خاص ـ المركز الأوروبي لدراسات مكافحة الإرهاب والاستخبارات ـ ألمانيا وهولندا ECCI
الأمن الدولي ـ قمة أوكرانيا في برلين، نقطة تحول حاسمة في مسار مفاوضات السلام
اعتبر المستشار الألماني فريدريش ميرتس يوم 15 ديسمبر 2025 أن المباحثات بين الوفدين الأمريكي والأوكرانيفي برلين أوجدت “فرصة لعملية سلام حقيقية”، مشيدا بعرض الولايات المتحدة ضمانات أمنية قوية. وقال ميرتس في مؤتمر صحافي مشترك مع الرئيس الاوكراني فولوديمير زيلينسكي “لدينا الآن فرصة لعملية سلام حقيقية”، واصفا الضمانات الأمنية التي اقترحتها واشنطن لأوكرانيا بأنها “خطوة مهمة إلى الأمام”. من جانبه قال الرئيس الأوكراني فولوديمير زيلينسكي إن مسألة الأراضي لا تزال قضية شائكة في محادثات السلام لإنهاء الحرب الروسية على أوكرانيا، لكنه عبر عن اعتقاده بأن الولايات المتحدة ستساعد كييف في التوصل إلى حل وسط. وأضاف في حديثه للصحفيين في برلين أن أوكرانيا مستعدة للعمل العادل الذي يؤدي إلى اتفاق سلام قوي، وأن مفاوضي كييف سيواصلون التحدث إلى نظرائهم الأمريكيين.
الضمانات الأمنية
تأتي قمة برلين حول أوكرانيا يومي 14 و 15 ديسمبر 2025في لحظة شديدة الحساسية، حيث يتقاطع الإرهاق العسكري مع الضغوط السياسية، ويتراجع هامش المناورة أمام جميع الأطراف. فالقمة لا تُعقد في سياق تقدم ميداني أو تفوق تفاوضي، بل في ظل إدراك أوروبي متزايد بأن الحرب دخلت مرحلة الاستنزاف المفتوح، وأن أي حديث عن السلام لم يعد ترفًا سياسيًا، بل ضرورة أمنية. في صلب النقاشات برز ملف الضمانات الأمنية باعتباره العقدة الأكثر تعقيدًا. أوكرانيا، التي ترى في تجارب الماضي درسا قاسيا، لم تعد تقبل بتعهدات سياسية فضفاضة أو بيانات دعم غير ملزمة. من وجهة نظر كييف، فإن أي تسوية لا تتضمن ضمانات ردع حقيقية تعني تأجيل الحرب لا إنهاءها. لذلك تطالب بضمانات قانونية، مدعومة أمريكيا وأوروبيا، تشمل دعما عسكريا طويل الأمد، وربما حضورا عسكريا رادعا، ولو بصيغ غير مباشرة.
لكن هذه المطالب تصطدم بواقع أوروبي متردد، فالعواصم الأوروبية، وعلى رأسها برلين وباريس، تدرك أن الانتقال من الدعم إلى الالتزام الدفاعي الصريح يفتح الباب أمام مواجهة مباشرة مع روسيا، وهو سيناريو لا توجد شهية سياسية أو شعبية له. لذلك يجري البحث عن صيغ وسطية: اتفاقات أمنية ثنائية، تعهدات دعم مشروطة، أو نماذج “ردع غير مباشر” لا ترقى إلى مظلة دفاع جماعي شبيهة بالمادة الخامسة في الناتو. هذا التردد الأوروبي يجعل الضمانات الأمنية، التي تطالب بها أوكرانيا، أقل صلابة مما ترغب به كييف، وأكثر هشاشة مما يتطلبه ردع موسكو.
أما مسألة التنازل عن الأراضي، فهي الأكثر حساسية سياسيا ونفسيا. رسميا، ترفض أوكرانيا أي اعتراف بخسارة أراض، وتؤكد تمسكها بوحدة أراضيها. لكن خلف الكواليس، يُدرك الجميع أن هذا الملف مطروح، ولو بصيغ غير معلنة. بعض العواصم الأوروبية ترى أن تسوية واقعية قد تتطلب قبولا أوكرانيا مؤلما بترتيبات مؤقتة أو “تجميد للنزاع” في مناطق معينة، مقابل وقف القتال والحصول على ضمانات أمنية.
