خاص ـ المركز الأوروبي لدراسات مكافحة الإرهاب والاستخبارات ـ ألمانيا وهولندا ECCI
الأمن الدولي ـ ما حدود الدور الأوروبي في مفاوضات إسرائيل وحماس؟
لم يكن وزير الخارجية الألماني يوهان فادفول يرغب في زيارة الشرق الأوسط إلا لمدة يومين تقريبًا، إلى قطر والكويت. ثم توالت الأخبار عن وعد حركة حماس بإطلاق سراح جميع الرهائن الإسرائيليين. كان هذا ردًا على خطة دونالد ترامب للسلام، وبعد أن منحها الرئيس الأمريكي مهلة للامتثال. وفجأة، وجد فادفول نفسه في خضم صراع السلام بين إسرائيل والفلسطينيين.
تجربةٌ مُكررةٌ لوزير الخارجية الألماني
حتى خلال رحلته الرئيسية الأولى إلى الشرق الأوسط في يونيو 2025، فوجئ فادفول، بالأحداث العالمية. فبعد الهجوم الإسرائيلي على المنشآت النووية الإيرانية، لم يتمكن من زيارة إسرائيل ولبنان وسوريا كما كان مُخططًا له. حتى في ذلك الوقت، كان من الواضح أن كبير الدبلوماسيين الألمان كان مُنشغلًا بالفعل، لكن الأحداث كانت تُحددها عوامل أخرى. والأمر نفسه ينطبق الآن، في أكتوبر 2025.
دبلوماسية في الصمت وعلى الهامش
يصمم فادفول على إبراز تأثير ألمانيا وأوروبا على التقدم في الشرق الأوسط، خاصةً بعد استقالة رئيس الوزراء الفرنسي سيباستيان ليكورنو يوم الاثنين. وبالتالي، تنشغل باريس بنفسها. وهكذا، وصل وزير الخارجية الألماني إلى إسرائيل في السادس من أكتوبر 2025، التقى فادفول بنظيره الإسرائيلي جدعون ساعر. كانت علاقة فادفول به جيدة. ولكن هل ينطبق هذا على الحكومة الإسرائيلية بأكملها؟. سألت مراسلة DW جوليا سوديلي، وزير الخارجية عن تقييمه لتصريحات رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو قبل الزيارة بأن أوروبا “غير ذات صلة” بالمفاوضات المقبلة. ردّ فادفول قائلًا: “أن هذا ليس صحيحًا بالتأكيد، كان نتنياهو ينظر على الأرجح إلى دول أوروبية مثل فرنسا وبريطانيا العظمى، التي اعترفت مؤخرًا بدولة فلسطينية”. لم تفعل ألمانيا ذلك، وتأمل في مزيد من المرونة.
علّقت جوليا سوديلي قائلةً: “أشعر أن ألمانيا وأوروبا تتمسكان بفكرة الاستماع إلى جميع الأطراف المعنية، متجاهلتين الوضع، إن صح التعبير. يعرضون مساعدتهم، لكنهم يعلمون أنهم لا يتواصلون مباشرةً مع المفاوضين في هذا الشأن”. مع ذلك، يحاول فادفول التأثير على شركائه الإسرائيليين. ففي بيان صحفي، أشار إلى المعاناة التي لا تنتهي لسكان قطاع غزة. أوضح: “كل طفل ميت، كل شخص ميت، هو عبء كبير”. لهذا السبب رفعت الحكومة الألمانية صوتها التحذيري، لكن عمومًا، إسرائيل تعلم أن ألمانيا تقف إلى جانبها.
الأيام الحاسمة وخطر الفشل
خلال محادثاته في قطر، تكوّن لدى فادفول انطباعٌ بأنّ أكتوبر 2025 سيكون حاسمًا في نجاح أو فشل خطة السلام. تُعتبر الحكومة القطرية مشاركًا رئيسيًا في المحادثات، وهي على اتصال مباشر بقيادة حماس. صرّح فادفول بعد اجتماعه مع وزير الخارجية القطري الشيخ محمد آل ثاني: :أنّ خطة ترامب للسلام تُتيح فرصةً واقعية لوقف إطلاق النار، والإفراج عن جميع الرهائن، وتقديم مساعدات إنسانية قيّمة لسكان قطاع غزة المُعانين”. مضيفًا: “مع ذلك، لا يزال أمامنا جميعًا طريقٌ تفاوضيٌّ شاقٌّ”. ودعا فادفول جميع الأطراف إلى “اتخاذ خطوةٍ حاسمةٍ نحو السلام والتفاهم هنا في المنطقة”. إلا أن فادفول أكد: “أن إشارة حماس إلى استعدادها للحوار بمفردها لا تعني بالضرورة نجاح الخطة”.
