خاص ـ المركز الأوروبي لدراسات مكافحة الإرهاب والاستخبارات، ألمانيا وهولندا ECCI
الأمن الدولي ـ قراءة في نتائج قمة البيت الأبيض 2025
منذ البداية، كان اجتماعًا ذا دلالة رمزية بالغة الأهمية، فلأول مرة على الإطلاق، اجتمع هذا العدد الكبير من رؤساء الدول والحكومات الأوروبية في البيت الأبيض للقاء رئيس أمريكي. كما مثّل هذا التجمع أول اجتماع يجمع الرئيس الأوكراني فولوديمير زيلينسكي، والرئيس الأمريكي دونالد ترامب، وعددًا من كبار السياسيين الأوروبيين في واشنطن لمناقشة المسار المستقبلي لحرب أوكرانيا منذ بدايتها في فبراير 2025. حضر الاجتماع المستشار الألماني فريدريش ميرز، والرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون، ورئيسة الوزراء الإيطالية جورجيا ميلوني، ورئيس الوزراء البريطاني كير ستارمر، والرئيس الفنلندي ألكسندر ستوب، ورئيسة المفوضية الأوروبية أورسولا فون دير لاين. كما حضر الأمين العام لحلف الناتو، مارك روته.الأمن الدولي ـ قمة البيت الأبيض: ضمانات أمنية لأوكرانيا وانفتاح على حوار ثلاثي مع أوروبا
لأكثر من خمس ساعات، تناقش الطرفان حول شروط وقف إطلاق النار في الصراع الدفاعي الأوكراني ضد روسيا، وحول الضمانات الأمنية للبلاد التي تتعرض لهجوم روسي مستمر ومتصاعد، وحول الدور المستقبلي لأوروبا. ورغم عدم تحقيق أي تقدم حقيقي، كما حدث في قمة ترامب بوتين في ألاسكا 2025، إلا أن الاجتماع في العاصمة الأمريكية غيّر مسار الأمور في نقاط حاسمة.
المخرجات الستة الأكثر أهمية للقمة.
ـ لا مفاوضات بدون أوكرانيا
أعرب المستشار الألماني فريدريش ميرز في واشنطن عما يبدو الآن توافقًا بين دونالد ترامب وحلفائه الأوروبيين. أكد ميرز: “لا يمكن إجراء مفاوضات حقيقية إلا في قمة تشارك فيها أوكرانيا نفسها”. والشرط الأساسي الواضح لأي شيء آخر هو: يجب ألا تُعقد محادثات السلام المستقبلية بدون أوكرانيا.
علّق دونالد ترامب علنًا على التنازلات المحتملة من أوكرانيا: “في النهاية، هذا قرار لا يمكن اتخاذه إلا من قِبل الرئيس زيلينسكي والشعب الأوكراني، بالاتفاق مع الرئيس بوتين”. وأكد الرئيس الأوكراني استعداده لعقد اجتماع ثلاثي مع بوتين. وأضاف زيلينسكي: “نريد إنهاء هذه الحرب، وإيقاف روسيا، ونحتاج إلى الدعم لتحقيق ذلك”.
ـ وقف إطلاق النار كنقطة خلاف بين أوروبا والولايات المتحدة
بالنسبة للأوروبيين، يُعدّ وقف إطلاق النار شرطًا أساسيًا لإجراء محادثات جادة مع الرئيس الروسي. وصرّح المستشار الألماني ميرز في البيت الأبيض، مخاطبًا الرئيس الأمريكي مباشرةً: “لا أستطيع تخيّل انعقاد الاجتماع القادم دون وقف إطلاق نار”. كما أيّد الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون هذا الأمر. وقال ماكرون: “إن من أجل تنظيم مثل هذا الاجتماع الثلاثي، تُعدّ فكرة وقف إطلاق النار ضرورةً لوقف القتل، مُعبّرًا عن الموقف الأوروبي المشترك بقوله: “جميعنا ندعم هذه الفكرة”.
لا يزال ترامب يرى الأمور بشكل مختلف تمامًا. فبعد مطالبته بوتين بوقف إطلاق النار وتهديده بعواقب وخيمة، بدا موقفه مختلفًا منذ قمة ألاسكا. فوقف إطلاق النار ليس ضروريًا بالضرورة، وهو الآن يتناقض مع تصريحات المستشار الألماني في البيت الأبيض. وقال ترامب: “إنه يمكن الحديث عن السلام دون شروط مسبقة”.
قد يُشكّل هذا الخلاف الواضح مسار المفاوضات الصعبة. فبينما تُصرّ أوروبا على شروط مسبقة واضحة، يُعوّل ترامب بوضوح على السرعة والاستعراضات الضخمة، سواءً من خلال الحضور العسكري والاستعراض العسكري لبوتين في ألاسكا، أو من خلال استضافة الأوروبيين في البيت الأبيض. ويبقى السؤال الجوهري: هل ستصمت المدافع أولًا ويوقف بوتين قصفه للأراضي الأوكرانية، أم ستبدأ المحادثات بالفعل في خضم الحرب؟
ـ الدبلوماسية معقدة وتتطلب الكثير من التحضير
كان المستشار الألماني أول من حاول في البيت الأبيض تهدئة التوقعات العالية التي أثارها ترامب. وأوضح ميرز: “الخطوات التالية أكثر تعقيدًا”، وقد أيّده ترامب بشدة. وبفضل الرئيس الأمريكي، أصبح الطريق ممهّدًا منذ قمته مع بوتين في ألاسكا. وأضاف ميرز: “أن هذا الطريق ممهّد، ولكنه محفوف بـمفاوضات معقدة”.
