خاص ـ المركز الأوروبي لدراسات مكافحة الإرهاب والاستخبارات ـ ألمانيا وهولندا ECCI
الأمن الدولي ـ ما هو دور ألمانيا في التحولات السياسية الدولية؟
مع اضطرابات السياسة الخارجية، وانقطاع التيار الكهربائي في برلين، وإعادة تنظيم رفيعة المستوى للموظفين في المستشارية، يبدو أن عام 2026 سيشهد بداية صعبة بالنسبة للمستشار الألماني فريدريش ميرز. بينما كان الألمان يتساءلون كيف يمكن أن يبقى حوالي 100 ألف شخص في برلين بدون كهرباء وتدفئة لعدة أيام بعد هجوم على إمدادات الطاقة، كان المستشار فريدريش ميرز مشغولًا بالأزمات الدولية. تعرض ميرز لضغوط في أعقاب التدخل الأمريكي في فنزويلا. وكان رد فعله على اعتقال الرئيس الفنزويلي السابق نيكولاس مادورو على يد الجيش الأمريكي متحفظًا وغامضًا إلى حد ما. ووصف المستشار الألماني الوضع بأنه “معقد”، حتى من الناحية القانونية، وأن الحكومة الألمانية ستدرسه بعناية.
أوكرانيا هي محور التركيز الرئيسي لألمانيا
لم يذكر المستشار أو المتحدثون باسمه عبارة “انتهاك القانون الدولي”، لقد ترك ذلك لسياسيي المعارضة والأكاديميين، فبالنسبة لميرز، أوكرانيا هي محور التركيز الرئيسي. كان معظم المراقبين على يقين من أن الحكومة الألمانية والمستشار نفسه كانا حذرين للغاية بشأن قضية فنزويلا من أجل تحقيق اتفاق سلام عادل قدر الإمكان في أوكرانيا، بما في ذلك الضمانات الأمنية من الغرب، والتي يصعب الحصول عليها بدون الولايات المتحدة.
سلطت كبيرة مراسلي دويتشه فيله، ميكايلا كوفنر، الضوء على تصريح الرئيس الاتحادي فرانك فالتر شتاينماير عقب التدخل الأمريكي في فنزويلا، قائلةً: “بصفته غير مسيس، يستطيع الرئيس الاتحادي أن يتحدث عن فنزويلا باعتبارها وكرًا دوليًا للصوص. لكن على ميرز أن يضمن أن لألمانيا، ولأوروبا عمومًا، صوتًا مسموعًا في ساحة السياسة الواقعية”. وأضافت: “أن هذا التوازن الدقيق ربما يمثل التحدي الأكبر في فترة توليه منصب المستشار”. في مؤتمر حول أوكرانيا في باريس خلال يناير 2026، أشار ميرز إلى أن الجنود الألمان يمكنهم على الأقل المشاركة بشكل غير مباشر في مفهوم أمني لأوكرانيا “بعد وقف إطلاق النار”، على سبيل المثال من خلال دعم وحدات الناتو في بولندا. خلال الاجتماع، أعلنت فرنسا والمملكة المتحدة أنهما ستشاركان بإرسال جنود إلى أوكرانيا.
في ظل هذه الظروف، بدا أن ميرز لا يرغب في إثارة غضب الرئيس الأمريكي أكثر. أوضح المستشار الألماني: “ستواصل ألمانيا المساهمة سياسيًا وماليًا وعسكريًا. وقد يشمل ذلك، على سبيل المثال، نشر قوات في أوكرانيا على أراضي الناتو المجاورة بعد وقف إطلاق النار”. أضاف ميرز قائلًا: “أنه بمجرد الاتفاق على قوة مراقبة مدعومة من الولايات المتحدة، فإن الحكومة والبرلمان الألمانيين سيقرران طبيعة ومدى المساهمة الألمانية”.
غرينلاند والنهاية المحتملة لحلف الناتو
جدد الرئيس الأمريكي دونالد ترامب تهديده بضم غرينلاند إلى الولايات المتحدة. غرينلاند تابعة للدنمارك، لكنها تتمتع بحكم ذاتي واسع النطاق. وكما أشارت رئيسة وزراء الدنمارك ميتي فريدريكسن، فإن أي هجوم من دولة عضو في حلف الناتو على دولة أخرى سيؤدي إلى انهيار التحالف الدفاعي. أصدرت سبع دول من الاتحاد الأوروبي، من بينها ألمانيا، بيانًا جاء فيه: “الأمر متروك بالكامل للدنمارك وغرينلاند لاتخاذ القرارات المتعلقة بهما”. إلا أن كبار السياسيين الأمريكيين ينظرون إلى الأمور بشكل مختلف تمامًا.
يعتقد العديد من المراقبين أن ميرز، بانشغاله الشديد بالسياسة الخارجية، أغفل قضايا السياسة الداخلية. على الرغم من النفوذ القوي الذي يتمتع به ميرز في العديد من المجالات، إلا أن الاستياء من أداء حكومته يتزايد بشكل ملحوظ بعد أقل من عام على توليها السلطة. ففي أحدث استطلاع رأي أجرته قناة ARD Deutschlandtrend، أعرب 24% فقط من المشاركين عن رضاهم عن أداء فريدريش ميرز.
النتائج
تكشف التطورات عن بداية مرحلة مضطربة في السياسة الألمانية، حيث تتقاطع الأزمات الخارجية مع التحديات الداخلية في وقت مبكر من ولايته. فتركيز المستشار على الملفات الدولية، من أوكرانيا إلى فنزويلا وغرينلاند، يعكس إدراكًا بأن مستقبل ألمانيا الأمني بات مرتبطًا بشكل مباشر بإعادة تشكيل التوازنات العالمية. غير أن هذا الانخراط الخارجي المكثف يأتي على حساب الاهتمام بالقضايا الداخلية، في لحظة يواجه فيها الاقتصاد الألماني تباطؤًا واضحًا واستياءً شعبيًا متزايدًا.
من المتوقع أن يظل ملف أوكرانيا محور اختبار حقيقي لقدرة ميرز على الموازنة بين متطلبات الشراكة مع الولايات المتحدة ورغبة أوروبا في لعب دور مستقل. فإذا مضت واشنطن في سياسات أكثر أحادية، سيجد ميرز نفسه مضطرًا إلى تعزيز التنسيق الأوروبي الدفاعي، وهو مسار قد يسرّع خطوات بناء قدرات عسكرية أوروبية مشتركة، لكنه يثير في الوقت ذاته مخاوف داخلية من الانجرار إلى مواجهة مباشرة مع روسيا.
أما أزمة غرينلاند، وإن بدت بعيدة جغرافيًا، فهي تمس جوهر تماسك الناتو. فمن المحتمل أن أي تصعيد أمريكي تجاه الدنمارك سيضع ألمانيا أمام خيار صعب بين التضامن الأطلسي التقليدي والدفاع عن وحدة الموقف الأوروبي. هذا التناقض قد يتحول إلى أحد أكبر اختبارات السياسة الخارجية الألمانية خلال السنوات المقبلة.
يبدو أن عام 2026 قد يشكل نقطة مفصلية: إما أن ينجح ميرز في تحويل الأزمات إلى فرصة لإعادة تموضع ألمانيا كقوة قيادية أوروبية، أو أن تتفاقم الضغوط الخارجية والداخلية بما يضعف حكومته ويعيد رسم الخريطة السياسية الألمانية.
رابط مختصر. https://www.europarabct.com/?p=113525
