المركز الأوروبي لدراسات مكافحة الإرهاب والاستخبارات ـ ألمانيا وهولندا ECCI
الأمن الدولي ـ كيف تخطط أوكرانيا للدفاع عن نفسها بعد الحرب؟
تتمثل الخطة البديلة لأوكرانيا في أن تكون قادرة على حماية نفسها إذا ثبت أن الضمانات الأمنية للحلفاء لا قيمة لها، إذ تخشى أوكرانيا أنها لا تستطيع الاعتماد على الضمانات الأمنية من حلفائها في أي اتفاق سلام محتمل، وبالتالي يجب أن تكون مستعدة للوقوف بمفردها لضمان عدم عودة روسيا لشن هجوم آخر. وهذا يعني جيشا ضخما دائما، واستثمارا كبيرا في أحدث تقنيات الطائرات بدون طيار والصواريخ، وإنتاج الأسلحة محليا. صرحت أليونا غيتمانشوك، رئيسة بعثة أوكرانيا لدى حلف الناتو: “أجرت أوكرانيا مراجعة شاملة لمفهوم الضمانات الأمنية وأسسها. ففي السابق، كانت الرؤية تتمحور أساسا حول التزامات الحماية التي يقدمها الشركاء. أما خلال العام 2026، فهناك إدراك واضح بأن جوهر أي ضمانات أمنية يجب أن يكون الجيش الأوكراني وصناعاته الدفاعية”.
إنشاء قطاع دفاعي مستدام
لكن لكي يحدث ذلك، تحتاج أوكرانيا إلى إنشاء قطاع دفاعي مستدام، وإصلاح أنظمة الشراء الخاصة بها، وتجديد عمليات التجنيد، ومواصلة تحسين تكنولوجيا الطائرات بدون طيار، وبناء صواريخ بعيدة المدى، وتجهيز قواتها بدبابات ومدفعية وطائرات نفاثة حديثة. وقد وضعت كييف خطة للحصول على ما يصل إلى 150 مقاتلة من طراز Saab JAS-39E Gripen السويدية الصنع، إضافة إلى الحصول على مليارات الدولارات من المساعدات لبناء جيش تخشى روسيا مهاجمته مرة أخرى. يقول إيهور فيديركو، الرئيس التنفيذي للمجلس الأوكراني للصناعات الدفاعية: “إن أمن أوكرانيا المستقبلي يتعلق أولا وقبل كل شيء بمرونة الإنتاج. ليس الأمر متعلقا بأنظمة الأسلحة الفردية أو بالاختراقات التكنولوجية الفردية، بل بقدرة الصناعات الدفاعية على العمل على المدى الطويل، وتحت الضغط، وبإنتاج يمكن التنبؤ به”.
هناك حاجة إلى ضمانات أمنية لأن الرئيس الأمريكي دونالد ترامب استبعد الخيار المفضل لأوكرانيا، وهو دعوتها للانضمام إلى حلف الناتو، الذي يحمي أعضاءه بموجب المادة 5 من أحكام الدفاع المشترك. “بالإضافة إلى القوات المسلحة القوية، تحتاج أوكرانيا إلى ضمانات أمنية قوية”، هذا ما قاله الأمين العام لحلف الناتو مارك روته في كييف في فبراير 2026. لكن بدون حلف الناتو، يتعين على أوكرانيا الاعتماد على اتفاقيات خاصة قد لا تحمل نفس وزن التزامات الحلف. وتشعر كييف بالحذر من مثل هذه الاتفاقيات، بعد أن خيبت وعود الولايات المتحدة والمملكة المتحدة عندما تخلت أوكرانيا عن ترسانتها النووية عام 1994، وهي وعود تبين أنها جوفاء.