أشاد ترامب بنفسه وسعيه لتحقيق سلام سريع بتفاؤل كبير، بدت كلمات المستشار أكثر رصانة. وحذّر ميرز قائلاً: “يجب التحضير لمثل هذه القمة جيدًا”. وتابع: “حينها فقط يمكن تحقيق تقدم حقيقي”. في المقابل، يبدو الرئيس الأمريكي مقتنعًا بأنه حتى المفاوضات السياسية المعقدة يمكن إجراؤها باستعراضات كثيرة. في الواقع، كان الأوروبيون مندهشين للغاية من أحدث خطوات ترامب. وتجلى ذلك في توجه ميرز خصيصًا لهذه القمة.
ـ في حالة التنازلات الإقليمية، يظل الخط الأحمر قائمًا
اتفق الأوروبيون على نقطة واحدة، ألا وهي التنازلات الإقليمية لروسيا غير واردة. وأوضح ميرز ذلك بمثال صارخ موجه للولايات المتحدة: “إن مطلب روسيا بأن تتخلى كييف عن أجزاء من دونباس يعادل في أهميته اقتراح الولايات المتحدة بأن تتخلى عن فلوريدا”.
لا يزال موقف دونالد ترامب غامضًا بشأن هذه القضية. فمن جهة، صرّح، على غرار الأوروبيين، بأن أوكرانيا وحدها هي من تحسم هذه القضية. ومن جهة أخرى، قبل بدء الاجتماع المشترك، كتب على حساباته على مواقع التواصل الاجتماعي أن شبه جزيرة القرم، التي ضمتها روسيا عام 2014 في انتهاك للقانون الدولي، لم يعد بإمكان أوكرانيا استعادتها.
تُعتبر هذه القضية من أكثر القضايا حساسية. بالنسبة لبوتين، فإن موقف أوكرانيا وحلفائها الأوروبيين يجعل تحقيق سلام سريع من خلال تنازلات إقليمية يبدو وهمًا. وما دام الأوكرانيون يرفضون التنازل عن هذا، فمن المرجح أن تظل المفاوضات بعيدة المنال.
أوضح ماتياس ماتيس، الباحث البارز في شؤون أوروبا بمجلس العلاقات الخارجية: “من الصعب أن نتخيل وجود أي اتفاق اليوم مقبول ويحترم الخطوط الحمراء للأوكرانيين وأوروبا وكذلك الخطوط الحمراء للروس”. الأمن الدولي ـ لقاء ترامب وبوتين في قمة الاسكا، قراءة في مستقبل الأمن الدولي
ـ ضمانات الأمن، اختراق مثير للعديد من علامات الاستفهام
إعادة ضبط العلاقات بين ترامب وزيلينسكي أمرٌ حقيقي، فمنذ لحظة إشادة ترامب بزيلينسكي، وصولًا إلى تقارب نائب الرئيس جيه دي فانس مع الرئيس الأوكراني، وعبارات الشكر الكثيرة التي قدّمها زيلينسكي، كانت الأجواء مختلفًة تمامًا عن اجتماع فبراير 2025
من أكثر نتائج قمة واشنطن إثارةً الوعد بضمانات أمنية. وعد دونالد ترامب أوكرانيا بـ”حماية لأوكرانيا”، لكنه ترك التفاصيل مفتوحةً إلى حد كبير. رحّب المستشار ميرز بهذا الإعلان صراحةً، مؤكدًا على مسؤولية أوروبا، لكنه لم يُقدّم أي تفاصيل.
أجاب المستشار الألماني ردًا على سؤال عما إذا كان سينشر قوات ألمانية في أوكرانيا: “من الواضح تمامًا أن على أوروبا بأكملها المشاركة في هذا. تتحمل ألمانيا مسؤولية كبيرة في ذلك”. وأضاف: “أنه لا يزال من السابق لأوانه الجزم بما إذا كان البرلمان الألماني سيضطر إلى اتخاذ قرارات تتطلب تفويضًا لأي عمليات عسكرية”.
مع ذلك، لم يترك ترامب مجالًا للشك فيمن يراه المسؤول الرئيسي في هذه المسألة. أكد الرئيس الأمريكي: “إنهم الأوروبيون خط الدفاع الأول، لكننا سنساعدهم حتمًا”. ولم يُؤكد رسميًا بعد تقريرٌ أوليٌّ لصحيفة “وول ستريت جورنال” الأمريكية يفيد باستعداد ترامب لنشر قوات أمريكية في أوكرانيا.
