز الدفاع الأوروبي، وسيصبح تحت مظلة المؤسسات التي تنظم مسائل الدفاع والصناعات العسكرية بالاتحاد الأوروبي، الذي لا يملك عقيدة دفاعية موحدة. تتباين الأولويات الاستراتيجية، وتهتم دول بالعلاقات عبر الأطلسي، بينما تدعم دول أخرى الاستقلال الاستراتيجي لأوروبا، وضغطت دول أوروبا الشرقية مثل بولندا ودول البلطيق لزيادة الإنفاق الدفاعي، لمخاوفها من تمدد النفوذ الروسي على عكس بعض دول أوروبا الغربية.

يثير تضارب المصالح بين دول الاتحاد شكوكًا حول إمكانية تقديم عقيدة موحدة، في ضوء تمركز أغلب صناعات الدفاع الأوروبي في أوروبا الغربية، مما يجعل الاقتصاد السياسي للدفاع بأوروبا معقدًا. أظهرت حرب أوكرانيا تفاوت الجاهزية بين جيوش الدول الأوروبية، فالبعض لم يطبق التجنيد الإجباري منذ عقود مثل ألمانيا، ما يعيق التوافق على عقيدة تشغيلية موحدة، وهناك دول ترفض التخلي عن السيطرة على قواتها المسلحة، وتميل وزارات الدفاع الوطنية لدعم الشركات المحلية، ما يقلل من المنافسة بين الشركات الأوروبية ويمنع وجود عقيدة لوجستية صناعية موحدة.

تفاوت أنظمة التسليح: تتعدد أنواع الأسلحة لدى الاتحاد الأوروبي، حيث تمتلك الدول الأعضاء نحو (17) نوعًا مختلفًا من الدبابات القتالية و(20) نوعًا من الطائرات المقاتلة، في المقابل لدى الولايات المتحدة نوع دبابة قتالية واحدة و(6) أنواع من الطائرات المقاتلة. ولدى الاتحاد (27) قوة مسلحة و(27) هيئة مشتريات و(27) سوقًا صناعية دفاعية. ويصبح الجمع بين القدرات العسكرية وتحسين كفاءتها لا يتناسب مع إمكانيات جميع الجيوش الأوروبية وجاهزيتها العسكرية. وقد يحتاج الجيش الأوروبي لقدرات لا تتوافر لدى بعض الدول، وأسلحة لا تستطيع كل الدول نشرها.

مشاكل التدريب والتكامل العملياتي: يعمل صندوق الدفاع الأوروبي على توجيه المشتريات نحو الشركات الأوروبية الكبرى لتعزيز الاستقلال التقني، ولكن عمليًا اعتاد القادة العسكريون على استخدام المعدات الأمريكية، ما يجعلها المفضلة بالتدريبات، وتُمكن الجنود الأوروبيين من العمل بسلاسة مع الحلفاء الأطلسيين. يصبح الأوروبيون أمام تحدٍ لدعم الاقتصاد المحلي وضمان الكفاءة القتالية الفورية. يسعى الاتحاد الأوروبي إلى تحسين الاستجابة للتعامل مع الأزمات الإقليمية وإدارة الحدود، بجانب تولي الدفاع الجماعي والردع الاستراتيجي، وهي المسؤولية التي يتولاها الناتو حاليًا. تعد هذه المهام نقلة نوعية لدور أوروبا عسكريًا، حيث من المخطط أن يصبح الجيش الأوروبي قوة متعددة الأبعاد، يمكنها التعامل مع الهجمات السيبرانية وحماية البنية التحتية، ما يجعل أوروبا إضافة للناتو وليست عبئًا أو منافسًا للقيادة.

القيود السياسية والدستورية الوطنية: يشكل الانقسام السياسي أهم عقبة أمام الجيش الأوروبي، ويقول ستافروس أتلامازوغلو، صحفي متخصص في الشؤون الدفاعية، إن “القوة العسكرية يستطيع قائد أو حكومة دولة قومية نشرها دون تفسير للآخرين، بينما في جيش أوروبا الموحد سيصدر قائد فرنسي أوامره لوحدات ألمانية مثلًا بالقتال، ما سيخلق مشكلة سياسية”.

