خاص ـ المركز الأوروبي لدراسات مكافحة الإرهاب والاستخبارات ـ ألمانيا وهولندا ECCI
الأمن الدولي ـ هل تستطيع أوكرانيا مواصلة الحرب بدون أسلحة أمريكية؟
إذا سحبت الإدارة الأميركية الأسلحة الأميركية، فإن القتال سيكون صعباً ولكن ليس مستحيلاً بالنسبة لأوكرانيا. حيث فاجأ الرئيس الأميركي دونالد ترامب العواصم الأوروبية خلال نوفمبر 2025 بتوجيه إنذار نهائي غير عادي لكييف، إما قبول مسودة خطة واشنطن المفاجئة لإنهاء حرب أوكرانيا أو المخاطرة بخسارة الأسلحة والاستخبارات الأميركية . وقد تم تعديل هذه الخطة منذ ذلك الحين بمشاركة أوكرانية وأوروبية لكي تصبح أقل ميلا إلى روسيا، ولكن التهديد لا يزال يلوح في الأفق فوق كييف.
هذا يثير سؤالين: هل لدى أوروبا القدرة على التدخل بسلاسة واستبدال الأسلحة التي تقدمها الولايات المتحدة، وهل تستطيع أوكرانيا مواصلة القتال بدون أسلحة أمريكية؟ الإجابة المختصرة: لا ونعم، فهناك 5 قضايا رئيسية أثارها إنذار ترامب وما تعنيه بالنسبة للمجهود الحربي لأوكرانيا.
هل تستطيع أوروبا أن تحل محل الولايات المتحدة؟
لا، ليس في المدى القريب وليس على المستوى الذي تحتاجه أوكرانيا. يقول كريستيان مولينغ، كبير المستشارين في مركز السياسة الأوروبية، إن أوروبا قادرة على دعم أوكرانيا بدون الولايات المتحدة، ولكن “بمخاطر أكبر”. وأضاف أن أي توقف واشنطن عن تقديم الدعم لأوكرانيا يجب أن يُعوّض “بالخسائر أو بتغيير أسلوب قتالها”. وحتى في هذه الحالة، فإنّ مواكبة مستوى الدعم الحالي “أمرٌ شبه مستحيل”. تزوّد أوروبا أوكرانيا بالذخيرة والدبابات والطائرات المقاتلة وغير ذلك الكثير لكن الأسلحة الأميركية لا تزال حيوية. الفجوة الأخطر هي الدفاع الجوي والصاروخي. يعتمد جزء كبير من قدرة أوكرانيا على إيقاف الصواريخ الباليستية الروسية على أنظمة باتريوت الأمريكية الصنع وصواريخها من طراز PAC-3، التي تنتجها الولايات المتحدة فقط.
يوضح ميكولا بيليسكوف، الباحث في المعهد الوطني الأوكراني للدراسات الاستراتيجية: “أود أن أقول إننا نستطيع الاستغناء عن الولايات المتحدة ولكن لفترة محدودة فقط”. وأضاف: “الولايات المتحدة وحدها قادرة على إنتاج صواريخ اعتراضية من طراز PAC-3 MSE”. وافقت وزارة الخارجية الأميركية خلال نوفمبر 2025 على بيع صواريخ باتريوت الاعتراضية لأوكرانيا بقيمة 105 ملايين دولار. إن أوروبا تزود أوكرانيا بنظام الدفاع الجوي الفرنسي الإيطالي SAMP/T، والذي يتمتع بقدرات مماثلة لنظام باتريوت، وسوف تحصل على نظام SAMP/NG المحدث العام 2026، ولكن مع قيام الكرملين بإطلاق هجمات مدمرة ضد المدن الأوكرانية باستمرار، فإن أوكرانيا تحتاج إلى كل نظام يمكنها الحصول عليه.
