خاص ـ المركز الأوروبي لدراسات مكافحة الإرهاب والاستخبارات، ألمانيا وهولندا ECCI
الأمن الدولي ـ كيف يمكن أن يبدو نشر القوات الأوروبية في أوكرانيا؟
كان عرضًا مذهلاً للوحدة عندما دعمت مجموعة من الزعماء الأوروبيين الرئيس الأوكراني فولوديمير زيلينسكي في رحلته إلى واشنطن في 18 أغسطس 2025، وأكدوا للرئيس الأمريكي دونالد ترامب الحاجة إلى ضمانات أمنية لأوكرانيا. لكن الطريق أمامهم سيكون أكثر صعوبة مع قيامهم برسم تفاصيل مساهمتهم، بما في ذلك نشر القوات المحتمل.
صرح ترامب بعد لقائه مع القادة الأوروبيين: “إنهم على استعداد لوضع الجنود على الأرض”. فمنذ زيارتهم للولايات المتحدة، عُقدت سلسلة من الاجتماعات لما يُسمى “تحالف الراغبين”، وهو تجمع يضم أكثر من 30 دولة، من بينها ألمانيا وفرنسا والمملكة المتحدة. بل إن بعض هذه الدول أبدت استعدادها لإرسال قوات. ولكن كيف يمكن أن يبدو نشر القوات الأوروبية، وما الذي قد يعنيه ذلك بالنسبة لأوكرانيا وأوروبا؟
هل ستنشر أوروبا قوات حفظ السلام؟
تأتي قوات حفظ السلام تقليديًا من دول محايدة وتعمل في دور غير قتالي. أوضح رافائيل لوس، الخبير في شؤون الدفاع والأمن في المجلس الأوروبي للعلاقات الخارجية: “أن دور حفظ السلام هو الأقرب إلى نظام الأمم المتحدة؛ إذ تراقب هذه القوات الأطراف المتحاربة في وضع متوتر بعد وقف إطلاق النار”.
أضاف لوس: “من الناحية النظرية، لا أعتقد أن هذا الدور يتناسب مع رغبات الأوكرانيين ونظرة الأوروبيين لأنفسهم. إنهم ليسوا محايدين في هذا الصراع، ويريدون أن يُنظر إليهم على أنهم في صف أوكرانيا”.
أوضح لوس: “علاوة على ذلك، فإن استخدام قوات حفظ السلام للقوة يخضع بشكل صارم لقواعد الاشتباك، وهي قواعد خاصة بكل ولاية، ويمكن أن تشمل التصرف دفاعًا عن النفس وحماية المدنيين. وفي سياق أوكرانيا وروسيا، فإن وجود قوات حفظ السلام يقتصر على مهمات مراقبة “تتطلب نحو ألف جندي من قوات حفظ السلام المجهزة بأسلحة خفيفة”.
تابع لوس قائلًا: “سيتم نشرهم على طول خط التماس للمراقبة”، في إشارة إلى الحفاظ على السلام على طول الحدود المتفق عليها بعد اتفاق بين أوكرانيا وروسيا، والإبلاغ عن الامتثال لوقف إطلاق النار ولكن ليس للمشاركة في القتال”.
هل ترسل أوروبا مدربين؟
يقول العديد من الخبراء إن العديد من الدول الأوروبية تشعر براحة أكبر عند إرسال بضع مئات إلى بضعة آلاف من المدربين. يؤكد لوس: “يمكن نشر القوات في دور استشاري لتحديث الهياكل العسكرية الأوكرانية ومواءمتها مع معايير وإجراءات حلف شمال الأطلسي”.
ستكون هذه القوات حاضرة في دور غير قتالي وستقوم بتدريب الجنود الأوكرانيين داخل البلاد للقتال في ساحة المعركة وتشغيل المعدات الغربية المتخصصة. يعتقد الخبراء أن مثل هذا النشر من شأنه أن يجعل جهاز الدفاع الأوكراني أكثر كفاءة، وسيعمل على تحويل ثقافة الدفاع الشاملة من ثقافة مستوحاة من الماضي السوفييتي لأوكرانيا إلى شيء يشبه الممارسات والأعراف الغربية.
يوضح لوس: “من بين التأثيرات الثقافية تغيير أسلوب القيادة. عمل الأوكرانيون في الغالب بأنظمة تعتمد على النظام السوفييتي، وهم ينتقلون إلى أنظمة تعتمد على حلف شمال الأطلسي، والتي تُعطي الأولوية للمبادرة على التسلسل الهرمي”.
لكن لا أحد يعتقد أن قوات حفظ السلام أو المدربين سوف يشكلون رادعًا فعالًا ويضمنون عدم قيام روسيا بشن هجوم مرة أخرى.
قوة قتالية أوروبية للردع وليس للاشتباك
ناقش الأوروبيون نشر قوة جاهزة للقتال، ولكن ليس بهدف مواجهة روسيا، بل يفضلون التواجد على الأرض والعمل كرادع. يقول جونترام وولف، خبير الشؤون الخارجية في مركز بروغل للأبحاث في بروكسل: “إذا كان لديك قوة عسكرية كبيرة على الأرض فإن ذلك يمثل ردعًا في حد ذاته”.
