خاص ـ المركز الأوروبي لدراسات مكافحة الإرهاب والاستخبارات ـ ألمانيا وهولندا ECCI
الأمن الدولي ـ ألمانيا وأوروبا تٌعيد التفكير في التوازن مع موسكو؟
دخلت روسيا في حالة جمود دبلوماسي إلى حد كبير منذ بداية حرب أوكرانيا في فبراير 2022، لكن رئيسة الوزراء الإيطالية جورجيا ميلوني، والرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون، والمستشار الألماني فريدريش ميرز، أشاروا إلى انفتاح جديد على الحوار مع موسكو، حيث دعا ميرز إلى “توازن في العلاقات” مع روسيا. وصفت المتحدثة الرئيسية باسم المفوضية الأوروبية، باولا بينهو، المحادثات مع روسيا بأنها حتمية “في مرحلة ما”، لكنها حذرت قائلة: “لم نصل إلى تلك المرحلة بعد”، بالتزامن مع معارضة بريطانية لاستعادة الاتصال المباشر مع روسيا.
ألمانيا، “روسيا دولة أوروبية”
صرح المستشار الألماني فريدريش ميرز بأن “الاتحاد الأوروبي سيستفيد من إيجاد توازن مرة أخرى مع أكبر جيراننا الأوروبيين”، في تراجع عن موقفه السابق بشأن الاتصالات مع روسيا. أضاف ميرز: “إذا نجحنا، على المدى الطويل، في إيجاد توازن مرة أخرى مع روسيا، وإذا تحقق السلام، فحينها يمكننا أن نتطلع إلى الأمام بثقة كبيرة إلى ما بعد عام 2026”. أوضح ميرز: “إنه يعتبر روسيا دولة أوروبية”، وأشار إلى أن كلامه لا علاقة له بكونه يتحدث في شرق ألمانيا. ووفقاً له، كان سيدلي بالتصريحات نفسها في أي مكان آخر من البلاد. كان ميرز، في يونيو 2025، قد صرح: “إنه سيمتنع عن إجراء مكالمات هاتفية مع الرئيس الروسي فلاديمير بوتين”، مشيرًا إلى أن مثل هذه الاتصالات مع موسكو لا طائل منها. جاء التغيير الواضح في موقف المستشار الألماني بعد تصريح المتحدثة الرئيسية باسم المفوضية الأوروبية، باولا بينهو، بأنه “من الواضح أنه في مرحلة ما، سيتعين إجراء محادثات مع الرئيس بوتين”.
تأييد فرنسي إيطالي للحوار مع روسيا بشكل مباشر
أوضحت رئيسة الوزراء الإيطالية جورجيا ميلوني أن على أوروبا استئناف الحوار مع روسيا لمحاولة كسب المزيد من النفوذ في المفاوضات بشأن أوكرانيا، قائلة إن على الاتحاد الأوروبي تعيين مبعوث للتعامل مباشرة مع الرئيس فلاديمير بوتين. كما تحدث الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون عن إمكانية إعادة الانخراط، وتحدث في ديسمبر 2026 عن ضرورة إجراء “حوار شامل” مع موسكو إذا لم يتم التوصل إلى سلام قوي ودائم لأوكرانيا في غضون ذلك.
بريطانيا ترفض استعادة الاتصال المباشر مع روسيا
لا يؤيد جميع حلفاء أوكرانيا الغربيين هذه الفكرة. فقد صرحت وزيرة الخارجية البريطانية إيفيت كوبر: “إنه لا يوجد دليل على أن بوتين يريد السلام فعلاً”. كما رفضت مقترحات من باريس وروما تدعو الحلفاء الأوروبيين إلى النظر في استئناف الاتصالات الدبلوماسية مع بوتين كجزء من الجهود المبذولة لإنهاء الحرب في أوكرانيا. أفاد تقرير في 16 يناير 2026 بأن الجهود الأوروبية الناشئة لاستعادة الاتصال المباشر مع روسيا قد واجهت مقاومة من المملكة المتحدة، مشيرًا إلى وجود انقسام دبلوماسي داخل التحالف الغربي. تباين موقف لندن مع موقف فرنسا وإيطاليا بشأن ما إذا كان ينبغي لأوروبا استئناف المحادثات المباشرة مع الرئيس الروسي فلاديمير بوتين. لا تزال لندن تعتقد أن كييف والدول الأوروبية هي من يجب أن تحدد شروط إنهاء الصراع. ترى كوبر أن “مركز الثقل” الدبلوماسي يتركز حالياً مع أوكرانيا وحلفائها المقربين، وتصر على ضرورة زيادة الضغط على موسكو بدلاً من تخفيفه، من خلال العقوبات والدعم العسكري لكييف.