ما مدى أهمية تبادل المعلومات الاستخباراتية؟
أشار مولينغ إلى أن قدرة أوكرانيا على الكشف المبكر عن الصواريخ القادمة تعتمد على شبكات أقمار صناعية وأجهزة استشعار أمريكية كثيفة، وهو ما تفتقر إليه أوروبا. قد تُسهم الإمكانات الأوروبية في “سد الثغرات”، لكن “النتائج لن تكون بنفس الجودة أبدًا”. أوقف ترامب لفترة وجيزة تبادل المعلومات الاستخباراتية مع أوكرانيا في مارس 2025 في محاولة سابقة لإجبار كييف على الجلوس إلى طاولة المفاوضات. تتمتع أوكرانيا بإمكانية الوصول إلى أقمار التجسس بفضل شركة الفضاء الفنلندية ICEYE، كما تتمتع أوروبا بقدراتها الاستخباراتية الخاصة – ولكنها ليست بنفس مستوى الولايات المتحدة.
بدون المساعدات الأميركية، فإن اكتشاف الهجمات الروسية القادمة والتحضير لهجمات مضادة، مثل ضرب بطاريات الدفاع الجوي الروسية ومصافي النفط، سيكون أكثر صعوبة. أكد ماكسيم سكريبشينكو، رئيس مركز الحوار عبر الأطلسي في كييف، إنه إذا توقفت الولايات المتحدة عن تبادل المعلومات الاستخباراتية، فإن ذلك “سيؤدي في الواقع إلى مقتل المزيد من الأوكرانيين”. بإمكان أوروبا، مع مرور الوقت، بناء المزيد من الأقمار الصناعية وطائرات الاستطلاع. لكن تحقيق أهداف القدرات الأوروبية سيستغرق سنوات، ناهيك عن مساعدة أوكرانيا.
أوروبا تنفق بالفعل أكثر من الولايات المتحدة
من الواضح أن أوروبا تنفق أكثر من الولايات المتحدة على أوكرانيا، ولكن هذا لا يعني أنها تتولى زمام الأمور. تُظهر بيانات معهد كيل أنه بين عامي 2022 و2024، كان متوسط الالتزامات العسكرية الشهرية لكل من واشنطن وأوروبا تجاه كييف متقاربًا. ومع تولي ترامب منصبه، تغير هذا الوضع جذريًا: فقد انخفضت المساعدات العسكرية الأمريكية الشهرية إلى ما يقارب الصفر، بينما زادت الحكومات الأوروبية مساهماتها إلى ما يقرب من 4 مليارات يورو شهريًا في النصف الأول من العام 2025، وحتى بعد انخفاضها، ظلت تُقدم أضعاف ما تُقدمه الولايات المتحدة.
وبدلاً من تقديم الأسلحة، تقوم الولايات المتحدة ببيعها وتجعل حلفائها يتحملون الفاتورة بموجب قائمة المتطلبات ذات الأولوية لأوكرانيا. قائمة المشتريات المتفق عليها مع حلف الناتو، والتي تُمكّن الحكومات الأوروبية من تحويل الأموال مباشرةً إلى شركات الدفاع الأمريكية لشراء أسلحة لا تستطيع أوكرانيا الحصول عليها من مصدر آخر، هي وسيلة لضمان استمرار تدفق الأسلحة الأمريكية الأساسية إلى أوكرانيا، ووسيلة سياسية لمنع ترامب، الذي يعتمد على الصفقات التجارية، من التخلي عن كييف. يوضح سكريبتشينكو إن “الأميركيين يبيعون لأوكرانيا ما لا يمكن استبداله”، معتبراً أن الصناعة الأميركية تحتاج إلى السوق الأوروبية وسترغب في الاستمرار في بيع صواريخ باتريوت وغيرها من الأنظمة الفريدة.
لكن هذا لا يمنح أوروبا سيطرة حقيقية. تابع مولينغ إن المشكلة الأعمق تكمن في أن واشنطن لم تعد تتعامل مع ترتيبات الدفاع كعقود موثوقة. وأضاف أن الولايات المتحدة “تتصرف بشكل متزايد كشريك يشعر بحرية إعادة صياغة الشروط كلما تغير مزاجه السياسي”، تاركًا الأوروبيين عرضة للخطر.