وفي ورقة بحثية صدرت خلال العام 2025، أفاد المعهد الألماني للشؤون الدولية والأمنية إن هدف هذه القوة “لن يكون الدفاع عن أوكرانيا في حالة العدوان، بل ردع روسيا من خلال نشر وجود عسكري أوروبي كافٍ”. لكن هذا قد يتطلب عددًا كبيرًا من القوات ما يصل إلى 150 ألف جندي.
وفقًا لمعهد ستوكهولم الدولي لأبحاث السلام، يبلغ عدد العسكريين في الخدمة الفعلية في أوروبا والمملكة المتحدة ما يقرب من 1.5 مليون فرد. لكن العديد من الدول الأوروبية تتردد في سحب جنودها المنخرطين في الخدمة الوطنية، وكذلك أولئك المنخرطين في خطط دفاع حلف الناتو، والمُعدّة للاستعداد لهجوم مباشر على أراضي الحلف.
جاء في ورقة بحثية أن “القوات المنتشرة من شأنها أن تخلق فجوات في الخطط الحالية لحلف شمال الأطلسي، وهو ما يتطلب تعديلها”. وأشارت دراسة أجراها بروغل ونشرت في فبراير 2025 إلى أن “فعالية هذه الجيوش تعوقها عدم وجود قيادة موحدة”، حيث تخضع الجيوش المعنية لحكومات مختلفة.
ذكر المجلس الأوروبي للعلاقات الخارجية أن إرسال مثل هذا العدد الكبير من القوات إلى صراع أمر غير مقبول سياسيًا. يؤكد أندريه هارتل، رئيس مكتب SWP في بروكسل: “هناك خلافات كبيرة بين الدول الأوروبية حول نشر القوات. ولا تعتبر ألمانيا هذا جزءًا من الضمانات الأمنية”. واستبعدت إيطاليا نشر قوات إيطالية على الأرض.
هناك فكرة أخرى تتمثل في نشر عدد أقل من القوات الأوروبية في ما وصفه الخبراء بأنه سيناريو خطير. تابع وولف: “يمكنك نشر ما بين 5 آلاف إلى 10 آلاف جندي، ولكن إذا تعرض أي شخص للهجوم فإن ذلك يعني انخراط القارة الأوروبية بأكملها، وبالتالي فإن روسيا من المفترض ألا تهاجم”.
هل يؤدي الوجود العسكري الأوروبي إلى جعل حلف شمال الأطلسي طرفًا في الحرب؟
في أي من سيناريوهات الانتشار، هناك خطر التعرض لإطلاق النار من قبل القوات الروسية أو القتل في غارة بطائرة بدون طيار أو تفجيرات. ومع ذلك، فإن مجرد وجود قوات أوروبية على الأرض لا يعني بالضرورة إشراك حلف شمال الأطلسي كتحالف.
بما أن ترامب سبق أن صرح بأن أي نشر للقوات سيكون خارج نطاق حلف شمال الأطلسي، فإن الحلفاء لن يكونوا في حالة حرب مع روسيا بحكم الأمر الواقع حتى لو تعرضت القوات الأوروبية للنيران الروسية.
من غير المرجح أن يستجيب حلف شمال الأطلسي كتحالف، ولكنهم سيجرون مشاورات، كما أكد لوس. وأضاف: “لا يوجد أي التزام قانوني بفعل أي شيء. ووفقًا لصياغة معاهدة الناتو، فإن الرد قد يكون أي شيء يراه الحلفاء مناسبًا”.
يعتقد الخبراء أن أي رد فعل محتمل من الدول المشاركة في التحالف سيكون على الأرجح محدودًا ومحددًا بحالة معينة.
أكد وولف: “إذا كان هناك، لنقل، مجرد حادث، فهذا أمرٌ مختلف. أما إذا كان هجومًا متعمدًا وواسع النطاق على القوات الأوروبية، فسيكون الرد مختلفًا”. تابع الخبراء إن الحكومات الأوروبية المختلفة منشغلة باختبار مثل هذه السيناريوهات، لكنها تواجه معضلة نشر القوات أمر محفوف بالمخاطر، وعلى الرغم من كل الحذر، قد تُورِّط بلدانها في حرب تريد تجنبها.
النتائج
تكشف التحركات الأوروبية نحو إمكانية نشر قوات في أوكرانيا عن تصاعد غير مسبوق في الالتزام الأوروبي تجاه أمن القارة ومصير كييف، خصوصًا مع تضاؤل الاعتماد على المظلة الأمريكية.
في المدى القصير، من المرجح أن تبدأ أوروبا بإرسال مدربين عسكريين ضمن مهام استشارية غير قتالية. أما في المدى المتوسط، فقد يُختبر سيناريو قوات ردع صغيرة الحجم، رغم مخاطر التصعيد مع روسيا.
التحديات الرئيسية تشمل غياب القيادة الموحدة، والتباين في المواقف السياسية، والتخوف من التورط في نزاع مباشر.
مستقبلًا، قد يدفع استمرار الحرب والتصعيد الروسي أوروبا إلى بلورة قوة تدخل أوروبية مستقلة عن الناتو، خاصة إذا استمرت الولايات المتحدة في تقليص انخراطها.
هذا السيناريو يبقى محفوفًا بالمخاطر، وقد يعيد تعريف العلاقة الأوروبية الروسية، ويضع الناتو أمام اختبارات غير مسبوقة.
رابط مختصر.. https://www.europarabct.com/?p=107988