ما هي مخاوف أوكرانيا؟
أكد روته: “أعلن بعض الحلفاء الأوروبيين أنهم سينشرون قوات في أوكرانيا بعد التوصل إلى اتفاق، قوات على الأرض، وطائرات في الجو، وسفن في البحر الأسود، وستكون الولايات المتحدة بمثابة الضمانة”، مضيفا أن التعهدات الأمنية “متينة”. لكن روسيا ترسل بالفعل إشارات مفادها أنها ستعارض أي ضمانات أمنية لأوكرانيا. “لا نعرف ما هي الضمانات التي تم الاتفاق عليها، ولكن على ما يبدو، هذه ضمانات للنظام الأوكراني الذي انتهج سياسة معادية لروسيا ونازية جديدة”، هذا ما قاله وزير الخارجية سيرغي لافروف في يناير 2026. تتمحور مخاوف أوكرانيا الأساسية حول مصداقية وعود ترامب، وذلك بسبب تحولاته المفاجئة في السياسة، من الرغبة في ضم جرينلاند إلى التشكيك في قيمة حلفاء الناتو وإقامة علاقات ودية مع فلاديمير بوتين، رئيس روسيا.
“هل سيشن ترامب حربا على روسيا بسبب أوكرانيا؟ قطعا لا. هل سيفرض ترامب عقوبات على روسيا لخرقها أي وقف لإطلاق النار؟ أمر مستبعد جدا”، هكذا كتب تيموثي آش، المحلل المتخصص في دراسة روسيا وأوكرانيا. ومع تضاؤل الضمانات الأمنية المتاحة، فإن الخطة البديلة لأوكرانيا هي الاعتماد على نفسها. قالت غيتمانشوك: “كلما طالت الحرب، ازداد اقتناع الأوكرانيين بضرورة الاعتماد على أنفسهم أولا وقبل كل شيء. وهذا يعكس خيبة الأمل من الالتزامات الأمنية السابقة التي قطعت لأوكرانيا، والتشكيك في فرص انضمامها إلى حلف الناتو، فضلا عن تزايد ثقتهم في قدرة أوكرانيا على مقاومة العدو”.
بناء الدفاعات
يعد الجيش الكبير عنصرا أساسيا في قوة الردع المستقبلية، خلال محادثات السلام، أصرت أوكرانيا على الاحتفاظ بجيش قوامه 800 ألف جندي. ومع استمرار الحرب، يلاحق مليونا أوكراني حاليا بتهمة التهرب من التجنيد، بينما فر 200 ألف جندي من الخدمة العسكرية، وفقا لما صرح به وزير الدفاع الأوكراني ميخايلو فيدوروف في يناير 2026. وفي حال التوصل إلى وقف لإطلاق النار، سيرغب العديد من الجنود العاملين حاليا في تسريحهم. وهذا يعني بذل جهد هائل ومكلف لبناء جيش كبير والحفاظ عليه في زمن السلم، وهو جيش يجب تنظيمه وتوفير رواتب مناسبة له. ولتحقيق ذلك، تحتاج أوكرانيا إلى تحسين التدريب العسكري على جميع المستويات، فضلا عن تغيير هيكلها التنظيمي وهيكل أركانها، كما صرح بذلك تاراس تشموت، المحلل العسكري الأوكراني ورئيس صندوق “العودة إلى الحياة” للمتطوعين العسكريين.
تعهد فيدوروف بأن التحول الرقمي الكبير والإصلاحات الأخرى قادمة. وتابع: “هدفنا هو تغيير النظام جذريا، تنفيذ إصلاحات عسكرية، وتحسين البنية التحتية على الخطوط الأمامية، والقضاء على التضليل والفساد، وتعزيز ثقافة جديدة للقيادة والثقة، بحيث يكافأ من يحققون نتائج ملموسة ويمنحون فرصا للنمو”. دعا كوستيانتين نيميتشيف، نائب قائد فوج أنظمة كراكن غير المأهولة التابع للفيلق الثالث للجيش، إلى إجراء تغييرات في تدريب المجندين وإلى تعليم أقوى للضباط والرقباء، نظرا لأنهم يشكلون العمود الفقري للجيش. وأوضح: “يجب على المرء أن يفهم أنه مدرب على القتال، وأن يكون مستعدا للقيام بذلك، بينما يجب أن يتمتع القادة بمهارات قيادية. وعندها لن يتغيب الناس عن الخدمة بأعداد كبيرة”.