هل ستتوقف الولايات المتحدة حقا عن بيع الأسلحة لأوكرانيا؟
يرى سكريبتشينكو بأن المنطق التجاري يدفع ضد التوقف التام؛ إذ لدى PURL تعهدات بقيمة 3.5 مليار دولار، وهذا مبلغ كبير على شركات الدفاع الأمريكية التخلي عنه. وقال: “لا أعتقد أن الولايات المتحدة ستتوقف عن بيع الأسلحة لنا بتكلفة أوروبية”. ومع ذلك، حذر مولينج من أن السلطة السياسية تتغلب على الحوافز التجارية. وتابع: “بإمكان الحكومة الأمريكية وقف الصادرات بقرار واحد”، في إشارة إلى المراحل التي أوقفت فيها إدارة ترامب عمليات التسليم أو تبادل المعلومات الاستخباراتية. كما يمكن لواشنطن، إن شاءت، منع أو تجميد إعادة التصدير أو إبطاء عمليات التسليم بين عشية وضحاها للضغط على كييف أو أوروبا.
هذا هو المزاج السائد في واشنطن بالفعل، تقول كارولين ليفيت، السكرتيرة الصحفية للبيت الأبيض: “أوقف الرئيس ترامب تمويل هذه الحرب، لكن الولايات المتحدة لا تزال ترسل أو تبيع كمية كبيرة من الأسلحة إلى حلف شمال الأطلسي. لا يمكننا فعل ذلك إلى الأبد”.
هل تستطيع أوكرانيا مواصلة القتال بدون الولايات المتحدة؟
قد تتمكن أوكرانيا من مواصلة القتال، ولكن الحرب ستدخل على الفور مرحلة أكثر ضعفاً ولا يمكن التنبؤ بنتائجها. لقد خسرت روسيا آلاف الرجال في هجومها البطيء، وتمكن الجيش الأوكراني من إلحاق خسائر فادحة في صفوفه بفضل تكنولوجيا الطائرات بدون طيار والكمية المتزايدة من قذائف المدفعية التي يمتلكها الآن. تمتلك أوكرانيا إحدى أكبر الصناعات الدفاعية في أوروبا، حيث تُنتج طائراتها المُسيّرة، وصواريخها متوسطة وبعيدة المدى، وأنظمة المدفعية، والذخيرة. وصرح الرئيس الأوكراني فولوديمير زيلينسكي بأن البلاد تُنتج الآن حوالي 60% من احتياجاتها في جبهات القتال.
أوضحت نائبة وزير الدفاع حنا جفوزديار “في غضون ثلاث سنوات، قمنا بتحويل قطاع صغير إلى صناعة ديناميكية أصبحت الأساس لقدراتنا الدفاعية”. ولكن لا يأتي كل هذا الـ 40% المفقود من الولايات المتحدة، ولكن هناك ما يكفي من الأسباب التي تجعل الاستغناء عنها يؤثر على قدرة أوكرانيا على شن الحرب. رغم إنتاجها لأنظمة مضادة للطائرات بدون طيار رخيصة الثمن، لا تزال أوكرانيا تفتقر إلى القدرة المحلية على اعتراض الصواريخ الباليستية. ولمواكبة هذا التطور، تحتاج كييف إلى شركاء لمواصلة تمويل قطاع الدفاع المحلي.
يؤكد جفوزديار: “إن الدعم من الشركاء أمر بالغ الأهمية للصناعة للحفاظ على الزخم وتوسيع القدرة”. كما حذّر مولينغ من أن فقدان الدعم الأمريكي سيجبر كييف على اتخاذ إجراءات مرتجلة، مما قد يُكلفها خسائر في الأرواح. وقال إن بإمكان أوكرانيا مواصلة عملياتها، ولكن فقط بقبول “مخاطر أكبر” وتعديل تكتيكاتها بما يُحمّلها تكلفة أعلى. مع ذلك، لا شك في قدرة أوكرانيا على الصمود. وأشار سكريبتشينكو إلى صمود أوكرانيا في القتال حتى في ظل النقص الحاد في أنظمة الدفاع الجوي الاعتراضية والذخيرة وغيرها من الأسلحة، ورغم القصف الروسي المتواصل بالصواريخ والقنابل والطائرات المسيرة. وأضاف أن البلاد “لم تستسلم أو تسقط”، في إشارة إلى أن القوات الأوكرانية ستواصل المقاومة حتى لو ابتعد ترامب.
رابط مختصر.. https://www.europarabct.com/?p=112116
