
خاص ـ المركز الأوروبي لدراسات مكافحة الإرهاب والاستخبارات، ألمانيا وهولندا ECCI، وحدة الدراسات والتقارير “1”
بقلم المحامي د. جاد طعمه
قرار نزع سلاح حزب الله: هل ندفع الدماء اللبنانية ثمناً للأجندة الأميركية؟
في قصر بعبدا، حيث اتُخذ القرار المصيري، تُختزل الدراما السياسية في مشهد لبنان الحديث. الجلسة الثانية لمجلس الوزراء، التي عُقدت تحت عنوان “استكمال مناقشة البند الأول المتعلق بنزع السلاح والورقة الأميركية”، لم تكن مجرد نقاش روتيني، بل اختبار وجودي للدولة اللبنانية في فترة ما بعد الحرب التكنولوجية التي وقعت في العام 2024، والتي أعادت تشكيل معادلات القوة وانتهت باتفاقية وقف إطلاق النار المثيرة للجدل.
جميع القيادات، بما فيها قيادة “المقاومة”، تدرك أن الأمور مختلفة هذه المرة، فالضغوط الدولية غير مسبوقة، وحسابات النخب السياسية متشابكة مع خيوط الفساد العابرة للقارات، أما المزاج الشعبي العالمي فأصبح رقيباً لا يُستهان به بعد مشاهد القتل وجرائم الحرب التي لا يبدو أنها ستنتهي، بعد أن هزّت الضمير الغربي للمواطنين، وطبعاً ليس لمعظم السياسيين.
المفارقة الدستورية اللبنانية: بين الطائف وباراك
قرار الحكومة بتكليف الجيش وضع خطة لنزع سلاح حزب الله بحلول نهاية 2025 ليس جديداً في جوهره، فوثيقة الوفاق الوطني، أي اتفاق الطائف لعام 1989، كانت توجب حل الميليشيات وتسليم أسلحتها للدولة الشرعية خلال ستة أشهر. لكن الجديد اليوم هو الآلية الزمنية الأميركية الصارمة التي حددت 120 يوماً ضمن أربع مراحل على لبنان الالتزام بها، واليوم يصل الضغط الدولي حدّ التهديد بتفعيل الفصل السابع من ميثاق الأمم المتحدة، والبعض يهلل لهذا التوجّه، لكن هؤلاء يغفلون أن مثل هذا القرار يتطلب تصويتاً في مجلس الأمن قد تواجهه معارضة روسية وصينية في ظل الانقسام الدولي حول الملف اللبناني. فاللجوء إلى تطبيق هذا الفصل يتيح فرض عقوبات اقتصادية وعسكرية، لكنه يصطدم بمواد في ميثاق الأمم المتحدة تحظر التدخل في الشؤون الداخلية للدول.
المفارقة الأكبر في قراءة المستجدات على الساحة اللبنانية أنه بينما ترفع الأطراف شعار “السيادة”، يُكشف النقاب عن الورقة الأميركية، وهي وثيقة تفصيلية تتدخل في أدق التفاصيل الداخلية اللبنانية. من ترسيم حدود الهرمل-القصير بناءً على سجلات العام 1933، إلى تحديد مواقع حواجز الجيش اللبناني. هذه الوثيقة تتجاوز الصراع مع إسرائيل لتتصدى لعلاقة الدولة اللبنانية مع الدولة السورية عبر ترسيم الحدود البرية والبحرية ومكافحة تهريب المخدرات.

أيضاً، المفارقة أن الحكومة اللبنانية انتفضت بعد تصريحات وزير الخارجية الإيراني، لكنها لم تحرك ساكناً أمام عرض دفتر شروط أميركي لمناقشة بنودها على طاولة مجلس الوزراء المسؤول عن دولة لبنان ذات السيادة. هذا التناقض يلامس إشكالية قانونية جوهرية، فالورقة الأميركية تتعارض مع أحكام المادة 52 من ميثاق الأمم المتحدة ومبدأ سيادة الدول، لأن فرض شروط زمنية (120 يوماً) ينتهك مبدأ المساواة في السيادة بين الدول.
يٌذكر بان الحدود اللبنانية – السورية تتشابك في الجغرافيا والتاريخ والسياسة. فهي تمتد لمسافة تقارب 375 كيلومترًا، من الساحل عند العريضة شمالًا، مرورًا بسلسلة جبال لبنان الشرقية، وصولًا إلى مزارع شبعا في الجنوب الشرقي. ورغم ترسيمها على الورق منذ زمن الانتداب الفرنسي، بقيت كثير من النقاط الحدودية غامضة أو متنازعًا عليها.
البيئة الحاضنة “للمقاومة”: غضب عارم وأموال مهربة للنخب
المفاصل الخفية للأزمة تجد ضالتها في الفساد السياسي، وهو العائق الحيوي أمام مواجهة التدخلات والإملاءات الأميركية. فالسياسيون في لبنان يخشون العقوبات الأميركية التي قد تطال أموالهم المهربة، ما يجعل مصالحهم الشخصية تفوق المصلحة الوطنية. هذه الأموال المنهوبة تشكل ضمانة للصمت أو التواطؤ أو التماهي مع الأميركي. أما الانقسام الطائفي، فلا يأتي رداً على القرار الحكومي فحسب، بل هو آلية قد يكون جرى الاتفاق عليها لامتصاص غضب القاعدة الشعبية المؤمنة بالمبادئ التي يتاجر بها أهل السياسة، عبر تحويل القضية إلى صراع مذهبي وطائفي.
