خاص ـ المركز الأوروبي لدراسات مكافحة الإرهاب والاستخبارات ـ ألمانيا وهولندا ECCI
الأمن الدولي ـ ما هي مخرجات قمة برلين 2025 بشأن أوكرانيا؟
ترقّب واسع أحاط بمفاوضات أوكرانيا في برلين، فما الذي أسفرت عنه؟ وكيف سيكون المسار التالي؟، عرض المستشار الألماني فريدريش ميرتس، إلى جانب عدد من قادة الدول والحكومات الأوروبية، في إطار الجهود الرامية إلى إنهاء الحرب في أوكرانيا، تشكيل قوة حماية لتأمين أي وقف محتمل لإطلاق النار. جاء في بيان مشترك صدر في ختام محادثات أوكرانيا في برلين أن قوة تقودها أوروبا، وتحظى بدعم من الولايات المتحدة، ستعمل على دعم القوات المسلحة الأوكرانية وضمان أمن المجالين الجوي والبحري، وذلك “بما يشمل أيضًا تنفيذ عمليات داخل الأراضي الأوكرانية”، بحسب نص الوثيقة.
تُعدّ قوة الحماية إحدى عدة تعهدات قدّمتها الدول الموقّعة في حال التوصل إلى اتفاق لإنهاء الحرب. وقّع البيان إلى جانب ميرتس، كل من قادة فرنسا وبريطانيا وبولندا وإيطاليا والدنمارك وفنلندا وهولندا والنرويج والسويد، إضافة إلى رئيس المجلس الأوروبي أنطونيو كوستا ورئيسة المفوضية الأوروبية أورسولا فون دير لاين. لم يصدر في البداية أي تعليق من الجانب الأمريكي على البيان. غير أن مسؤولًا أمريكيًا رفيع المستوى كان قد صرّح بأن أي حزمة أمنية ستتضمن إجراءات للمراقبة ومنع التصعيد، بما يضمن شعور السكان الأوكرانيين بالأمان، مؤكدًا في الوقت ذاته أن نشر قوات برية أمريكية في أوكرانيا غير مطروح.
يجري منذ العام 2025 نقاش حول تشكيل قوة دولية لحماية أوكرانيا. كانت الولايات المتحدة قد استبعدت مؤخرًا مشاركتها في مثل هذه القوة، فيما قال الرئيس الأمريكي دونالد ترامب خلال العام 2025 إن بلاده مستعدة لدعم الحلفاء، على سبيل المثال من الجو. تضغط فرنسا وبريطانيا منذ مدة من أجل التحضير العملي لمثل هذه الخطوة، في حين أبدت ألمانيا تحفظًا أكبر، من جانبها، ترفض روسيا بشكل قاطع نشر قوات لمراقبة وقف إطلاق النار.
قوات أوكرانية قوامها 800 ألف جندي
يتضمن البيان الأوروبي تعهدًا بتقديم “دعم مستمر وكبير” للقوات المسلحة الأوكرانية، التي يُفترض أن يبلغ قوامها في زمن السلم نحو 800 ألف جندي. يمثل البيان خلاصة مفاوضات استمرت يومين في برلين، شارك فيها إلى جانب أبرز الحلفاء الأوروبيين لأوكرانيا والرئيس الأوكراني فولوديمير زيلينسكي، وفد أمريكي ترأسه المبعوث الخاص للحكومة الأمريكية ستيف ويتكوف. تركزت المحادثات على تطوير خطة سلام طرحتها الولايات المتحدة، من دون مشاركة روسية، ما يثير تساؤلات حول كيفية رد موسكو على نتائج محادثات برلين.
ما أبرز نتيجة للمحادثات؟
لم تُكشف تفاصيل جوهرية، إلا أن جميع الأطراف المشاركة وصفت المفاوضات علنًا بأنها تقدّم ملموس، لا سيما فيما يتعلق بالضمانات الأمنية لأوكرانيا في حال وقف إطلاق النار. أوضح المستشار ميرتس إن “ما وضعته الولايات المتحدة هنا في برلين من ضمانات قانونية ومادية على الطاولة أمر لافت فعلًا، وهو تقدم بالغ الأهمية”. أكد رئيس الوزراء البولندي دونالد توسك، وفق بيان، إنه سمع للمرة الأولى من المفاوضين الأمريكيين أن الولايات المتحدة مستعدة للالتزام بأمن أوكرانيا “بصيغة لا تترك أي شك لدى الروس في أن الرد الأمريكي سيكون ذا طابع عسكري إذا هاجموا أوكرانيا مجددًا”. أوضح الرئيس الأمريكي ترامب في واشنطن إن الأطراف باتت “أقرب من أي وقت مضى” إلى حل، مشيرًا إلى أنه أجرى محادثات مع الأوروبيين وزيلينسكي. أضاف ترامب: “يبدو أن الأمور تسير بشكل جيد”، قبل أن يستدرك قائلًا: “نقول ذلك منذ فترة طويلة، لكن القضية معقدة. يبدو أن زيلينسكي بات يتقبّل أن انضمام بلاده إلى حلف الناتو أمر غير واقعي، وينصبّ التركيز الآن على كيفية توفير ضمانة مساعدة من دول الحلف تشبه المادة الخامسة من ميثاق الناتو، التي تنص على اعتبار أي هجوم على دولة هجومًا على جميع الأعضاء، غير أن كيفية تطبيق ذلك عمليًا لا تزال غير واضحة.
