خاص ـ المركز الأوروبي لدراسات مكافحة الإرهاب والاستخبارات، ألمانيا وهولندا ECCI
الأمن الدولي ـ هل تؤدي “الضربات العميقة” إلى كسر الجمود في مفاوضات حرب أوكرانيا؟
أكد السفير الأمريكي لدى حلف شمال الأطلسي، ماثيو ويتيكر، إن إدارة الرئيس الأمريكي دونالد ترامب، بدأت بتزويد الجيش الأوكراني بـ”قدرات هجومية أعمق” تتيح له تنفيذ ضربات ضد أهداف داخل العمق الروسي، في خطوة تمثل تحولًا نوعيًا في دعم الولايات المتحدة لكييف، وسط مساعٍ لإنهاء الحرب المستمرة منذ أكثر من ثلاث سنوات.
لماذا تكتسب هذه التحركات أهمية؟
تصريحات السفير ويتيكر تأتي في سياق دقيق للغاية، حيث تبذل إدارة ترامب جهودًا حثيثة لإنهاء حرب أوكرانيا. فقد عقد الرئيس ترامب، في 15 أغسطس 2025، اجتماعًا مع نظيره الروسي فلاديمير بوتين في ولاية ألاسكا الأمريكية، في محاولة لكسر الجمود السياسي. إلا أن بوتين لم يقدم حتى الآن أي تنازلات ملموسة، رغم دعوات متكررة لوقف إطلاق النار، كما لم يوافق على لقاء نظيره الأوكراني فولوديمير زيلينسكي بشكل مباشر.
يرى مراقبون أن ترامب يأمل في أن يؤدي دعم أوكرانيا بقدرات هجومية متقدمة إلى فرض ضغوط جديدة على موسكو، ما قد يساهم في دفع بوتين للانخراط بشكل جدي في محادثات السلام، التي تراوح مكانها حتى الآن.
ما هي القدرات القدرات الهجومية لأوكرانيا؟
في تصريحات أدلى بها لشبكة فوكس نيوز في 29 أغسطس 2025، أوضح ويتيكر: “نحن نقدم بعض القدرات الضاربة الأعمق، ومن المرجح أن يستخدمها الأوكرانيون، وهذا يختلف كثيرًا عما فعله الرئيس الأمريكي السابق جو بايدن”. ومع ذلك، لم يوضح السفير الأمريكي طبيعة هذه الأنظمة أو الأسلحة، ما يترك الباب مفتوحًا أمام التكهنات حول حجم ونوع الدعم الجديد.
طالبت كييف مرارًا بالسماح لها باستخدام أسلحة أمريكية متطورة لضرب أهداف داخل الأراضي الروسية. وفي أواخر عام 2024، منحت إدارة الرئيس الأمريكي السابق بايدن الضوء الأخضر لاستخدام صواريخ ATACMS الأمريكية، والتي يبلغ مداها نحو 190 ميلاً، أي ما يعادل أكثر من 300 كيلومتر. ومع ذلك، يبدو أن الإدارة الجديدة تذهب إلى مدى أبعد، ربما لتشمل صواريخ ذات مدى أطول أو قدرات تكنولوجية متقدمة.
اعتمدت أوكرانيا بشكل متزايد على الطائرات المسيرة محلية الصنع لتنفيذ هجمات بعيدة المدى، مستهدفة البنية التحتية الحيوية داخل روسيا، بما في ذلك قواعد عسكرية ومنشآت نفطية.
التحركات الأمريكية على الأرض
في خطوة تكمّل هذا التصعيد في الدعم، أعلنت وزارة الخارجية الأمريكية في 29 أغسطس 2025 أنها وافقت على صفقة جديدة لبيع 3250 صاروخًا من طراز ERAM بعيد المدى لأوكرانيا، بقيمة تُقدّر بحوالي 825 مليون دولار. تأتي هذه الصفقة ضمن سلسلة من صفقات الأسلحة التي تُبرم مع أوكرانيا، ويبدو أن جزءًا كبيرًا منها يتم بتمويل من حلفاء الناتو، وليس من الخزانة الأمريكية مباشرة.
أوضح السفير ويتيكر: “إن الولايات المتحدة تبيع ما قيمته حوالي مليار دولار من الأسلحة لأوكرانيا شهريًا، وهي تُدفع الآن من قبل الحلفاء الأوروبيين، في إطار توزيع عبء الدعم العسكري لأوكرانيا”.
التصعيد المتبادل بين موسكو وكييف
تأتي كل هذه التطورات في ظل تصعيد كبير من الطرفين. فقد شنت روسيا في 28 أغسطس 2025، واحدة من أشد الهجمات الجوية على الأراضي الأوكرانية منذ بدء الحرب في فبراير 2025، استهدفت عدة مدن بينها العاصمة كييف، باستخدام نحو 600 طائرة بدون طيار، وصاروخين من طراز “كينجال” فرط الصوتي، إلى جانب 20 صاروخ كروز وتسعة صواريخ باليستية.
