خاص ـ المركز الأوروبي لدراسات مكافحة الإرهاب والاستخبارات ـ ألمانيا وهولندا ECCI
الأمن الدولي ـ ما الموقف الألماني من استراتيجية الأمن القومي الأمريكية؟
انتقد المستشار الألماني فريدريش ميرز عناصر إطار الأمن القومي الجديد لواشنطن، قائلاً إنه يصوّر أوروبا بطريقة تجدها برلين في غير محلها سياسيًا. أكد المستشار الألماني فريدريش ميرزفي التاسع من ديسمبر 2025 إن استراتيجية الأمن القومي الأميركية الجديدة، التي تم الكشف عنها خلال ديسمبر 2025 ، تحتوي على أجزاء “غير مقبولة بالنسبة لنا من منظور أوروبي”.
ماذا تتضمن استراتيجية الأمن القومي الجديدة؟
تصف استراتيجية الأمن القومي رؤية ترامب للسياسة الخارجية بأنها “الواقعية المرنة”، وتتبنى الاستراتيجية وجهة نظر متشائمة بشأن أوروبا، محذّرة من “محو الحضارة”. تؤكد الإدارة على ضرورة استعادة “الهوية الغربية” في أوروبا. تنص الاستراتيجية الأميركية على أن المصالح الاستراتيجية تشمل حل الصراع في أوكرانيا بسرعة، وإعادة إرساء “الاستقرار الاستراتيجي” مع روسيا. يدعو هذا المبدأ إلى إحياء “مبدأ مونرو”، الذي يؤكد أن نصف الكرة الغربي هو منطقة نفوذ أميركي. تعرب الوثيقة عن القلق إزاء النفوذ الاقتصادي المتزايد للصين في أميركا اللاتينية، وتضع مواجهته كهدف. في آسيا، يسعى ترامب إلى ردع الصراع مع الصين بشأن تايوان وبحر الصين الجنوبي من خلال تعزيز القوة العسكرية للولايات المتحدة وحلفائها.
ماذا قال ميرز عن التحول في الاستراتيجية الأميركية؟
يقول ميرز كذلك إن أوروبا بحاجة إلى أن تصبح أقل اعتمادًا على الولايات المتحدة، والاستجابة بشكل مباشر للتحول الاستراتيجي لواشنطن. وفي حين رفض ميرز بعض مكونات الاستراتيجية الأميركية، فإنه وصفها كذلك بأنها غير مفاجئة من حيث الجوهر، حيث تعكس الوثيقة بشكل تقريبي ما قاله نائب الرئيس الأميركي جيه دي فانس بالفعل في فبراير 2025 في مؤتمر ميونيخ للأمن. تابع ميرز عن الاستراتيجية الأميركية: “بعضها معقول، وبعضها مفهوم، وبعضها غير مقبول بالنسبة لنا من وجهة نظر أوروبية”. وأضاف: “لا أرى حاجةً لأن يحاول الأميركيون الآن إنقاذ الديمقراطية في أوروبا. لو كانت بحاجة إلى إنقاذ، لتمكّنا من ذلك بمفردنا”.
اتهم فانس ألمانيا وحلفاء أوروبيين آخرين بتقييد حرية التعبير واستبعاد أحزاب مثل حزب البديل من أجل ألمانيا اليميني المتطرف. اتهمت الاستراتيجية، التي كُشف عنها خلال ديسمبر 2025، الحكومات الأوروبية بتقويض الحريات السياسية وتقييد حرية التعبير. وجادل ميرز بأن مثل هذه التقييمات لا تعكس الواقع السياسي للقارة.
ميرز: ألمانيا وأوروبا بحاجة إلى مزيد من الاستقلال عن الولايات المتحدة
اوضح ميرز، خلال زيارة لولاية راينلاند بالاتينات، إن التحول في موقف واشنطن أكد وجهة نظره “بأننا في أوروبا، وبالتالي في ألمانيا كذلك، يجب أن نصبح أكثر استقلالية عن الولايات المتحدة في السياسة الأمنية”. في رسالة إلى الولايات المتحدة، أكد ميرز: “إن شعار أميركا أولًا مقبول، لكن شعار أميركا وحدها لا يصبّ في مصلحتكم. أنتم بحاجة إلى شركاء في العالم، وأوروبا أحد هؤلاء الشركاء. وإذا لم تتمكنوا من الاستفادة من أوروبا، فعلى الأقل اجعلوا ألمانيا شريكًا لكم”.