تمنح هذه الثغرة فرصة للسياسيين المشككين بالاتحاد لعرقلة فكرة تأسيس جيش أوروبي. تعد القوانين الوطنية لكل دولة عائقًا آخر، وهناك (4) دول هي “النمسا وأيرلندا وقبرص ومالطا” لا تتمكن من الانضمام لتحالفات عسكرية وفقًا لقوانينها الخاصة. ويلعب البوندستاغ بألمانيا دورًا في الانتشار العسكري بالخارج، كونه المسؤول عن اتخاذ القرار، وفي فرنسا يتخذ الرئيس قرار نشر القوات المسلحة. وفي كل الأحوال يتعلق الأمر بالسلطة التشريعية أو التنفيذية، ما يعني أن التكتل الأوروبي سلطته محدودة، وتدور أغلب المقترحات حول إسناد القرار للبرلمان الأوروبي، ولكن الدول الأعضاء غير ممثلة بالتساوي بالبرلمان، أو أن يتخذ المجلس الأوروبي، الذي يتشكل من رؤساء الدول والحكومات، قرار النشر. وفي حالة عدم وجود إجماع على القرار قد يلجأ الاتحاد لقاعدة الأغلبية.  أمن أوروبا القومي ـ خطط لتمويل زيادة الإنفاق الدفاعي وتعزيز الاستقلال الاستراتيجي،”الكتاب الأبيض”

تقييم وقراءة مستقبلية

– تواجه أوروبا تحديات متعددة على الأصعدة الأمنية والسياسية والاقتصادية مع استمرار حرب أوكرانيا منذ فبراير 2022. أثرت الحرب بشكل كبير على ألمانيا وأوروبا عمومًا، لا سيما في مجالات حماية البنية التحتية الحيوية، والأمن السيبراني وأزمة الطاقة، التي تفاقمت نتيجة الاعتماد السابق على الغاز الروسي.

– يحاول الاتحاد الأوروبي والدول الأعضاء فيه وسط هذه الضغوط، إعادة رسم استراتيجيتها تجاه موسكو وكييف، عبر فتح قنوات حوار محتملة مع موسكو، وإقناع أوكرانيا بتقديم تنازلات مؤقتة مقابل نسخة “مخففة” من عضوية الاتحاد الأوروبي، تتيح الاستفادة من أموال الاتحاد، والوصول إلى السوق الأوروبية الموحدة مع استثناء حقوق التصويت الكاملة.

– يعكس الموقف الفرنسي الألماني من فتح قنوات الحوار مع روسيا رغبة القادة الأوروبيين في إعادة التوازن مع موسكو، لكن المواقف الأوروبية تتباين بشكل واضح، بين من يدعو لاستئناف الحوار الدبلوماسي ومن يصر على الضغط العسكري والاقتصادي على روسيا.

– يسعى الاتحاد الأوروبي تجاوز عقبة الإجماع بين الدول الأعضاء لتسهيل اتخاذ قرارات دعم أوكرانيا، في ظل معارضة بعض الدول خاصة المجر وسلوفاكيا. من المتوقع أن تحاول روسيا استثمار الانقسام الأوروبي والإرهاق الاقتصادي لدفع تسوية تعزز مكاسبه الميدانية.

– من المحتمل أن تتوسع صيغة “تحالف الراغبين” لتجاوز عرقلة المجر وسلوفاكيا، بما يسمح باتخاذ قرارات سريعة بشأن أوكرانيا والدفاع الأوروبي، وقدرته على لعب دور الوسيط الفاعل في مفاوضات السلام دون الانجرار إلى تصعيد مباشر مع روسيا. في ظل غموض الالتزام الأمريكي.

– من المرجح إذا نجح الاتحاد الأوروبي في فرض دور تفاوضي مستقل، فقد تُرسي نموذجًا جديدًا للسياسة الخارجية الأوروبية، بما يضمن مصالح الأمن الأوروبي واستقرار الحدود الشرقية للكتلة، أما إذا انفردت واشنطن وموسكو بالاتفاق، فسيواجه الاتحاد اختبارًا يتعلق بمصداقيته وقدرته على حماية أمنه الإستراتيجي.

**

– شكّل التحول في السياسة الأمريكية خلال الولاية الثانية للرئيس دونالد ترامب نقطة انعطاف حاسمة في طبيعة العلاقات عبر الأطلسي، إذ انتقلت أوروبا من موقع الشريك الذي يعتمد على التزام أمريكي مستقر إلى موقع فاعل يواجه حالة متزايدة من عدم اليقين الاستراتيجي.