ردّت أوكرانيا بهجمات دقيقة على مصافي النفط داخل الأراضي الروسية، في استراتيجية تهدف إلى خنق الاقتصاد الروسي، وحرمان الكرملين من موارد تمويل الحرب. أكد ويتيكر قائلًا: “إن هذه الهجمات دمرت حوالي 20% من طاقة تكرير النفط في روسيا خلال يوليو 2025، وهو ما يشير إلى تصاعد فعالية الهجمات الأوكرانية.
ضغوط اقتصادية ودبلوماسية إضافية
فرضت إدارة الرئيس ترامب تعريفات جمركية إضافية بنسبة 25% على الواردات من الهند، وذلك بسبب استمرار نيودلهي في شراء النفط الروسي، في إشارة إلى أن واشنطن تتجه لتوسيع دائرة الضغوط على الدول التي تخرق العقوبات المفروضة على موسكو.
أما على المستوى الدبلوماسي، فقد أكد ويتيكر: “أن الرئيس ترامب يدرك ضرورة إبقاء بوتين وزيلينسكي على الطاولة، لا نتوقع نتائج فورية، لكن مجرد استمرار الحوار بين الطرفين يُعد تقدمًا”. أضاف ويتيكر: “أن هذه ليست حرب ترامب، لكنه يريد إنهاء الحرب وإنهاء الضربات على المدن الأوكرانية.”
موقف البيت الأبيض
أكد مسؤول في البيت الأبيض لوكالة فرانس برس: “إن الرئيس ترامب وفريقه للأمن القومي يواصلون التواصل مع المسؤولين الروس والأوكرانيين لعقد اجتماع ثنائي يهدف إلى وقف القتل وإنهاء الحرب”، في إشارة إلى أن التحركات الأمريكية تشمل بعدًا سياسيًا عميقًا، إلى جانب الدعم العسكري والاقتصادي.
أكد العديد من القادة الغربيين أن هذه الحرب ربما لم تكن لتندلع أصلًا لو كان ترامب لا يزال في السلطة، في محاولة لتعزيز صورة الرجل القوي الذي يحظى بتأثير خاص على بوتين.
الأسئلة تبقى مفتوحة حول نوعية “القدرات
تبقى الأسئلة مفتوحة حول نوعية “القدرات الضاربة الأعمق” التي قدمتها واشنطن مؤخرًا لأوكرانيا، وما إذا كانت ستُحدث تحولًا حاسمًا في سير المعارك. فبينما تسعى إدارة ترامب إلى الجمع بين الضغط العسكري والتفاوض السياسي، من غير الواضح ما إذا كان بوتين سيستجيب لهذه الضغوط، أم سيواصل سياسته القائمة على استنزاف الخصم والرهان على الوقت.
في خضم هذا التوتر، تبقى حرب أوكرانيا واحدة من أخطر الأزمات الجيوسياسية في القرن الحادي والعشرين، بمفاعيلها الإقليمية والدولية التي تتجاوز حدود أوروبا الشرقية.
النتائج
تعكس تصريحات السفير ويتيكر وتوجهات إدارة ترامب تصعيدًا استراتيجيًا في دعم أوكرانيا، يعتمد على الجمع بين “العصا والجزرة”: تعزيز القدرات الهجومية من جهة، ومحاولة فتح قنوات تفاوض جديدة من جهة أخرى.
هذا التوجه يشير إلى أن إدارة ترامب تعتقد أن الضغط العسكري هو السبيل الوحيد لإجبار روسيا على تقديم تنازلات سياسية، خاصة في ظل لمماطلة الكرملين ورفضه للجلوس مع زيلينسكي.
على المدى القريب، من المتوقع أن يؤدي هذا التصعيد إلى زيادة وتيرة الهجمات المتبادلة، خاصة مع امتلاك كييف أدوات هجومية أكثر فاعلية. وقد تلجأ روسيا إلى مزيد من الضربات الجوية والتكتيكات غير التقليدية، مثل استهداف البنية التحتية الحيوية أو التصعيد الإلكتروني.
أما مستقبلًا، فستظل فرص السلام مرهونة بمدى جدية موسكو في التفاوض، ومدى استعداد واشنطن وحلفائها لتقديم ضمانات أمنية وسياسية مقنعة للطرفين.
يبقى الخطر قائمًا من انزلاق الصراع نحو مواجهة أوسع، في حال تجاوزت أوكرانيا خطوطًا حمراء يعتبرها بوتين تهديدًا وجوديًا.
رابط مختصر.. https://www.europarabct.com/?p=108487
