خاص ـ المركز الأوروبي لدراسات مكافحة الإرهاب والاستخبارات، ألمانيا وهولندا ECCI
الأمن الدولي ـ ما دور ألمانيا في إعادة تشكيل أمن أوكرانيا؟
في خطوة جديدة تؤكد استمرار التزام الولايات المتحدة وحلفائها الأوروبيين بدعم أوكرانيا في مواجهة العدوان الروسي، أفادت صحيفة فاينانشال تايمز بأن واشنطن تعتزم المشاركة في تقديم ضمانات أمنية لأوكرانيا بمجرد التوصل إلى اتفاق سلام. تأتي هذه الخطوة في سياق مشاورات متواصلة بين مسؤولين أمريكيين وأوروبيين وأوكرانيين، حيث نُقل عن أربعة مسؤولين تأكيدهم استعداد الولايات المتحدة لتوفير حزمة متكاملة من وسائل الدعم الأمني، تشمل الدفاع الجوي والاستخبارات والمراقبة والاستطلاع.
أبرز بنود الإستراتيجية الأمنية في أوكرانيا
يُعتبر هذا التوجه جزءًا من إستراتيجية متعددة الأبعاد تهدف إلى تأمين الأراضي الأوكرانية، وضمان عدم تجدد الهجمات الروسية بعد التوصل إلى تسوية سلمية. ومن أبرز بنود هذه الإستراتيجية، إنشاء منطقة منزوعة السلاح على خط المواجهة، تكون تحت مراقبة قوات حفظ سلام محايدة، ما يعكس الحرص على ضمان حياد الجهة المراقِبة واستقرار الوضع الأمني على الحدود.
ووفقًا للتقرير، فإن المنطقة الفاصلة ستكون بمثابة خط الدفاع الأول، بينما تتولى القوات الأوكرانية، التي ستكون مدربة ومجهزة بدعم من حلف شمال الأطلسي الدفاع عن الخطوط الخلفية. تُعد هذه القوات بمثابة خط الدفاع الثاني، وهي مزودة بأحدث المعدات العسكرية وتخضع لتدريبات مستمرة تهدف إلى تعزيز قدراتها الدفاعية والهجومية.
أما خط الدفاع الثالث، فسيتمثل في قوة ردع بقيادة أوروبية، متمركزة في عمق الأراضي الأوكرانية. وستحظى هذه القوة بدعم أمريكي نوعي، يشمل خدمات لوجستية، ورادارات أرضية متطورة، ونظم قيادة وتحكم، إضافة إلى المراقبة عبر الأقمار الصناعية.
من اللافت أن الولايات المتحدة لا تنوي نشر قوات قتالية على الأرض الأوكرانية، بل تفضل الاكتفاء بالدعم التقني والاستطلاعي، ما يعكس مقاربة حذرة لواشنطن، تستند إلى تجنب الانخراط المباشر في النزاع المسلح، مع الحفاظ على التأثير الاستراتيجي.
التزامات الحلفاء حاسم في تعزيز القدرة على التفاوض
دعا الرئيس الأوكراني فولوديمير زيلينسكي إلى “تكثيف” العمل على هذه الضمانات الأمنية، مطالبًا بتوضيحات عاجلة لتسريع وتيرة تنفيذها. واعتبر زيلينسكي أن توضيح التزامات الحلفاء، خصوصًا الولايات المتحدة، هو عامل حاسم في دعم المعنويات الداخلية وتعزيز القدرة على التفاوض من موقع قوة. في المقابل، صرّح الرئيس الأمريكي دونالد ترامب: “أن أي ضمانات أمنية ملموسة لم تُناقش بعد بشكل نهائي”. لكنه أشار إلى: “أن ممثلي إدارته عقدوا اجتماعات مع شركاء أوروبيين، حيث تم توضيح بعض التفاصيل الأساسية المتعلقة بهذه الضمانات”.
برلين تستعد لتحمل مسؤولية أكبر
يبدو أن أوروبا تستعد لتحمل مسؤولية أكبر في إطار هذا الترتيب الأمني. فقد صرّح نائب المستشار الألماني: “أن برلين ستكون طرفًا فاعلًا في توفير الضمانات الأمنية لأوكرانيا. وأكد نائب المستشار: “أن ألمانيا لا تنوي التراجع عن مسؤولياتها الدولية، لكنها لم تُحدد بعد ما إذا كان ذلك سيشمل نشر قوات ألمانية على الأراضي الأوكرانية. كما أكد: “أن “ألمانيا أثبتت أنها شريك موثوق”، مشيرًا إلى: “أن برلين تسعى إلى لعب دور قيادي في الملف الأوكراني، وهو ما يُعد تطورًا لافتًا في السياسة الدفاعية الألمانية التي اتسمت تاريخيًا بالحذر في الانخراط العسكري المباشر خارج حدودها.
وفي السياق الأوسع، تواصل الحرب الروسية على أوكرانيا عامها الرابع، وسط تصعيد مستمر وتدهور الأوضاع الإنسانية والاقتصادية. ورغم محاولات الوساطة السياسية، خصوصًا من قبل إدارة ترامب، فإن الفجوة بين موسكو وكييف ما تزال واسعة. وأشار ترامب إلى أن عقد لقاء مباشر بينه وبين الرئيس الروسي فلاديمير بوتين من جهة، والرئيس الأوكراني زيلينسكي من جهة أخرى، يبدو غير مرجّح في الوقت الراهن، خاصة في ظل ما وصفه بـ”كراهية بوتين العميقة لزيلينسكي”، وهو عامل يعقّد أي حوار مباشر أو تقدم في المحادثات.
تبقى الضمانات الأمنية المستقبلية مرهونة ليس فقط بتطورات المعركة على الأرض، ولكن بحسابات سياسية دقيقة داخل الولايات المتحدة وأوروبا، حيث تتأثر القرارات بمواقف داخلية، وضغوط انتخابية، وتوازنات جيوسياسية متغيرة.
النتائج
التحرك الأمريكي والأوروبي لتقديم ضمانات أمنية شاملة لأوكرانيا يشير إلى تحوّل نوعي في مقاربة ما بعد الحرب. فالهدف لا يقتصر على إنهاء الحرب، بل يشمل منع تجدده وتعزيز قدرة كييف على الدفاع الذاتي.
مع ذلك، تبرز عدة تحديات: أولها، صعوبة التوصل إلى اتفاق سلام مقبول لدى الطرفين، خاصة في ظل تصلب المواقف الروسية. ثانيًا، مسألة نشر قوات حفظ السلام وقيادة الردع الأوروبي ستكون رهينة للتوافقات الدولية، وقد تُقابل برفض روسي أو تهديد بالتصعيد. ثالثًا، الدور الأمريكي مرهون بالانتخابات المقبلة، حيث قد تؤدي عودة إدارة ديمقراطية إلى نهج مغاير تمامًا عن توجهات ترامب الحالية.
في المقابل، يُمكن أن يشكّل المشروع الأمني المشترك خطوة أولى نحو تعزيز البنية الأمنية الأوروبية، على غرار نموذج “الناتو” الذي يحمي دولًا غير أعضاء رسميين.
إذا ما تم تنفيذه، فقد يُمهّد الطريق لانضمام أوكرانيا تدريجيًا إلى الحلف الأطلسي، أو بناء نظام ردع خاص بها بدعم غربي، ما سيعيد تشكيل الخارطة الأمنية لأوروبا الشرقية لعقود مقبلة.
رابط مختصر.. https://www.europarabct.com/?p=108297