– لم تكن سياسات وتصريحات إدارة ترامب تجاه حلف شمال الأطلسي، وأوكرانيا، والاتحاد الأوروبي، وغرينلاند أحداثًا منفصلة، بل شكّلت مجتمعة نمطًا متماسكًا يعكس إعادة تعريف أمريكية لدور أوروبا في الحسابات الاستراتيجية لواشنطن.

– يكمن جوهر في اختلاف بنيوي حول مفهوم الأمن ذاته، بالإضافة إلى تقاسم الأعباء الدفاعية أو في إدارة الأزمات الإقليمية، بل . فبينما تنظر أوروبا إلى الأمن باعتباره منظومة جماعية طويلة الأمد تقوم على الردع والتكامل المؤسسي واحترام السيادة، تتعامل إدارة ترامب معه بمنطق المعاملات وربط الالتزامات بالمكاسب.

– تراجع أولوية أوروبا أصبح سياسة معلنة في استراتيجية الدفاع الأمريكية الجديدة، وقد دفع هذا الواقع الحلفاء الأوروبيين إلى تحمّل العبء الأساسي للدفاع عن القارة، ما يجعل الاستقلال الاستراتيجي الأوروبي ضرورة وظيفية داخل الناتو وليس مجرد خيار أيديولوجي.

– أظهر التصعيد الأمريكي في غرينلاند تجاوز الأبعاد الدفاعية ليصل إلى التشكيك في مبادئ السيادة، مما مثّل اختبارًا صعبًا لوحدة أوروبا وقدرتها على صياغة موقف جماعي ضد ضغوط أمريكية تمس سلامة الأراضي وموازين النفوذ في القطب الشمالي.

– من المرجح أن لاتعود الشراكة عبر الأطلسي إلى نموذجها التقليدي السابق في ظل استمرار أولويات الولايات المتحدة الاستراتيجية تجاه الصين وتراجع مركزية أوروبا في الحسابات الأمريكية.

– من المتوقع أن تسرّع الدول الأوروبية جهودها لتعزيز الاستقلال الاستراتيجي، سواء عبر التكامل الدفاعي للاتحاد الأوروبي، أو بناء تحالفات مرنة بين الدول القادرة والراغبة، مع التركيز على ضمان وحدة المواقف داخل الناتو وخارجه.

– من المحتمل أن معظم الأوروبيين سيختارون استمرار الحوار مع واشنطن، وهو مسار لا غنى عنه ومحبط في الوقت نفسه، إذ لا يوجد سبب يُذكر في السياق الحالي لتوقّع صدور مواقف أكثر توافقًا مع الرؤية الأوروبية من البيت الأبيض في عام 2026.

**

– يمثل الاستقلال الدفاعي الأوروبي خيارًا استراتيجيًا لا غنى عنه لتصحيح الأخطاء التي وقعت فيها أوروبا على مدار أكثر من ثلاثة عقود بشأن التبعية العسكرية للولايات المتحدة، ما أفقد أوروبا تأثيرها السياسي والعسكري والاقتصادي تدريجيًا. ولكن يعد التوقيت الراهن، الذي تتشابك فيه الأزمات الدولية والمصالح بين الدول، اختبارًا حقيقيًا لقدرة أوروبا على تجاوز الواقع المعقد، الأمر الذي يتطلب من أوروبا تحقيق التوازن بين تسريع خطواتها لبناء قدرة دفاعية أكثر تماسكًا، وتعزيز دورها في الناتو وخاصة في حماية الأمن القومي الأوروبي.

– ينبغي أن تقدم أوروبا حلولًا للانقسامات بشأن الاستقلال الدفاعي والصناعات الدفاعية المشتركة، عبر تدشين سوق دفاعية مشتركة بقوانين ومعايير متوافقة عليها، لدعم القدرات العسكرية الأوروبية بشكل مستدام ومستقل، وتحقيق المنافسة بين الشركات الأوروبية وتطوير الصناعات العسكرية. وفي الإطار نفسه، يجب التخلي عن نهج شراء الأسلحة من واشنطن لسد الثغرات في حالات الطوارئ، بل الاتجاه لتفعيل دور وكالة الدفاع الأوروبية ومنظمة التعاون المشترك في مجال التسلح.

