خاص ـ المركز الأوروبي لدراسات مكافحة الإرهاب والاستخبارات ـ ألمانيا وهولندا ECCI
يريد الرئيس الأمريكي، دونالد ترامب، أن يوظف قوة شخصيته في إبرام اتفاق، معتقدًا أن ستة أشهر من تعنت موسكو قد تُتجاوز بلقاء وجهاً لوجه مع الكرملين. ويبدو أنه ما زال متمسكًا بفكرة إمكانية إقناع الكرملين بوقف الحرب، رغم أن نظيره الروسي طرح مؤخرًا موقفًا متشدّدًا، يعتبر فيه أن الشعبين الروسي والأوكراني شعب واحد، وأن أي أرض يطأها جندي روسي هي روسيا.
يسعى فلاديمير بوتين لكسب الوقت، بعد أن رفض بالفعل مقترح وقف إطلاق نار غير مشروط قدّمته أوروبا، والولايات المتحدة، وأوكرانيا في مايو 2025، وعرض بدلاً منه وقفًا أحادي الجانب لمدد قصيرة وغير مؤثرة. وتشن قواته هجومًا واسعًا على الجبهات، قد يقرّبه من أهدافه لدرجة تجعل المفاوضات في الخريف تدور حول واقع ميداني مختلف تمامًا.
إذا التقى الرجلان، فإن أحد الأهداف الأمريكية الظاهرة هو عقد قمة ثلاثية تضم الرئيس الأوكراني، فولوديمير زيلينسكي، لبحث إنهاء الحرب، وهو الشكل نفسه للقمة الذي رفضته روسيا في إسطنبول في مايو 2025. أما الهدف الروسي المرجح، فهو جرّ ترامب للانخراط في سردية موسكو. ورغم أن القمة طُرحت من قبل، وتم تأجيلها من قبل، فقد تُعقد هذه المرة، وهو ما يثير التساؤل حول كيف يمكن أن تنتهي الحرب. وفيما يلي خمسة سيناريوهات محتملة:
اتفاق بوتين على وقف إطلاق نار غير مشروط
احتمال ضعيف للغاية، فمن غير المرجح أن يوافق بوتين على وقف إطلاق النار مع بقاء خطوط الجبهة كما هي، فقد طالبت الولايات المتحدة، وأوروبا، وأوكرانيا بالفعل بمثل هذا التوقف في مايو 2025 تحت تهديد العقوبات، لكن روسيا رفضته. تراجع ترامب عن العقوبات، مفضلاً محادثات منخفضة المستوى في إسطنبول، لكنها لم تسفر عن شيء. كما أن وقف إطلاق النار لمدة 30 يومًا مطلع العام 2025، لحماية البنية التحتية للطاقة، لم يحقق نجاحًا يُذكر.
الكرملين يحوّل المكاسب الميدانية الصغيرة إلى مزايا استراتيجية، ولن يرى أي جدوى من التوقف وهو في ذروة تقدمه. وحتى التهديد بفرض عقوبات ثانوية على الصين والهند، اللتين تبدوان غير مستعدتين للرضوخ للضغط الأمريكي، لن يغيّر الحسابات العسكرية الروسية حتى أكتوبر 2025، على الأقل، سيواصل بوتين القتال لأنه يعتقد أنه يربح.
المزيد من المحادثات
قد تتفق المحادثات على جولة أخرى لاحقًا، ترسّخ مكاسب روسيا عندما يحلّ نوفمبر 2025، فتتجمد الجبهات عسكريًا وفعليًا بحلول أكتوبر 2025. قد يكون بوتين قد استولى على مدن بوكروفسك، وكوستيانتينيفكا، وكوبيانسك في الشرق، ما يمنحه موقعًا قويًا وإعادة التجمع. بعدها، يمكن لروسيا أن تستأنف القتال في 2026، أو تستخدم الدبلوماسية لجعل هذه المكاسب دائمة. وقد يثير بوتين موضوع الانتخابات في أوكرانيا، المؤجلة بسبب الحرب، وكانت لفترة وجيزة موضع حديث ترامب، للتشكيك في شرعية زيلينسكي، وربما محاولة استبداله بمرشح أكثر قربًا لموسكو.
صمود أوكرانيا لعامين قادمين
في هذا السيناريو، تساعد المساعدات العسكرية الأمريكية والأوروبية أوكرانيا على تقليص الخسائر الميدانية، ويدفع ذلك بوتين للحديث، بعدما يفشل جيشه مجددًا في تحقيق الحسم. قد تسقط بوكروفسك، وتتعرض معاقل أوكرانية شرقية أخرى للخطر، لكن التقدم الروسي قد يتباطأ كما حدث سابقًا، وربما يشعر الكرملين بوطأة العقوبات وتدهور الاقتصاد.