المعضلة هنا أن أي تنازل إقليمي، حتى لو كان غير مُعلن أو مؤقت، يحمل مخاطر داخلية كبيرة على القيادة الأوكرانية، ويُنظر إليه روسيا كنقطة ضعف يمكن البناء عليها مستقبلًا. في المقابل، فإن الإصرار على استعادة كل الأراضي بالقوة العسكرية يبدو، في ظل المعطيات الحالية، هدفا يتجاوز الإمكانات الواقعية.
ما هو وضع المحادثات؟
لم يُعلَن في البداية عن نتائج ملموسة، كان زيلينسكي يسعى خلال المحادثات إلى مناقشة أحدث مقترحاته بشأن خطة السلام التي طرحها الرئيس الأمريكي دونالد ترامب. ووفقًا لكييف، يتعلق الأمر بخطة من 20 نقطة، يُفترض أن تنتهي بوقف لإطلاق النار. كانت الخطة التي قدمها ترامب في الأصل قد قوبلت بانتقادات واعتُبرت بمثابة قائمة مطالب لموسكو. تُعد أكثر النقاط حساسية مسألة الضمانات الأمنية، أي كيفية ردع روسيا عن شن هجوم جديد على أوكرانيا، إلى جانب مسألة التنازل المحتمل عن أراضٍ. سيعتمد مدى ثقة زيلينسكي بنفسه في المحادثات مع الممثلين الأمريكيين على مستوى الدعم الذي يمكن أن يضمنه له الأوروبيون. يشمل ذلك مسألة ما إذا كان بإمكان كييف التعويل على مليارات من الأصول الروسية المجمدة في الاتحاد الأوروبي. ترغب بروكسل في إتاحة استخدام هذه الأموال لصالح كييف، في حين كانت لواشنطن تصورات مختلفة. ووفقًا للمقترح الأمريكي الأصلي، لم يكن من المفترض أن تذهب هذه الأموال حصريًا إلى أوكرانيا، بل كذلك إلى الولايات المتحدة وروسيا.
ما الدور الذي يلعبه المستشار ميرتس؟
لم يأتِ تبدّل نبرة المستشار الألماني في قمة برلين من فراغ، بل يعكس إعادة تموضع محسوبة فرضتها تطورات داخلية وخارجية متزامنة. فبرلين، التي لعبت في مراحل سابقة دور “كابح” لأي مسار تفاوضي لا يضمن أوكرانيا بالكامل، وجدت نفسها أمام معادلة جديدة تقلّص فيها هامش المناورة. أول هذه العوامل هو التراجع الميداني الأوكراني، فالوضع العسكري على الجبهات لم يعد يسمح بترف الخطاب المتشدد، القيادة الألمانية تدرك أن استمرار الحرب بالوتيرة الحالية لا يخدم الاستقرار الأوروبي، بل يفاقم المخاطر الأمنية، من الهجرة غير النظامية إلى استنزاف القدرات العسكرية والاقتصادية. هذا الواقع دفع برلين إلى تبني لغة أكثر براغماتية، والاعتراف بوجود تقدّم ولو محدود، بدل الظهور كطرف يعرقل أي مسار سياسي.
العامل الثاني يتمثل في الضغط الأمريكي غير المباشر، مع تغير أولويات واشنطن وتراجع انخراطها التفصيلي، لم يعد مقبولًا أن تبقى أوروبا في موقع الرافض دون تقديم بدائل. ألمانيا، بصفتها القوة الأوروبية الأثقل سياسيا واقتصاديا، باتت مطالبة بلعب دور الميسر لا المعطّل، وإلا فقدت نفوذها في إدارة الملف الأوكراني لصالح ترتيبات تُصاغ خارج أوروبا. هناك اعتبارات داخلية ألمانية. الرأي العام الألماني بات أكثر حساسية تجاه كلفة الحرب، سواء من حيث الطاقة أو الميزانية أو المخاوف الأمنية. الحديث عن تقدّم في المفاوضات يوفّر للحكومة هامشا سياسيا لطمأنة الداخل، دون الالتزام الفوري بتنازلات أو قرارات صعبة، خصوصًا في ملف الضمانات الأمنية أو نشر قوات.