ميرز يتحدث مع ترامب ونتنياهو
بادر المستشار فريدريش ميرز بإجراء محادثات هاتفية مع رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو والرئيس الأمريكي ترامب. وبعد ذلك، أصدر المكتب الصحفي الاتحادي بيانًا موجزًا جاء فيه: “بعد مرور ما يقرب من عامين على الهجوم في 7 أكتوبر/تشرين الأول 2023، تُمثل هذه الخطة أفضل فرصة لتحرير الرهائن وتحقيق السلام في غزة”. ورحّب المستشار بدعم إسرائيل للخطة، مؤكدًا: “أن الانسحاب المعلن للقوات الإسرائيلية من غزة يُعد خطوة في الاتجاه الصحيح”.
النتائج
تُسلّط زيارة وزير الخارجية الألماني يوهان فادفول للشرق الأوسط الضوء على الدور المعقد والمتواضع الذي تلعبه ألمانيا وأوروبا في جهود السلام بين إسرائيل والفلسطينيين، في لحظة إقليمية حساسة تتسم بالتحولات السريعة والانقسامات الداخلية بين الفاعلين الدوليين. فادفول، الذي وجد نفسه مجددًا وسط أزمة غير متوقعة، يحاول أن يُثبت أن برلين ما زالت شريكًا موثوقًا وقادرًا على التأثير، حتى وإن بدا أن اللاعبين الأساسيين ـ كواشنطن وتل أبيب والدوحة ـ هم من يُملي الخطوات الحاسمة.
إن أداء فادفول اتسم بالهدوء والدبلوماسية الحذرة، إذ حاول الموازنة بين التعبير عن التضامن التقليدي مع إسرائيل وبين إبداء القلق الإنساني حيال الوضع في غزة. غير أن تصريحاته تكشف حدود السياسة الألمانية، التي تحاول الحفاظ على موقعها الأخلاقي دون أن تُخاطر بعلاقتها مع إسرائيل. وفي الوقت نفسه، فإن تحفظ ألمانيا عن الاعتراف بدولة فلسطينية يُضعف من قدرتها على الظهور كوسيط محايد أو مبادر في العملية السياسية.
زيارة فادفول عكست هشاشة الدور الأوروبي في الشرق الأوسط، لا سيما في ظل فراغ مؤقت في القيادة الفرنسية بعد استقالة ليكورنو، ما يضع برلين في موقع القيادة الأوروبية، لكنه لا يعفيها من التحديات. تصريحات نتنياهو بأن أوروبا “غير ذات صلة” تعكس إدراكًا إسرائيليًا لتراجع الوزن السياسي للاتحاد الأوروبي في مفاوضات السلام، وهو ما عقّد مهمة فادفول وجعلها دفاعية أكثر منها هجومًا دبلوماسيًا.
أن نجاح خطة ترامب،ـ رغم ما يحيط بها من تحفظات دولية سيتوقف بدرجة كبيرة على قدرة الولايات المتحدة على ضمان التزام إسرائيل وحماس بشروط متبادلة. دعم المستشار ميرز الصريح للخطة وتأكيده على أنها “أفضل فرصة لتحرير الرهائن وتحقيق السلام” يدل على اصطفاف ألماني واضح خلف الرؤية الأمريكية، بما قد يُكسب برلين دورًا أكثر فاعلية في المرحلة القادمة.
المستقبل لا يزال محفوفًا بالمخاطر. تصريحات فادفول بأن “إشارة حماس إلى استعدادها للحوار لا تعني نجاح الخطة” تُظهر وعيًا بالتحديات المحتملة، خاصة أن الطرفين (إسرائيل وحماس) يواجهان ضغوطًا تمنعهما من تقديم تنازلات كبيرة. يُتوقع أن تظل ألمانيا لاعبًا داعمًا ومرافقًا، أكثر من كونها صانعًا للسلام، لكنها قد تستفيد من اللحظة لتعزيز مكانتها الإقليمية، خاصة إذا واصلت التنسيق مع قطر وواشنطن. في المجمل، يمكن القول إن ألمانيا تحاول بجدية ملء فراغ دبلوماسي في لحظة حرجة، لكنها تحتاج إلى أدوات ضغط وتأثير أكبر إن أرادت أن تتحول من متفرج إلى شريك فعلي في صناعة السلام.
رابط مختصر.. https://www.europarabct.com/?p=110379
