المركز الأوروبي لدراسات مكافحة الإرهاب والاستخبارات ـ ألمانيا وهولندا ECCI
الأمن الدولي ـ ما تداعيات التحولات الجيوسياسية على السياسة الخارجية الألمانية؟
يشهد النظام الدولي تحولات متسارعة دفعت الحكومة الألمانية إلى التحذير من تراجع النظام العالمي القائم على القواعد، في ظل تصاعد الأزمات الجيوسياسية والتنافس بين القوى الكبرى. ترى ألمانيا أن مواجهة هذه التحديات تتطلب تعزيز التعاون متعدد الأطراف، والحفاظ على دور الأمم المتحدة، وتوسيع الشراكات الدولية لضمان الاستقرار والأمن الدوليين.
مخاوف ألمانية من فوضى عالمية جديدة
أعرب فرانك فالتر شتاينماير الرئيس الألماني في 29 يونيو من العام 2026 عن مخاوفه من “فوضى عالمية جديدة”، ودعا إلى مزيد من التعاون العالمي. أكد الرئيس الألماني خلال افتتاح مؤتمر هامبورغ الدولي للاستدامة (Hamburg Sustainability Conference – HSC): “إن سياسة القوة المجردة، والتفكير القائم على المكاسب الصفرية، والمواجهة، تحل للأسف بشكل متزايد محل ركائز النظام التعاوني القائم على القواعد”. وأضاف: “تسود السياسة الدولية روح من عدم الاستقرار وانعدام المسؤولية”. وأوضح شتاينماير أن ألمانيا، إلى جانب الغالبية العظمى من دول العالم، لا تستطيع الاستمرار في عالم يخلو من القواعد، مؤكدًا أن من الضروري الحفاظ على الشراكات وتعميقها وتوسيعها، بما في ذلك في مجال التعاون الإنمائي. وأضاف أن التحديات العالمية، مثل تغير المناخ، والجوع، والفقر، لا يمكن مواجهتها دون وجود ثقة متبادلة.
استشهد شتاينماير بإغلاق مضيق هرمز بوصفه مثالًا حديثًا على هشاشة الروابط العالمية، موضحًا أن ذلك أظهر بصورة جلية مدى اعتماد العالم على طرق التجارة الحرة، والممرات البحرية الآمنة، وسلاسل الإمداد الفاعلة. وأضاف أنه إذا تعذر نقل المواد الغذائية، والأسمدة، والوقود، فإن أسعار الغذاء سترتفع في جميع أنحاء العالم، وهو ما ستكون له عواقب كارثية، لا سيما على الدول الفقيرة.
الانسحاب من الأمم المتحدة سيكون “كارثيًا”
وتطرق شتاينماير كذلك إلى فشل ألمانيا في الحصول على مقعد غير دائم في مجلس الأمن الدولي. ووصف هذه الهزيمة بأنها “مؤلمة”، وقال إنها تثير تساؤلات نقدية “موجهة إلى خصومنا، ولكن كذلك إلينا نحن”. ورفض بشكل صريح الدعوات المطالبة بتقليص انخراط ألمانيا في الأمم المتحدة، مؤكدًا: “إن الانسحاب سيكون قصير النظر، وسيكون كارثيًا”. دعا شتاينماير الأمم المتحدة إلى أن تصبح “أكثر كفاءة وفاعلية”. وتابع: “ولأن رياح المناخ السياسي تهب بقوة ضد الأمم المتحدة، ولأن المساهمات والميزانيات أصبحت موضع تشكيك متزايد، فإن المسؤولية تقع على عاتق جميع العاملين في الأمم المتحدة ومن أجلها لإثبات العكس، وإثبات أن الأمم المتحدة قادرة على تحقيق نتائج أفضل من أولئك الرجال الأقوياء الذين تحركهم أوهام السلطة المطلقة”.
كان وزير الخارجية الألماني يوهان فاديفول قد لمح، عقب خسارة ألمانيا في انتخابات مجلس الأمن، إلى احتمال تقليص انخراط بلاده في الأمم المتحدة. وأكد يوهان فاديفول مؤخرًا: “لا يمكن أن نبقى من أكبر المساهمين ماليًا، وفي الوقت نفسه لا يتم أخذنا في الاعتبار في بعض القرارات، بما في ذلك على المستوى الوظيفي”. وأضاف فاديفول: “ألمانيا تريد كذلك أن تحظى بالاحترام”. كما أعلن أن البرلمان الألماني سيدرس “بشكل أكثر دقة بعض أوجه المشاركة” في إطار إعداد الموازنة.
هل لا تزال الأمم المتحدة ذات أهمية؟
لكن هناك سؤال واحد يحتاج إلى إجابة: في وقت يبدو فيه أن قانون الغاب هو المنتصر، هل كل هذه الدبلوماسية تستحق الجهد المبذول؟. أقر فاديفول: “بالطبع، نحن تحت ضغط، منظومة الأمم المتحدة تحت ضغط، لكن أعتقد أن الدبلوماسية لا تزال بالغة الأهمية لهذا العالم لمنع قانون الغاب من كسب السباق”. مع اشتعال العديد من الحروب، من أوكرانيا إلى السودان والشرق الأوسط، يأمل الكثيرون في الأمم المتحدة أن يتعافى النظام القائم على القواعد الذي ساد بعد الحرب العالمية الثانية والذي تجسد في الأمم المتحدة. من الواضح أن ألمانيا تسعى بهدوء لتكون واحدة من حاملي لواء هذه العودة المحتملة – ومن الناحية المثالية، الحصول على مقعد في مجلس الأمن.
تريد ألملنيا نفوذ دبلوماسي أكبر وحضور أقوى، حيث صرّح المتحدث باسم الحكومة، ستيفان كورنيليوس، بأن ألمانيا تُؤمن بالعمل القائم على القواعد، والشفافية، والالتزام بالقانون، وهي أمورٌ “قيّمة في هذه الأوقات”. يقول واديفول: “عند مناقشة الأزمات العالمية، ترغب ألمانيا في المساهمة بثقلها. وهذا أمر مناسب لثالث أكبر اقتصاد في العالم”.
يُعقد مؤتمر هامبورغ للاستدامة تحت شعار: “قوة التعاون: دفع التقدم معًا”. ومن المقرر أن يشهد المؤتمر، إطلاق لجنة الشمال والجنوب التي دعت إليها الحكومة الألمانية، بهدف إيجاد صيغ جديدة للتعاون الإنمائي في عالم متعدد الأقطاب. وسيتولى رئاسة اللجنة كل من المستشار الألماني السابق أولاف شولتس، والرئيسة السابقة لكوستاريكا لورا تشينشيلا.
رابط مختصر .. https://www.europarabct.com/?p=120320
*حقوق النشر محفوظة إلى المركز الأوروبي لدراسات مكافحة الارهاب والاستخبارات ـ ألمانيا وهولندا ECCI