أن برلين تسعى إلى إعادة تموضعها كقائد أوروبي مسؤول. فالإصرار على خطاب الرفض المطلق كان سيضع ألمانيا في مواجهة شركاء أوروبيين باتوا أكثر انفتاحًا على مقاربات تسوية تدريجية. من هنا، جاء التحول في الخطاب كرسالة سياسية: ألمانيا لا تعرقل السلام، لكنها في الوقت نفسه لا تتخلى عن شروطها الأساسية. فإن توصيف المستشار لـ”التقدّم” لا يعني بالضرورة اختراقا حقيقيا، بل هو تقدّم إجرائي لا جوهري: استمرار الحوار، قبول مناقشة ملفات كانت محرّمة سابقًا، مثل الضمانات الأمنية وحدود التنازل. هذا الاستخدام الحذر للمصطلح يسمح لبرلين بالحفاظ على التوازن بين دعم أوكرانيا وعدم إغلاق باب التسوية. يمكن للمستشار ميرتس أن يسجل نجاحًا بالفعل، فمجرد جلوس وفد أمريكي رفيع المستوى لساعات مع الرئيس الأوكراني في مقر المستشارية لم يكن أمرًا بديهيًا. يعزز هذا اللقاء الدور القيادي المتنامي الذي تلعبه ألمانيا في دعم أوكرانيا داخل أوروبا. يطالب كل من الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون ورئيس الوزراء البريطاني كير ستارمر بدور مماثل لبلديهما، إلى جانب نحو اثني عشر من قادة الدول والحكومات الأوروبية.
ما أصعب القضايا من منظور الاتحاد الأوروبي؟
تُعد من وجهة النظر الأوروبية، مسألة الضمانات الأمنية هي الأكثر تعقيدًا. ففي بروكسل يُفترض أن أوكرانيا قد تكون مستعدة لتقديم تنازلات مؤلمة في القضايا الإقليمية لصالح روسيا، إذا حصلت في المقابل على تعهدات قانونية ملزمة من الأمريكيين وشركاء الناتو الأوروبيين بتقديم دعم عسكري شامل. يجب أن تكون هذه الضمانات، من وجهة نظر أوكرانيا، واسعة بما يكفي لردع روسيا بشكل موثوق عن شن هجوم جديد. أما بالنسبة للأوروبيين والأمريكيين، فيبرز السؤال حول مدى استعدادهم للذهاب بعيدًا في تقديم هذه الضمانات، وما إذا كانوا مستعدين في حال الطوارئ لدعم أوكرانيا عبر نشر قواتهم المسلحة. تسعى برلين إلى التوصل إلى اتفاق ملزم قانونيًا تقف خلفه الدول الأوروبية الأعضاء في الناتو، وتحظى بدعم الولايات المتحدة.
ماذا يريد الاتحاد الأوروبي أن يفعل بالأصول الروسية؟
اقترحت رئيسة المفوضية الأوروبية أورسولا فون دير لاين استخدام الأصول الروسية لمنح قروض لأوكرانيا، ووفقًا للمقترح، لن تستعيد موسكو هذه الأموال إلا إذا قدمت، بعد انتهاء الحرب، تعويضات عن الأضرار التي تسببت بها. في أفضل الأحوال، من المقرر إقرار تنفيذ الخطة خلال ديسمبر 2025 في اجتماع قادة دول الاتحاد الأوروبي. لا تزال بلجيكا، حتى الآن، تعرقل القرار بوصفها طرفًا مهمًا، إذ ترى الحكومة البلجيكية مخاطر قانونية ومالية كبيرة، وتخشى على وجود مؤسسة “يوروكلير” المالية البلجيكية. كان هذا الكيان، بصفته جهة حفظ مركزية، يدير مؤخرًا نحو 185 مليار يورو من أصول البنك المركزي الروسي، يُفترض استخدامها، ولو مؤقتًا، لصالح أوكرانيا.