الاتحاد الأوروبي يسعى لإقناع الرئيس الأوكراني بتقديم تنازلات
تستأنف المفاوضات بين الولايات المتحدة وأوكرانيا في ميامي في 17 يناير 2026 لمناقشة خطة سلام محتملة مع الرئيس الروسي فلاديمير بوتين. في هذا السياق، يسعى الاتحاد الأوروبي لإقناع الرئيس الأوكراني فولوديمير زيلينسكي بتقديم تنازلات عبر عرض نسخة “مخففة” من عضوية الاتحاد الأوروبي، تمنح كييف الوصول الكامل إلى السوق الأوروبية الموحدة والاستفادة من أموال الاتحاد، مع استثناء حقوق التصويت الكاملة في البداية. الهدف من هذا العرض هو تعزيز موقف زيلينسكي في المفاوضات مع موسكو، خصوصًا بشأن القضايا الإقليمية في شرق أوكرانيا، وتسريع قبول التنازلات داخليًا بين الشعب الأوكراني.
منح الاتحاد الأوروبي أوكرانيا صفة الدولة المرشحة منذ الهجوم الروسي في فبراير 2022، لكن المفاوضات تبقى طويلة ومعقدة، إذ تتطلب معالجة أكثر من ثلاثين فصلاً قانونيًا وفق معايير كوبنهاغن التي تشمل مواءمة الأنظمة القانونية ومكافحة الفساد. وبرغم مرور أكثر من ثلاثة عقود على وضع هذه المعايير، يبرز التفكير الأوروبي الجديد في تقديم عضوية مخففة كأداة دبلوماسية لتقوية نفوذ كييف.
تشير تصريحات رئيسة المفوضية الأوروبية، أورسولا فون دير لاين، إلى أن الانضمام إلى الاتحاد الأوروبي يشكل ضمانة أمنية ويعزز النمو الاقتصادي، ما يجعل الارتباط الأوروبي جزءًا من الشراكة الأمنية الغربية. وتجسد قبرص مثالًا لدولة انضمت إلى الاتحاد الأوروبي وسط صراع إقليمي، كما يعكس التاريخ الألماني بعد عام 1952 أهمية التكامل الأوروبي كآلية استقرار سياسي وأمني. يمكن أن تصبح العضوية الأوروبية المبسطة لأوكرانيا أداة لتحقيق الاستقرار، وتعزيز الشراكة الغربية في مواجهة التهديد الروسي، مع إمكانية دمجها لاحقًا في إطار أوسع للاتحاد الأوروبي وحلف الناتو.
رد الفعل الروسي
أشاد المتحدث الرسمي باسم الكرملين بالدعوات التي أطلقتها باريس وروما وبرلين لإعادة فتح المحادثات مع موسكو، واصفاً إياها بأنها “تطور إيجابي”. أكد المتحدث باسم الكرملين، ديمتري بيسكوف، قائلًا: “أشارت موسكو إلى التصريحات التي أدلى بها عدد من القادة الأوروبيين، وتحديداً من باريس وروما وحتى برلين، والتي قد تبدو غريبة، مفادها أنه لضمان الاستقرار في أوروبا، يجب علينا التحدث مع الروس. وهذا يتوافق تماماً مع رؤيتنا”. أضاف بيسكوف: “إذا كان هذا يعكس حقاً الرؤية الاستراتيجية للأوروبيين، فهذا تطور إيجابي لمواقفهم”.
ما أسباب التحول الألماني الأوروبي؟
تأتي هذه الدعوات الجديدة وسط مخاوف في بروكسل وعواصم أخرى من أن تُهمّش واشنطن الأوروبيين في محادثات السلام مع كييف وموسكو، بالإضافة إلى تزايد ميل حرب أوكرانيا لصالح روسيا. ومع معاناة أوروبا من مشاكلها الاقتصادية الخاصة، يتزايد الضغط لإنهاء الحرب في بروكسل. يبدو أن عدة عوامل تدفع هذا الموقف الأوروبي المتطور. فعلى الصعيد الاقتصادي، أدى الصراع الممتد إلى إجهاد أسواق الطاقة، وزيادة التكاليف على المستهلكين والصناعات، وتعقيد التخطيط طويل الأجل في جميع أنحاء الاتحاد الأوروبي. أما على الصعيد السياسي، فيتزايد الانقسام بين الرأي العام الأوروبي، إلى جانب المخاوف من أن المواجهة المفتوحة تُنذر بمزيد من عدم الاستقرار.
