خاص ـ المركز الأوروبي لدراسات مكافحة الإرهاب والاستخبارات ـ ألمانيا وهولندا ECCI
الأمن الدولي ـ ما هي خيارات أوروبا للتأثير على المفاوضات السلام في أوكرانيا؟
من الضمانات الأمنية إلى الأموال الحكومية المجمدة، يبحث الاتحاد الأوروبي عن طرق لإبداء رأيه في المفاوضات بشأن مستقبل أوكرانيا في حين تستمر القرارات الرئيسية في اتخاذها بين واشنطن وكييف وموسكو. دعا أعضاء “تحالف الراغبين” في أوكرانيا إلى مزيد من الوحدة عبر الأطلسي في الوقت الذي يحاول فيه الأوروبيون ممارسة نفوذ أكبر على محادثات السلام مع موسكو، بينما تزيد واشنطن الضغط من أجل التوصل إلى اتفاق سريع”. يقول الرئيس الأوكراني فولوديمير زيلينسكي بعد الاجتماع الافتراضي الذي حضره 34 دولة معظمها أوروبية “نحن نعمل على ضمان أن تتضمن الضمانات الأمنية عناصر جدية للردع الأوروبي وأن تكون موثوقة، ومن المهم أن تقف الولايات المتحدة إلى جانبنا وتدعم هذه الجهود
أكد زيلينسكي إنه أجرى “مناقشة بناءة ومفصلة مع الفريق الأمريكي”، الذي ضم وزير الخارجية ماركو روبيو، ووزير الدفاع بيت هيجسيث، والجنرالين كين وجرينكويتش، وجوش جرينباوم من دائرة الاستحواذ الفيدرالية، والذي تناول مسألة الضمانات الأمنية. كتب على موقع X: “تُعدّ الضمانات الأمنية من أهم العناصر الأساسية لجميع الخطوات اللاحقة”، مضيفًا: “تم الاتفاق على أن تعمل الفرق بجدّ لضمان فهم واضح للضمانات الأمنية في المستقبل القريب. شكرًا لكل من يُساعد في هذا الأمر!”.
أعرب رؤساء دول وحكومات أوروبية آخرون حضروا الاجتماع عن دعمهم لأوكرانيا على وسائل التواصل الاجتماعي، مؤكدين على ضرورة الوحدة عبر الأطلسي وضرورة مواصلة الضغط على روسيا. أوضح الرئيس الأمريكي دونالد ترامب أنه يتوقع من الحلفاء الأوروبيين تحمل العبء الأكبر من الضمانات الأمنية. وقد أعلنت 26 دولة استعدادها لتقديم المعدات والدعم بعد انتهاء النزاع. كما أن فرنسا والمملكة المتحدة، اللتان تترأسان تحالف الراغبين، مستعدتان أيضاً للمشاركة في ما يُسمى بقوة الردع. ومع ذلك، فإن العديد من الخطط تعتمد على الدعم من الولايات المتحدة الأمريكية، وخاصة في شكل الدفاع الجوي وتبادل المعلومات.
خيارات قليلة متبقية متاحة للأوروبيين للتأثير على المفاوضات
من بين الخيارات القليلة المتبقية المتاحة للأوروبيين للتأثير على المفاوضات، والتي استُبعدوا منها إلى حد كبير حتى الآن، مسألة الأموال الروسية المجمدة داخل أراضيهم، والتي تُقدر بنحو 210 مليارات يورو. وتهدف هذه الأموال إلى تمويل الاحتياجات المالية لأوكرانيا خلال العامين 2026 و2027.خلال العام 2025، ناقش رؤساء دول وحكومات الاتحاد الأوروبي شرعية ما يُسمى بقرض التعويضات. وقد رفضت بلجيكا، التي تُحتفظ فيها غالبية الأصول، الاقتراح حتى ديسمبر 2025، خشيةً من إجراءات انتقامية محتملة من روسيا، ولما تعتبره بلجيكا توزيعًا غير عادل للأعباء. يتعين على الدول الأعضاء في الاتحاد الأوروبي التوصل إلى قرار في قمتها في ديسمبر 2025.
إلا أن عقبة رئيسية قد تم تجاوزها، حيث وافقت الدول الأعضاء على تجميد الأصول لأجل غير مسمى. يهدف هذا الإجراء إلى منع الإفراج عنها مستقبلاً عبر حق النقض (الفيتو) من قبل أي دولة عضو، وضمان بقاء السيطرة في يد الاتحاد الأوروبي، لا سيما بعد أن أبدت الولايات المتحدة رغبتها في إدراج هذه الأموال في أي اتفاق مستقبلي محتمل مع موسكو. تقول رئيسة المفوضية الأوروبية أورسولا فون دير لاين بعد حضورها اجتماع “تحالف الراغبين”.”لقد أبلغت رؤساء الدول والحكومات بعملنا لتأمين التمويل لأوكرانيا لعامي 2026 و2027″. وكتبت لاحقاً على موقع X: “مقترحاتنا مطروحة، والجميع يدرك مدى إلحاح الأمر. الأسبوع المقبل سيكون حاسماً”.