ما موقف أوكرانيا؟
يمكن اختصار موقف أوكرانيا بعبارة “نعم، لكن…”. فالتحدي بالنسبة لكييف يتمثل في إقناع واشنطن بأنها تدعم النقاط الرئيسية لخطة السلام، مع وضع شروط إضافية في الوقت نفسه تجعل قبول الخطة من الجانب الروسي مستبعدًا. ويتضح ذلك في المسألة المحورية المتعلقة بالتنازل عن الأراضي. ألمح زيلينسكي إلى إمكانية انسحاب القوات الأوكرانية من الأجزاء المتبقية من إقليم دونباس، لكنه يطالب في المقابل بانسحاب روسي من المنطقة، وهو مطلب غير مقبول لموسكو. ينطبق الأمر نفسه على القضية الثانية ذات الأهمية القصوى لكييف، وهي الانضمام إلى حلف الناتو. يمكن كذلك لزيلينسكي تصور شكل من أشكال التنازل، إذا حصل في المقابل على ضمانات أمنية ثنائية مماثلة من الولايات المتحدة. غير أن كييف تتوقع أكثر من مجرد أموال وتسليم أسلحة، إذ ينبغي أن تشمل الضمانات، على الأقل، وجودًا عسكريًا رادعًا.
ما موقف روسيا من مفاوضات السلام؟
من وجهة نظر الكرملين، لا تتوقع روسيا خيرًا من مشاركة الأوروبيين في المفاوضات، ويتهم الرئيس الروسي فلاديمير بوتين الاتحاد الأوروبي بالإبقاء على الحرب عبر تزويد أوكرانيا بالأسلحة. تحذر موسكو من استخدام أصولها المليارية المجمدة في بلجيكا لتمويل الحرب بشكل إضافي. ورغم أن بوتين أبدى استعداده للتفاوض، فإنه شدد في الوقت نفسه على أن موسكو قادرة على تحقيق أهدافها العسكرية في ساحة المعركة إذا فشلت الجهود الدبلوماسية. يصر بوتين قبل كل شيء على استبعاد عضوية أوكرانيا في الناتو بشكل دائم وملزم قانونيًا.
فمن وجهة نظر الكرملين، كان سعي أوكرانيا للانضمام إلى الحلف هو الشرارة الأولى لبداية حرب أوكرانيا في فبراير 2022. تكمن المعضلة الكبرى الثانية بالمطالب الإقليمية الروسية، حيث يطالب الكرملين كييف بسحب قواتها كذلك من تلك الأجزاء في إقليم دونباس الصناعي المتنازع عليه، التي لم تتمكن روسيا حتى الآن من السيطرة عليها، وما زالت تحت إدارة أوكرانية. وقبيل محادثات برلين، أشادت روسيا بدور الولايات المتحدة. يقول يوري أوشاكوف، مستشار بوتين للشؤون الخارجية، بعد محادثات مع المبعوث الأمريكي ستيف ويتكوف، الذي يفترض أن ينقل موقف الكرملين في برلين: “الأمريكيون لا يعرفون موقفنا فحسب، بل يفهمونه كذلك”.
كيف هو الوضع على الجبهة؟
يتدهور الوضع بالنسبة للقوات الأوكرانية على معظم محاور القتال. فقد سقطت مدينة بوكروفسك ذات الأهمية الاستراتيجية، وتهدد وحدات أوكرانية متبقية في مدينة ميرنوهراد المجاورة بالحصار. تدور في مدينة كوستيانتينيفكا المعارك بالفعل، ومع سقوط سيفيرسك قد تقترب الجبهة مجددًا من مدينة سلوفيانسك الكبرى. تتعرض الدفاعات الأوكرانية في إقليم زابوريجيا الجنوبي لهزات متكررة. ففي منطقة هوليابولي أُوقِف اختراق روسي بصعوبة في الوقت الراهن. تبرز المشكلة الأساسية لأوكرانيا، وهي نقص الجنود، في جميع الجبهات. ومن غير المرجح أن يغير القرار الأخير القاضي بإبقاء إحصاءات الفرار من الخدمة سرية من هذا الاتجاه العام.
النتائج
ـ يعكس انعقاد قمة برلين حول أوكرانيا لحظة سياسية مفصلية، ليس فقط لمسار الحرب، بل لمكانة أوروبا في إدارة أحد أخطر النزاعات على حدودها الشرقية. فبعد سنوات من الاعتماد شبه الكامل على المظلة الأمريكية، تجد العواصم الأوروبية نفسها أمام اختبار حقيقي لمدى قدرتها على الانتقال من دور الداعم إلى دور الفاعل والمؤثر في صياغة التسويات.