الورقة الأميركية المثيرة للجدل طالبت لبنان بنزع سلاح حزب الله قبل انسحاب إسرائيل من النقاط الخمس المحتلة، بينما يرى مناصرو الحزب أن تجريده من سلاحه يعني تجريد لبنان من ورقة دفاعية كانت ذات فعالية حتى تاريخ اتفاقية وقف إطلاق النار، في ظل عجز القدرات العسكرية للجيش اللبناني. ثمة سيناريو بديل لا يُستبعد يتضمن احتمال أن تكون الورقة الأميركية جزءاً من مسرحية ضغط تهدف إلى “الجمود المدبّر”. بمعنى آخر، قد لا يكون الهدف نزع السلاح الكامل، بل دفع الأطراف لتسوية، مثل حصر سلاح حزب الله في مناطق محددة أو تحويله إلى قوة أمنية تحت مظلة الجيش، مقابل بدء رفع المساعدات الاقتصادية إلى لبنان. هذا ما يتوافق مع القرار 1701 الذي حدد سابقاً نطاق عمليات الحزب دون الإصرار على نزع سلاحه.
ماذا عن العدالة الأممية من الغرب؟
لا يمكن للشر أن ينتصر على الخير، ولا أن يصبح الباطل حقاً، ولا الحق باطلاً. التغيير قادم لا محالة، لكن اتجاهه مرهون بمعادلتين:
- الأولى هي ورقة الضغط الدولي؛ إذ إن مشاهد جرائم الحرب حرّكت الرأي العام الغربي، خاصة في أوروبا، إلا أن تأثيرها الملموس على سياسات الحكومات ما زال محدوداً. فالدعم العسكري الأميركي لإسرائيل لم يتوقف. كما أن الاعتراف المتوقع بالدولة الفلسطينية خلال انعقاد الجمعية العامة للأمم المتحدة في أيلول قد يبقى رمزياً إذا لم يُرفق بضغط فعلي لوقف العدوان على غزة ومنع الإبادة الجماعية المستمرة هناك.
- أما المعادلة الثانية، والتي لا بد أن تقوم بها الحكومة اللبنانية إذا أرادت الخروج من عنق الزجاجة، فهي لعبة النوافذ الدستورية على حافة الهاوية. النصيحة الدستورية لرئيس الحكومة تكمن في إحالة القرار الحكومي الخلافي إلى البرلمان. إذا استخدم نواف سلام هذه الآلية، سينقل الصراع من مواجهة بين بعض الشعب اللبناني وحكومته إلى ساحة البرلمان، حيث رئيس مجلس النواب هو نبيه بري، وحيث هناك حضور لنواب كتلة الوفاء للمقاومة وكتلة التنمية والتحرير، إضافة إلى كل المكونات السياسية للمجتمع اللبناني، ما قد يعكس حقيقة التعاضد السياسي حول القرار الحكومي من تحت الطاولة، ولعله يكشف التواطؤ بين مختلف القوى السياسية أمام الرأي العام اللبناني.
لبنان عند مفترق الطرق
يقف لبنان عند مفترق الاستمرار في مسار بناء الدولة على الطريقة الأميركية ووفقاً للورقة التي حملها الموفد الدبلوماسي، ما قد يفتح باب إعادة الإعمار بدعم دولي. لكن التجربة التاريخية في لبنان، لا سيما مع مؤتمرات باريس، تُظهر أن الشروط السياسية غالباً ما تُفرغ وعود الدعم من مضمونها، خاصة إذا ما تم التحجج لاحقاً باستمرار الفساد في المؤسسات الرسمية اللبنانية. أما الانزلاق نحو مسار الانهيار والاقتتال الداخلي، في حال استمرار تعنت كافة الأطراف بين التمسك بنزع السلاح والإصرار على عدم الخضوع لهكذا قرار، فالأمر من شأنه أن يُدخل لبنان في نفق الفتنة الداخلية وتطبيق أحكام الفصل السابع لتحويله مجدداً إلى ساحة صراع إقليمي.
ثمة سؤال مركزي عند عرض هذه المقاربات: هل تدرك النخب السياسية في المنطقة العربية أن الأقنعة السياسية باتت تتساقط تباعاً أمام شعوبها والعالم؟ أم أن تردد الأنظمة العربية وشعوبها الخاضعة سيجعل “خلاص الشرق” مرهوناً بضمير غربي أصيب بنوبات من الوعي ولم يعد يُخدع بسهولة؟
الجواب سيُكتب في الأسابيع المقبلة وحتى ذلك الوقت، من المؤكد أن شعب لبنان هو من سيدفع الفاتورة… فهل تتغير المعادلة هذه المرة حقاً؟