طائرات مسيرة قاتلة
تقول الدولة إن روسيا تتكبد خسائر شهرية تقدر بنحو 35 ألف جندي، معظمهم بسبب الطائرات الأوكرانية المسيرة. ويجب تعزيز هذه القدرة لمنع هجوم روسي آخر. أكد فيدوروف إن أوكرانيا أنشأت سوقا للطائرات المسيرة، وأسطولا غير مأهول، وصواريخ، وأنظمة حرب إلكترونية، وذخائر، وطائرات اعتراضية. وأضاف: “لكن من المستحيل خوض المعارك بتقنيات جديدة مع الاعتماد على هيكل تنظيمي قديم”. في عام 2025، تعاقدت وزارة الدفاع على 4.5 مليون طائرة بدون طيار من نوع FPV، وأنفقت أكثر من 110 مليارات هريفنيا (2.1 مليار يورو) على المشتريات المتعلقة بالطائرات بدون طيار، أي ثلاثة أضعاف ما أنفقته في العام 2024. يقول فيديركو: “في مجال الطائرات بدون طيار والحرب الإلكترونية والذخائر وأنظمة الضربات، يتم قياس الإنتاج بالفعل بمئات وآلاف الوحدات. وفي هذه المرحلة، تتمثل المهمة الرئيسية في استقرار الإنتاج من دفعة إلى أخرى ومراقبة الجودة، لضمان تشغيل خطوط الإنتاج دون انقطاعات أو تدهور في الأداء”.
تعمل أوكرانيا أيضا على تطوير صواريخها الخاصة، وإذا امتلكت ما يكفي منها، فبإمكانها تهديد مصافي النفط والبنية التحتية والأهداف العسكرية الروسية بضربات مدمرة إذا شنت موسكو هجوما آخر. لم تتحقق الوعود السابقة التي قطعتها شركة الدفاع الأوكرانية “فاير بوينت” بإنتاج نحو 200 صاروخ فلامينغو FP-5 شهريا، يحمل كل منها رأسا حربيا يزن 1150 كيلوغراما وبمدى 3000 كيلومتر، على الرغم من استخدام بعضها لضرب أهداف روسية. لكن أوكرانيا تمتلك صواريخ كروز أخرى وطائرات مسيرة بعيدة المدى قادرة على ضرب أهداف في عمق الأراضي الروسية. كما أنها تعمل بالتعاون مع المملكة المتحدة على تطوير صاروخ باليستي تكتيكي بمدى 500 كيلومتر يحمل رأسا حربيا يزن 200 كيلوغرام.
صناعة دفاعية قوية
يوضح فيديركو إن شركات الدفاع الأوكرانية كانت تمتلك العام الماضي القدرة على إنتاج معدات بقيمة نحو 35 مليار دولار، لكن حكومة كييف التي تعاني من ضائقة مالية لم تتمكن إلا من إصدار عقود بقيمة نحو 12 مليار دولار. وأضاف: “لا تزال نسبة تصل إلى 60% من الطاقة الإنتاجية غير مستغلة بالكامل. وبدون عقود طويلة الأجل، وتمويل يمكن التنبؤ به، ومواقع إنتاج محمية، وأتمتة حيثما أمكن، وقاعدة اختبار محلية، لا يمكن استدامة الإنتاج التسلسلي”. وإلى جانب تجهيز قواتها الخاصة، تأمل أوكرانيا في تصدير الأسلحة، وهو أمر يصعب تحقيقه بموجب قواعد زمن الحرب الحالية.