يدرك القادة الأوروبيون، من الناحية الاستراتيجية، بشكل متزايد أن الدور الجغرافي والأمني لروسيا لا يمكن تجاهله. فمن الحد من التسلح إلى نقل الطاقة والأمن الإقليمي، تظل روسيا جزءًا لا يتجزأ من بنية الأمن الأوروبي الأوسع. إن وصف روسيا بأنها “دولة أوروبية”، كما أكد ميرز، يتحدى التقارير الأمنية والاستخباراتية التي تصورها فقط كتهديد خارجي أو غريب، ويؤكد بدلاً من ذلك على حقيقة المسؤولية القارية المشتركة.
النتائج
تشير تصريحات المستشار الألماني فريدريش ميرز وكبار مسؤولي المفوضية الأوروبية ورئيسة الوزراء الإيطالية جورجيا ميلوني إلى أن المفاوضات مع روسيا لم تعد تعتبر من “المحرمات” السياسية، بل أصبحت ضرورة حتمية. تمثل تصريحات ميرز إعادة تقييم عملية وليست تحولاً جذرياً في السياسة، لكنها مع ذلك تُعد خروجاً عن الخطاب الأكثر صرامة الذي هيمن على السياسة الأوروبية منذ عام 2022.
يحظى موقف ألمانيا بأهمية خاصة. فبصفتها أكبر اقتصاد في الاتحاد الأوروبي، واجهت ألمانيا ضغوطًا كبيرة نتيجة للعقوبات المطولة، وانقطاع إمدادات الطاقة، والتحديات الصناعية. وتعكس التحولات في الموقف الألماني خاصة، والأوروبي عامة، إدراكًا متزايدًا بأن العزلة الدائمة لروسيا قد تُكبّد ألمانيا وأوروبا نفسها تكاليف اقتصادية وأمنية طويلة الأجل.
يمثل موقف المفوضية الأوروبية تحولاً هاماً في الخطاب. فخلال معظم فترة حرب أوكرانيا، ركزت رسائل الاتحاد الأوروبي بشكل شبه حصري على العقوبات، والدعم العسكري لأوكرانيا، والضغط الدبلوماسي، مع قلة النقاش العلني حول المفاوضات المحتملة. ويشير الإقرار بضرورة إجراء محادثات إلى نهج استراتيجي طويل الأمد.
لم يتخلَّ القادة الأوروبيون عن مبادئهم الأساسية. فهم يصرّون على ضرورة أن تتناول أي مفاوضات قضايا جوهرية، كسيادة أوكرانيا، وسلامة أراضيها، وضمانات الأمن طويلة الأمد. ويواصل المسؤولون الأوروبيون التأكيد على أن الحوار الجاد يعتمد على استعداد روسيا للانخراط بشكل بنّاء. والأهم من ذلك، هناك اتفاق واسع النطاق على ضرورة بقاء موقف أوكرانيا محورياً في أي تسوية. ولا تُطرح الدعوات إلى الحوار على أنها تنازلات، بل اعتراف بأن الدبلوماسية ستكون ضرورية في نهاية المطاف لإنهاء الصراع بشكل مستدام.
من المتوقع أن تدخل أوروبا مرحلة أكثر واقعية في تعاملها مع روسيا. وتشير الأصوات المشتركة من برلين وبروكسل وروما إلى إجماع متزايد على أن المواجهة وحدها لا تكفي لتحديد مستقبل الأمن الأوروبي. ورغم وجود عقبات كبيرة، فإن التطبيع العلني للحوار يمثل لحظة محورية محتملة.
سيتوقف ما إذا كان هذا التحول سيؤدي إلى مفاوضات ملموسة أم سيبقى مجرد طموح على التطورات على أرض الواقع ورد فعل موسكو. لكن من الواضح أن فكرة الحوار مع روسيا لم تعد محظورة في السياسة الأوروبية، بل باتت تُطرح بشكل متزايد كعنصر أساسي، وإن كان صعباً، لبناء مستقبل أوروبي مستقر وآمن.
رابط مختصر.. https://www.europarabct.com/?p=113676