تنازل أوكرانيا عن أراضٍ لصالح روسيا، لم يتحقق أي تقدّم؟
في القضية الأصعب المتعلقة بإمكانية تنازل أوكرانيا عن أراضٍ لصالح روسيا. فقد تحدث زيلينسكي عن استمرار “تباين المواقف” بين أطراف النزاع، معربًا عن أمله في أن تتمكن الولايات المتحدة، بصفتها وسيطًا، من التوصل إلى توافق. ورغم وجود أفكار للحل، فإن أي اختراق حقيقي لم يتحقق حتى بعد اجتماع برلين. من بين المطالب الروسية الأساسية لوقف إطلاق النار أن تتخلى أوكرانيا في إقليم دونيتسك عن مدن ذات أهمية استراتيجية للدفاع الوطني، لم تتمكن روسيا حتى الآن من السيطرة عليها. ورفض زيلينسكي هذه التنازلات لما وصفه بـ”الدولة المعتدية”، مشيرًا إلى أن الدستور الأوكراني لا يسمح بمثل هذه التنازلات.
ما الخطوة التالية؟ وما رد الفعل الروسي المتوقع؟
ستقوم الولايات المتحدة بنقل نتائج المحادثات إلى روسيا، التي لم تشارك في اجتماعات برلين. ولم يتضح بعد متى وكيف سيتم ذلك. أشار المسؤول الأمريكي إلى احتمال عقد اجتماع لمجموعات عمل وعسكريين خلال ديسمبر 2025 “ربما” في ميامي بولاية فلوريدا، من دون توضيح ما إذا كان الاجتماع أمريكيًا داخليًا أم سيضم أطرافًا أخرى. لم تصدر ردود رسمية من موسكو على تصريحات الأوروبيين والأمريكيين بشأن محادثاتهم مع زيلينسكي. غير أن الكرملين كان قد أعلن قبل بدء المفاوضات أنه لا يتوقع “الكثير من الأمور الجيدة” من الحلفاء الأوروبيين لأوكرانيا، معتبرًا أن مقترحات الاتحاد الأوروبي السابقة كانت غير مقبولة لروسيا. رفضت موسكو مرارًا نشر قوات من دول الناتو لمراقبة وقف إطلاق النار، محذّرة من أن قوات الحلف ستُعتبر أهدافًا عسكرية. قوبل اقتراح زيلينسكي إجراء استفتاء بشأن التنازلات الإقليمية التي تطالب بها روسيا، والذي يحظى بدعم أوروبي، برفض روسي. أكد المستشار السياسي للرئيس الروسي يوري أوشاكوف إن هذه المناطق تُعدّ “أراضي روسية”. كانت روسيا قد أعلنت ضم أقاليم دونيتسك ولوغانسك وزابوريجيا وخيرسون، لكنها لا تسيطر عليها بالكامل، كما أن هذا الضم غير معترف به دوليًا.
ما الذي يتعيّن على الأوروبيين حسمه؟
يواجه الأوروبيون الجزء الأصعب من القرارت تجاه روسيا، فمن المقرر أن يُتخذ 18 ديسمبر 2025 قرار بشأن استخدام الأصول السيادية الروسية المجمّدة في الاتحاد الأوروبي، والتي تُقدّر بنحو 185 مليار يورو. وتُعدّ هذه القضية بالغة الأهمية للاتحاد الأوروبي وأوكرانيا، وكذلك للمستشار ميرتس شخصيًا. تصدّر ميرتس معسكر المؤيدين لاستخدام هذه الأصول، معتبرًا ذلك أول اختبار حقيقي له كقائد أوروبي. شدّد ميرتس على أن القرار يمثل “سؤالًا محوريًا” للاتحاد الأوروبي، محذرًا من أن رفض الخطوة سيؤدي إلى “إلحاق ضرر بالغ بقدرة أوروبا على التحرك لسنوات”. بالنسبة لأوكرانيا، فإن رفض القرار يعني تراجع دعم الحلفاء تدريجيًا، في وقت لا يُبدي فيه الرئيس الأمريكي ترامب أي استعداد إضافي لتمويل الحرب. يراقب الرئيس الروسي فلاديمير بوتين القرار عن كثب. وقد حذّر الكرملين من عواقب بعيدة المدى لما وصفه بـ”السرقة”، ملوّحًا بإجراءات مضادة، ما قد يقوّض فرص التوصل إلى وقف لإطلاق النار من وجهة النظر الروسية.