وضعت القوى الأوروبية بالفعل خططًا متقدمة لـ “قوة طمأنة” تُنشر في أوكرانيا كجزء من ضمانات أمنية. ويمكن لهذه القوات، وهي عشرات الآلاف من جنود الناتو الأوروبيين، أن تتمركز حول كييف ومدن رئيسية أخرى، لتقديم الدعم اللوجستي والاستخباري أثناء إعادة إعمار أوكرانيا، وخلق ردع كافٍ قد يدفع موسكو لترك خطوط الجبهة كما هي. هذا هو أفضل ما يمكن أن تأمله أوكرانيا.
كارثة لأوكرانيا وحلف الناتو
قد يرى بوتين فرصة في الانقسامات الغربية بعد قمة مع ترامب تحسّن العلاقات الأمريكية الروسية، لكنها تترك أوكرانيا تواجه مصيرها بمفردها. قد تبذل أوروبا أقصى جهدها لدعم كييف، لكنها تفشل في قلب الموازين بدون الدعم الأمريكي. حينها، قد تتحول المكاسب الصغيرة في شرق أوكرانيا إلى انهيار تدريجي لقواتها في الأراضي المنبسطة بين الدونباس والمدن المركزية مثل دنيبرو، وزابوريجيا، وحتى العاصمة.
قد تنهار الدفاعات الأوكرانية، ويتحول نقص الأفراد العسكريين إلى أزمة سياسية عندما يطالب زيلينسكي بالتعبئة العامة لدعم الدفاع. يقترب الخطر من كييف مجددًا. ترى القوى الأوروبية أنه من الأفضل قتال روسيا في أوكرانيا بدلًا من قتالها لاحقًا داخل أراضي الاتحاد الأوروبي، لكنها تفتقر للشرعية السياسية لدخول حرب من أجل أراضٍ أوكرانية. يمضي بوتين قدمًا، ويفشل الناتو في تقديم رد موحد، ويعد هذا كابوس أوروبا، ونهاية سيادة أوكرانيا.
تكرار السيناريو السوفيتي في أفغانستان
قد تستمر روسيا في الاستنزاف البشري، بخسارة آلاف الجنود أسبوعيًا مقابل مكاسب ضئيلة، بينما تؤدي العقوبات إلى تآكل تحالفها مع الصين وتراجع إيراداتها من الهند. قد تبدأ احتياطيات صندوق الثروة السيادي في النضوب، وتتراجع العوائد المالية. يتزايد الاستياء بين النخبة في موسكو من رفض الكرملين الحلول الدبلوماسية، وإصراره على حرب لا نهاية لها مع الناتو بالوكالة. يصبح ترامب رئيسًا ضعيفًا، ويعود التركيز الأمريكي بعد الانتخابات النصفية إلى السياسة التقليدية المناهضة لموسكو وبكين.
قد تصل الكرملين لحظة يصبح فيها العناد أمام الحقائق الميدانية والمعاناة الاقتصادية للشعب أمرًا خطيرًا. وقد شهدت روسيا مواقف ضعف مفاجئة من قبل، كما حدث عندما قاد يفغيني بريغوجين تمردًا قصير الأمد باتجاه العاصمة. يبدو بوتين قويًا على الساحة، حتى يظهر ضعيفًا فجأة، وحينها قد ينكشف ضعف خطير. حدث ذلك سابقًا للاتحاد السوفيتي التوسعي، وقد يحدث مجددًا لبوتين.
لا يوجد أي خيار جيد لأوكرانيا، خيار واحد فقط يعني الهزيمة الفعلية لروسيا كقوة عسكرية وتهديد لأمن أوروبا. ولا يمكن لأي من هذه السيناريوهات أن ينبثق من لقاء ترامب وبوتين وحده، دون أن تكون أوكرانيا طرفًا في أي اتفاق لاحق.
النتائج
تشير المعطيات إلى أن موسكو ما زالت في موقع الهجوم، مستفيدة من المكاسب التدريجية، وأن أي وقف لإطلاق النار في المدى القريب غير مرجح.
السيناريوهات تتراوح بين حلول دبلوماسية تُرسّخ الوضع الحالي، وصمود أوكراني مدعوم غربيًا، وانهيار دفاعاتها في حال تراجع الدعم الأمريكي، وحتى انهيار روسي يشبه الفشل السوفيتي في أفغانستان.
المستقبل القريب (حتى نهاية 2025) يبدو أكثر ميلًا لسيناريو تجميد الصراع أو استمرار المعارك بوتيرة أقل مع تغييرات طفيفة في خطوط الجبهة، بينما يبقى الحسم العسكري الكامل لأي طرف بعيدًا.
على المدى البعيد، فإن تماسك الدعم الغربي لكييف سيكون العامل الحاسم، سواء في منع الانهيار الأوكراني أو في فرض تسوية على موسكو. اللقاء بين ترامب وبوتين إن تم قد يفتح بابًا للحوار، لكنه لن يغير جذريًا مسار الحرب ما لم تُضم أوكرانيا مباشرة في المفاوضات.
رابط مختصر.. https://www.europarabct.com/?p=107237