إن مبادرات الإنفاق الدفاعي الجديدة للاتحاد الأوروبي، مثل برنامج قروض “SAFE” للأسلحة بقيمة 150 مليار يورو، متاحة للصناعات الأوكرانية. كما يعتزم الاتحاد منح أوكرانيا قرضا بقيمة 90 مليار يورو، سيخصص ثلثاه للدفاع. وتعد الاتفاقيات الأمنية الملزمة قانونيا مع الولايات المتحدة والدول الأوروبية، إضافة إلى الوجود المحتمل لقوة متعددة الجنسيات “للراغبين”، من القضايا الكبرى في محادثات السلام الجارية. وقال غيتمانشوك: “ومع ذلك، ينظر إليهم إلى حد كبير على أنهم مكملون للجيش الأوكراني وليسوا بديلا عنه”. وبالنسبة للرئيس الأوكراني فولوديمير زيلينسكي، يعني ذلك بناء قدرات أوكرانيا الدفاعية الخاصة لردع روسيا. وقال: “مع وجود مثل هذا الجار، يجب أن يكون الأوكرانيون سادة فعالين في الدفاع عن دولتهم، حتى تظل أوكرانيا مستقلة وحرة من روسيا دائما”.
النتائج
تعكس المقاربة الأوكرانية الجديدة تجاه الأمن والدفاع تحولا استراتيجيا عميقا فرضته تجربة الحرب وطبيعة الضمانات الأمنية غير الموثوقة. فمع تراجع احتمالات الانضمام السريع إلى حلف الناتو، وتزايد الشكوك حول مصداقية التعهدات الغربية، باتت كييف تتجه نحو نموذج دفاعي يقوم على الردع الذاتي بوصفه الضمانة الأكثر واقعية لاستقلالها بعد الحرب.
من المرجح أن يتركز مستقبل الأمن الأوكراني على بناء جيش دائم وكبير قادر على خوض حرب طويلة الأمد إذا لزم الأمر، مع التركيز على النوعية بقدر الكمية. وسيكون تطوير الصناعات الدفاعية المحلية حجر الزاوية في هذه الاستراتيجية، ليس فقط لتلبية الاحتياجات العسكرية، بل كذلك لتقليص الاعتماد على الدعم الخارجي الذي قد يتأثر بتغيرات سياسية في العواصم الغربية. ومن المرجح أن تتحول أوكرانيا إلى واحدة من أكثر الدول الأوروبية اعتمادا على الابتكار العسكري، خصوصا في مجالات الطائرات المسيرة، والحرب الإلكترونية، والصواريخ بعيدة المدى.
في المقابل، ستظل الضمانات الأمنية الغربية عاملا مساعدا، لكنها لن تشكل الأساس الحاسم في الحسابات الاستراتيجية الأوكرانية. فحتى الاتفاقيات الأمنية الملزمة أو الوجود العسكري الرمزي للحلفاء سيبقى، من منظور كييف، مكملا لقوة الردع الوطنية لا بديلا عنها. ويعني ذلك أن أوكرانيا ستسعى إلى فرض كلفة باهظة على أي هجوم روسي محتمل، عبر القدرة على استهداف العمق الروسي عسكريا واقتصاديا.
يواجه هذا المسار تحديات كبيرة، أبرزها التمويل، وإدارة الموارد البشرية، وإعادة دمج المجتمع في نموذج تعبئة طويل الأمد دون إنهاك داخلي. وإذا نجحت كييف في تحقيق هذا التوازن، فإنها قد تفرض واقعا أمنيا جديدا في أوروبا الشرقية، تتحول فيه من دولة تبحث عن ضمانات خارجية إلى قوة ردع قائمة بذاتها، قادرة على فرض الاستقرار بالقوة لا بالوعود.
رابط مختصر.. https://www.europarabct.com/?p=114509
*حقوق النشر محفوظة إلى المركز الأوروبي لدراسات مكافحة الإرهاب والاستخبارات