هل يمكن التوصل إلى وقف لإطلاق النار قبل عيد الميلاد؟
من غير المرجح أن يتم التوصل إلى وقف إطلاق النار قبل عيد الميلاد، بسبب استمرار التوترات بين روسيا وأوكرانيا وتعقيد الوضع العسكري والسياسي على الأرض. ومع ذلك، يقول المستشار الألماني فريدريش ميرتس “ربما لا يزال لدى القيادة الروسية قدر من الحد الأدنى من الإنسانية، وتترك السكان يعيشون بضعة أيام بسلام خلال عيد الميلاد بعيدًا عن هذا الإرهاب”.
النتائج
تقدّم المفاوضات الأوروبية في برلين بشأن أوكرانيا مؤشرًا مهمًا على السعي لإيجاد تسوية للنزاع المستمر، رغم التعقيدات الكبيرة في الملف الأمني والسياسي. أبرز ما يميّز هذه الجولة من المباحثات هو الاتفاق على تشكيل قوة حماية أوروبية مدعومة أمريكيًا لتأمين أي وقف محتمل لإطلاق النار، مع التركيز على ضمانات أمنية للقوات الأوكرانية وحماية المجالين الجوي والبحري، بما يشمل عمليات محتملة داخل الأراضي الأوكرانية. هذا التوجه يعكس رغبة أوروبا والولايات المتحدة في لعب دور أكثر فاعلية في حفظ الاستقرار في أوكرانيا، حتى في غياب مشاركة روسية مباشرة في الحوار.
تبقى القضايا الجوهرية غير محلولة، وأبرزها إمكانية تنازل أوكرانيا عن أراضٍ لصالح روسيا، والتي تمثل نقطة حساسة لن يُسهل التوصل فيها إلى توافق. رفض الرئيس زيلينسكي التنازل عن أراضٍ استراتيجية يوضح التحدي الأساسي المتمثل في التوازن بين الضغوط الدولية وحقوق السيادة الوطنية، بما في ذلك الالتزام بالدستور الأوكراني. هذا الموقف يعكس أن الحلول العملية ستظل محدودة بدون تدخل روسي مباشر أو تعديل في موقف موسكو، ما يجعل أي وقف إطلاق نار طويل الأمد أو اتفاق سياسي مستدام أمرًا بعيد المنال في الوقت الحالي.
يوضح موقف الاتحاد الأوروبي والولايات المتحدة بشأن الدعم المستمر للقوات الأوكرانية، والتأكيد على حماية أمنها، مدى الجدية في تأمين التزامات طويلة الأمد، مع استخدام أدوات الضغط المالي والسياسي مثل الأصول الروسية المجمدة، والتي ستشكل اختبارًا حقيقيًا لقدرة أوروبا على ممارسة نفوذها. القرارات القادمة بشأن هذه الأصول ستكون حاسمة، ليس فقط لدعم أوكرانيا، بل أيضًا لتحديد مكانة الاتحاد الأوروبي كفاعل دولي قادر على اتخاذ قرارات استراتيجية مستقلة.
السيناريو الأقرب هو استمرار النزاع بوتيرة منخفضة أو متقطعة خلال فترة الأعياد، مع احتمالية تجميد الأعمال العدائية مؤقتًا، كما اقترح المستشار ميرتس. ومع ذلك، لا يبدو أن وقف إطلاق النار المستدام أو تسوية سياسية شاملة قابلة للتحقيق على المدى القصير، خصوصًا في ظل التباينات العميقة بين مواقف الأطراف، والتعقيدات العسكرية والسياسية على الأرض.
احتمال توسيع دور أوروبا والولايات المتحدة في حماية أوكرانيا من خلال قوة متعددة الجنسيات، إذا تم تطبيقها، قد يرسّخ وجودًا أمنيًا أوسع في المنطقة ويعطي دفعة لاستقرار مؤقت، لكنه قد يفاقم التوترات مع روسيا، ويزيد من احتمالات الرد العسكري أو الدبلوماسي المضاد من جانبها. باختصار، التحدي الرئيسي يكمن في الموازنة بين تقديم دعم حقيقي لأوكرانيا، والحفاظ على استقرار المنطقة دون تصعيد غير محسوب، مع التركيز على الحلول الدبلوماسية الجزئية والضغوط الاقتصادية والسياسية المستمرة.
رابط مختصر.. https://www.europarabct.com/?p=112837