– تمثل القيود السياسية والقانونية عقبات أمام الاستقلال الدفاعي بأوروبا، ومن المتوقع أن تتسع هذه الفجوات وتتزايد الخلافات بين الدول، لا سيما وأن منحنى نفوذ اليمين الشعبوي يتصاعد، الأمر الذي قد يؤثر على خطة بناء جيش أوروبي، لذا ينبغي أن تضع المؤسسات الأوروبية عقيدة عسكرية موحدة بأطر قانونية وسياسية منظمة للدفاع المشترك، بشكل يضمن مشاركة جميع الدول الأوروبية الأعضاء بالناتو وغير الأعضاء، ما يحقق الاستفادة من جميع القدرات العسكرية، وحتى لا تشعر دول بانفراد البعض بالقرار السياسي.

– ينبغي أن تراعي أوروبا عند تأسيس هيكل قيادة عسكرية أوروبية ألا يكون نسخة مكررة من هيكل الناتو، بل أن يكون مكملًا يمكن الاستفادة منه عند الضرورة، ويكون أكثر مرونة وقدرة على مواجهة التهديدات الأمنية، ويدمج أدوات القوة الدبلوماسية والإعلامية والاقتصادية مع الأدوات العسكرية.

– من المحتمل أن يصبح التعاون العسكري بين الاتحاد الأوروبي وبريطانيا في أعلى مستوياته، نظرًا لأن الأخيرة قوة نووية مهمة، ودولة ذات ثقل سياسي وعسكري في الناتو، بجانب علاقاتها مع واشنطن، ودورها في “تحالف الراغبين” الذي يضم غالبية الدول الأوروبية، ما يعد نقطة قوة ويجب توظيفها جيدًا لتعزيز قوة الردع النووي لأوروبا.

– من المرجح أن تظل الخلافات بين واشنطن وأوروبا قائمة حول تقاسم الأعباء الدفاعية، ما يجعل مستقبل الناتو مرهونًا بالقدرة على تحول أوروبا لمهمة الدفاع بمفردها، لا سيما وأن القمة الأخيرة للناتو أكدت على استمرار الحلف في الاعتماد على واشنطن، وعدم قدرة أوروبا على القتال دون واشنطن، وتآكل الثقة بين الجناحين الأوروبي والأمريكي بالناتو، وغياب خطة واضحة لتقاسم الأعباء.

– رغم التوترات الحالية مع واشنطن، ستتبع أوروبا سياسة مزدوجة، وهي احتواء الأزمات وعدم إثارة غضب واشنطن بأي صورة، بجانب الاستمرار في خطة الاستقلال الدفاعي والانفتاح على إجراء حوارات مع دول مثل الصين وروسيا. وتعد أزمة غرينلاند دليلًا على اتباع أوروبا هذه السياسة، واستيعاب نهج واشنطن الجديد نحوها، ما دفع أوروبا لفتح محادثات دبلوماسية مع الولايات المتحدة والدنمارك لتخفيف التوتر، بجانب التعزيز العسكري في غرينلاند.

رابط نشر مختصر .. https://www.europarabct.com/?p=114381

حقوق النشر محفوظة إلى المركز الأوروبي لدراسات مكافحة الارهاب والاستخبارات ـ ألمانيا وهولندا ECCI

هوامش

Global Risks to the EU in 2026: What are the main conflict threats for Europe?
https://tinyurl.com/4xhkd3dr

Ukraine does not believe Europe ‘should replace the US’ in security guarantees, Zelenskyy says
https://tinyurl.com/5dj5ee8w

Kremlin sees win in European calls for Putin talks
https://tinyurl.com/47mf54wz

Under Trump’s Greenland shadow, Europe mulls reaching out to Russia
https://tinyurl.com/4vxrz4vx

 **

Low trust: navigating transatlantic relations under Trump 2.0
https://2u.pw/nwoMb8

European security in a time of war: Standing with Ukraine, against Russia and without the US
https://2u.pw/xZLWx 

New US defense strategy downgrades Europe, elevates Greenland
https://2u.pw/1DBPX

US strategy is leading to a Europe squeezed from the east and the west
https://2u.pw/6y8VD

 **

European countries will not create one united army, says Poland’s Sikorski
http://bit.ly/4k0V37F

EU-NATO relations in a new threat environment: Significant complementarity but a lack of strategic cooperation
https://bit.ly/3LRTA6Y

The plan for a European army within Nato – archive, 1952
https://bit.ly/3YTU6o6

The European Union Is Considering a United Army—Again
https://bit.ly/3ZvHOCt

الإشتراك في نشرتنا الإخبارية المجانية

 

تابعنا على تويتر

تابعنا على فيسبوك

استطلاع رأي

هل المركز مصدر موثوق في البحث ؟

جاري التحميل ... جاري التحميل ...