أكد المستشار أن الجانبين يتقاسمان هدفًا مشتركًا وهو “الحفاظ على الحرية والأمن والسلام في قارتنا”. وأضاف: “آمل أن يحذو الأميركيون حذونا في هذا المسار، وأن يعتبروه صائبًا وضروريًا لمصلحتهم. وإن لم يكن الأمر كذلك، فعلينا على الأقل أن نكون مستعدين ذهنيًا، وعمليًا أيضًا يومًا ما، لذلك”.
النتائج
يكشف موقف المستشار الألماني فريدريش ميرز من استراتيجية الأمن القومي الأميركية الجديدة عن بداية مرحلة أكثر حساسية في العلاقات عبر الأطلسي، خصوصًا مع إعادة واشنطن صياغة أولوياتها وفق رؤية أكثر انكفاءً وتركيزًا على الداخل. فانتقاد ميرز الحاد لبعض بنود الاستراتيجية الأميركية يعكس قلقًا أوروبيًا متناميًا من التحول في المزاج السياسي داخل الولايات المتحدة، وهو تحول يجعل الشراكة التقليدية أقل استقرارًا وأكثر خضوعًا لمعادلات السياسة الداخلية الأميركية. ورغم تأكيد ميرز على أهمية استمرار التحالف، فإن رسالته الضمنية تشير إلى شعور ألماني بأن أوروبا تُعامل في الوثيقة بوصفها عبئًا أو طرفًا عاجزًا عن حماية قيمه الديمقراطية، وهو توصيف تعتبره برلين مجحفًا وغير دقيق.
إن تأكيد ميرز على ضرورة استقلالية أوروبا في مجال الأمن والدفاع لا يمثل خروجًا عن الخطاب التقليدي فحسب، بل يعكس شعورًا واقعيًا بأن الاعتماد المفرط على الولايات المتحدة لم يعد خيارًا مستدامًا. فاستراتيجية واشنطن الجديدة تتضمن إشارات واضحة إلى تقليص الالتزامات الأميركية في أوروبا، والتركيز بدلاً من ذلك على منافسة الصين، وضبط التوازنات في آسيا، والتعامل مع التحديات داخل أميركا اللاتينية. كما أن الدعوة إلى إحياء “مبدأ مونرو” تكشف عن عودة قوية للنزعة الأحادية الأميركية، وهو ما يضع أوروبا أمام ضرورة إعادة بناء قدراتها الأمنية بطريقة تمنحها هامشًا أكبر من المناورة.
من المرجح أن يتأثر مستقبل التوترات بين الطرفين، بشكل مباشر بتطورات حرب أوكرانيا. فبينما تحاول واشنطن دفع أوروبا نحو دور أكبر وربما منفرد في إدارة الملف الأوكراني، تظل برلين حريصة على استمرار المظلة الأميركية، على الأقل في المدى القريب. ومع ذلك، فإن تصريحات ميرز تُعد مؤشرًا على بداية تحول تدريجي نحو مقاربة أوروبية أكثر واقعية، تتضمن تعزيز الصناعات الدفاعية، وتطوير القدرات القتالية المشتركة، وإعادة النظر في بنية الناتو نفسها، في حال استمرت واشنطن في تقليص حضورها.
على المستوى السياسي، قد يستفيد حزب البديل من أجل ألمانيا من الانتقادات الأميركية التي تتعلق بالحريات السياسية في أوروبا، خصوصًا أن الاستراتيجية أشارت بشكل غير مباشر إلى التضييق على أحزاب يمينية متطرفة مثل البديل. وقد يوظف الحزب هذه الإشارات لتعزيز سردية “الاضطهاد السياسي”، ما يزيد الضغوط على الحكومة الألمانية داخليًا.
في المحصلة، تكشف تصريحات ميرز عن لحظة مفصلية في العلاقات عبر الأطلسي؛ لحظة تتطلب من أوروبا التفكير بشكل استراتيجي في مرحلة ما بعد الضمان الأميركي، مع الحفاظ في الوقت ذاته على قنوات التعاون الحيوية مع واشنطن، التي ستظل رغم كل شيء الشريك الأمني الأهم للقارة في المستقبل المنظور.
رابط مختصر.. https://www.europarabct.com/?p=112601