اجتماع محتمل بين أوروبا وأوكرانيا والولايات المتحدة الأمريكية
عُقد الاجتماع بعد مكالمة هاتفية بين الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون، والمستشار الألماني فريدريش ميرز، ورئيس الوزراء البريطاني كير ستارمر، والرئيس الأمريكي دونالد ترامب. وناقشوا آخر التطورات في محادثات السلام، عقب اجتماع عُقد في لندن بين القادة الأوروبيين والرئيس الأوكراني فولوديمير زيلينسكي. صرّح ميرز بعد اجتماعه مع الأمين العام لحلف الناتو، روته، في المستشارية . “السؤال المحوري هو ما هي التنازلات الإقليمية التي تستعد أوكرانيا لتقديمها. يجب أن يجيب على هذا السؤال بالدرجة الأولى الرئيس الأوكراني والشعب الأوكراني. وقد أوضحنا هذا الأمر للرئيس ترامب”. أضاف ميرز: “إذا مضينا قدماً في هذه العملية كما نتصور، فستُعقد محادثات مع الحكومة الأمريكية. ويمكن بعد ذلك عقد اجتماع هنا في برلين سواء بمشاركة الحكومة الأمريكية أو بدونها، يعتمد ذلك إلى حد كبير على الصياغة المشتركة للوثائق التي يجري إعدادها”.
أعلن وزير الخارجية يوهان فاديفول في مؤتمر في السابق، أن الخطة الأصلية المكونة من 28 نقطة، والتي وضعتها واشنطن وموسكو والتي انحازت بشدة إلى روسيا من بين أمور أخرى من خلال مطالبة أوكرانيا بالتنازل عن دونباس بأكملها “لم تعد موجودة”. أوضح واديفول: “كان لنا بعض التأثير في ذلك. هناك الآن خطة جديدة من عشرين بنداً، وقد تغيرت بشكل كبير. هل نحتاج إلى العمل بشكل أوثق مع الولايات المتحدة مما كنا عليه سابقاً؟ نعم. هل من الممكن إيجاد أرضية مشتركة؟ نعم.”
النتائج
يكشف المسار التفاوضي حول مستقبل أوكرانيا في ضوء المعطيات السياسية عن مرحلة حساسة تتقاطع فيها الحسابات الأوروبية مع الضغوط الأمريكية والتهديد الروسي، الأمر الذي يجعل قراءة المشهد وتقييمه ضرورة لفهم ما قد يتجه إليه ميزان القوى.
أول ما يبرز في هذا السياق هو ضعف النفوذ الأوروبي المباشر داخل مسار المفاوضات. فبرغم الاجتماعات المكثفة لـ”تحالف الراغبين” ومحاولات باريس ولندن وبرلين لعب أدوار أكثر فعالية، ما تزال القرارات الجوهرية تُحسم بين واشنطن وكييف وموسكو. هذا التهميش الهيكلي يدفع الأوروبيين للبحث عن أدوات تأثير بديلة، أبرزها ملف الأموال الروسية المجمدة التي باتت أحد آخر الأوراق المتاحة لهم. إذ يُقدّر حجم هذه الأموال بحوالي 210 مليارات يورو، وقد تحوّلت إلى أداة مالية وسياسية يمكن عبرها دعم كييف وممارسة ضغط غير مباشر على موسكو. تجاوز عقبة تجميد الأصول لأجل غير مسمى يمثل خطوة نوعية، لأنها تمنح الأوروبيين قدرة تفاوضية أكبر وتمنع أي تراجع محتمل داخل الاتحاد مستقبلاً.
تكشف الانقسامات الأوروبية خصوصًا الموقف البلجيكي المتحفظ خشية الانتقام الروسي وتوزيع الأعباء هشاشة الموقف الجماعي. فالقدرة على توظيف الأموال المجمدة ستكون عمليًا رهن نجاح الدول الأعضاء في صياغة قرار موحّد خلال قمة ديسمبر 2025. إن عجز الاتحاد عن تقديم جبهة مالية وسياسية متماسكة قد يقوّض ما تبقى من أدواته المحدودة.
يبدو أن واشنطن، تحت إدارة ترامب، تدفع نحو اتفاق سريع، وتحمّل الأوروبيين جزءًا أكبر من مسؤوليات الضمانات الأمنية. وبينما تظهر عدة دول استعدادها لتقديم دعم عسكري وهيكلي ما بعد النزاع، تبقى هذه الجهود معتمدة بشكل كبير على القدرات الأمريكية، خصوصًا في الدفاع الجوي والاستخبارات. هذا الاعتماد يعيد إنتاج معادلة “الأمن تحت المظلة الأمريكية”، ما يحدّ من استقلال القرار الأوروبي.
أما على صعيد المفاوضات نفسها، فقد مثّلت إعادة صياغة الخطة الأمريكية الروسية من 28 بندًا إلى 20 بندًا مؤشرًا على قبول واشنطن بمزيد من المرونة، واستجابة لضغوط أوروبية من خلف الستار. ومع أن القضية الأكثر حساسية التنازلات الإقليمية تبقى مسؤولية أوكرانيا أولًا، إلا أن وجود محادثات ثلاثية محتملة في برلين يشير إلى محاولة الأوروبيين تثبيت موطئ قدم داخل عملية السلام.
من المتوقع أن يشهد العام 2026 سباقًا بين أمرين: قدرة الاتحاد الأوروبي على تحويل أدواته المالية والسياسية إلى نفوذ فعلي، وقدرة الولايات المتحدة على صياغة اتفاق يوازن بين مصالح كييف وموسكو دون إقصاء الأوروبيين. إن فشل أوروبا في تحقيق وحدة داخلية قد يجعل دورها هامشيًا في مرحلة ما بعد الحرب، بينما نجاحها في توظيف الأموال المجمدة وتقديم ضمانات أمنية واضحة قد يمنحها لأول مرة موقعًا مؤثرًا في صياغة النظام الأمني شرق القارة.
رابط مختصر.. https://www.europarabct.com/?p=112678