ـ من الناحية السياسية، تكشف القمة عن إدراك أوروبي متزايد بأن استمرار الحرب بصيغتها الحالية يحمل كلفة استراتيجية واقتصادية وأمنية طويلة الأمد. فالتراجع النسبي في الانخراط الأمريكي، وتبدل أولويات واشنطن الداخلية والخارجية، يفرضان على الاتحاد الأوروبي البحث عن أدوات مستقلة للتأثير، سواء عبر الضمانات الأمنية، أو من خلال توظيف الأصول الروسية المجمدة كورقة ضغط سياسية وقانونية. غير أن هذا المسار لا يزال محفوفًا بتباينات داخلية، أبرزها التحفظات القانونية والمالية لبعض الدول، ما يحد من سرعة اتخاذ القرار الأوروبي الموحد.
ـ أمنيًا، تبرز مسألة الضمانات الأمنية بوصفها العقدة الأكثر تعقيدًا. فالدول الأوروبية تدرك أن أي تسوية لا تتضمن ترتيبات ردع حقيقية ستبقى هشة وقابلة للانهيار، كما حدث في تجارب سابقة. وفي المقابل، يظل الالتزام العسكري المباشر، سواء عبر نشر قوات أو تقديم تعهدات دفاعية ملزمة، خيارًا يثير ترددًا عميقًا لدى عدد من العواصم، خشية الانزلاق إلى مواجهة مفتوحة مع روسيا. ومن هنا، يُرجح أن تتجه أوروبا نحو صيغ وسطية تجمع بين الدعم العسكري طويل الأمد، والحضور الرمزي أو المحدود للقوات، دون الوصول إلى مظلة دفاع جماعي كاملة.
ـ ميدانيًا، تضع التطورات على الجبهة الأوكرانية ضغطًا إضافيًا على كييف وحلفائها. فتراجع الوضع العسكري الأوكراني، ونقص الموارد البشرية، يضعفان موقع التفاوض، ويمنحان موسكو هامش مناورة أوسع. ومع ذلك، تدرك روسيا بدورها أن تحقيق نصر حاسم بات مكلفًا، وأن استمرار الحرب يستنزف قدراتها الاقتصادية والسياسية، ما يفتح نافذة محدودة للتفاوض، وإن بشروط صارمة.
ـ لم يغيّر المستشار الألماني موقفه لأن شروط السلام نضجت، بل لأن كلفة الاستمرار في التعطيل أصبحت أعلى من كلفة الانخراط الحذر. الحديث عن “تقدّم” هو إدارة سياسية للأزمة، لا إعلانًا عن اختراق حاسم في المفاوضات.
ـ مستقبليًا، من المرجح أن تمهد قمة برلين لمسار تفاوضي طويل ومتدرج، أكثر من كونها بوابة لاتفاق سلام سريع. وستتركز المرحلة المقبلة على إدارة الصراع وخفض حدته، بدل حسمه نهائيًا. وفي هذا السياق، ستسعى أوروبا إلى ترسيخ دورها كضامن أمني واقتصادي، بينما ستبقى نتائج أي تسوية مرهونة بقدرتها على الحفاظ على وحدة الموقف، وبمدى استعداد واشنطن للانخراط، ولو من الخلف، في معادلة الردع والاستقرار.
ـ إنقمة برلين، بهذا المعنى، لم تكن ساحة لاتخاذ قرارات حاسمة، بقدر ما كانت مساحة لقياس حدود الممكن. فهي كشفت عن فجوة واضحة بين ما تريده أوكرانيا لضمان أمنها، وما تستطيع أوروبا تقديمه دون الانزلاق إلى مواجهة مباشرة مع روسيا. كما أظهرت أن الحديث عن السلام لا يزال محكومًا بمنطق إدارة الصراع، لا حسمه. أن الضمانات الأمنية والتنازل عن الأراضي ليسا ملفين منفصلين، بل وجهان لمعادلة واحدة: كلما ضعفت الضمانات، ارتفعت كلفة التنازل، وكلما تراجعت فرص التنازل، زادت الحاجة إلى ضمانات أقوى. وبين هذين الحدين، تتحرك أوروبا بحذر، فيما تدفع أوكرانيا ثمن الانتظار على الجبهة.
*حقوق النشر محفوظة إلى المركز الأوروبي لدراسات مكافحة الارهاب والاستخبارات ـ ألمانيا وهولندا ECCI
رابط مختصر.. https://www.europarabct.com/?p=112776