ستكون هذه خطوةً كانت تُعتبر في السابق غير واردة. أوكرانيا ليست عضوًا في حلف الناتو. ومع ذلك، بعد اتفاق سلام محتمل، قد تُستخدَم القوات الأمريكية على الأراضي الأوكرانية في عمليات قتالية في حال تجدد الصراع، مما قد يُعرِّضها لحرب مع روسيا. وهو وضعٌ محفوفٌ بالمخاطر، وقد حرصت الولايات المتحدة حتى العام 2025 على تجنُّبه.
هناك الكثير مما يوحي بضرورة وجود قوات أوروبية لتأمين أوكرانيا، مع توفير الولايات المتحدة الدعم اللوجستي والمعدات العسكرية والمعلومات الاستخباراتية في أحسن الأحوال. وتظل هذه النقطة حساسة بشكل عام، إذ تنطوي على مخاطر أمنية كثيرة للحلفاء أنفسهم. في المقابل، لا يمكن لأوكرانيا أن تثق في مجرد الالتزامات الشفهية وضمانات السلام من موسكو.
يقول جون فورمان، الملحق العسكري البريطاني السابق لدى كييف وموسكو : “الخبر السار هو أنه لم يحدث أي توتر في البيت الأبيض. لم يطالب ترامب أوكرانيا بالاستسلام ولم يقطع الدعم عنها، كانت الأجواء إيجابية، والتحالف عبر الأطلسي لا يزال قائمًا”. وتابع: “ومن ناحية أخرى، هناك قدر كبير من عدم اليقين بشأن طبيعة الضمانات الأمنية وما الذي يدور في ذهن الولايات المتحدة بالضبط”. الأمن الدولي ـ زيارة زيلينسكي والوفد الأوروبي إلى واشنطن،السيناريوهات المحتملة
ـ سادسًا: إشارات متناقضة من موسكو
لا يزال ما سيحدث بعد ذلك غير واضح. قاطع دونالد ترامب الاجتماع لفترة وجيزة ليتحدث هاتفيًا مع الرئيس الروسي فلاديمير بوتين. وأفادت التقارير بأنه تم الاتفاق على أن تتفق موسكو وكييف على لقاء فردي بين بوتين وزيلينسكي. ويُقال إن الكرملين مستعد لهذا، وأكدت دوائر التفاوض الألمانية ذلك .
ومع ذلك، صدرت إشارات متناقضة من موسكو لاحقًا، تُشير إلى أن عقد قمة على هذا المستوى بين الرئيسين ليس قيد النقاش أصلًا. في حال انعقاد مثل هذا الاجتماع، سيتبعه اجتماع ثلاثي بين ترامب وبوتين وزيلينسكي، وسيُعاد بعد ذلك إشراك الأوروبيين في المفاوضات.
يُعقد في 19 اغسطس 2025 مؤتمرٌ عبر الفيديو لـ “تحالف الراغبين”، وهو تحالف يضم أكثر من 30 دولة حول العالم مستعدة لمواصلة مساعدة أوكرانيا. ومن المقرر عقد اجتماع خاص للمجلس الأوروبي في في 19 اغسطس 2025، حيث ستُطلع الحكومات الأوروبية الأخرى على نتائج واشنطن.
النتائج
قمة واشنطن 2025 شكلت لحظة مفصلية في تطورات الصراع الأوكراني ـ الروسي، وأظهرت بوضوح الانقسامات العميقة، ولكنها أوجدت مساحات جديدة للحوار المشروط.
اللقاء الرمزي الذي جمع ترامب، زيلينسكي، وكبار القادة الأوروبيين أظهر توافقًا عامًا على ضرورة إشراك أوكرانيا في أي مفاوضات مستقبلية، مما يعزز الشرعية الأوكرانية ويغلق الباب أمام صفقات منفردة قد تضر بسيادتها.
لكن الخلاف الكبير حول وقف إطلاق النار كشرط أولي للمفاوضات يكشف عن فجوة استراتيجية بين المقاربتين الأوروبية والأمريكية. فبينما تُصرّ أوروبا على تهدئة ميدانية كمدخل للسلام، يفضّل ترامب إطلاق المفاوضات سريعًا دون شروط مسبقة، في نهج أقرب إلى “الصفقة الكبرى” منه إلى الدبلوماسية التقليدية.
أما التنازلات الإقليمية، فقد رُسمت خطوط حمراء واضحة أوروبية، وبدت أمريكا مترددة أو غامضة، وهو ما قد يُفسّر كتراجع عن مبدأ وحدة الأراضي الأوكرانية، ويمنح روسيا ورقة ضغط تفاوضية. الضمانات الأمنية، رغم كونها تطورًا إيجابيًا، لا تزال فضفاضة وغير ملموسة، وتفتح الباب لتدخلات لاحقة غير محسوبة.
لا يزال الأمر غامضًا للغاية، ويبدو من غير المرجح أن ترغب الولايات المتحدة في التبرع بأسلحة أو إرسال قوات. لكن النقاش يعود مجددًا إلى الدعم الخارجي والاستطلاع والاستخبارات وصفقات الأسلحة الكبرى.
من الواضح أن الاتجاه الأكثر جدية للمحادثات بشأن الضمانات الأمنية يثير بعض القلق في الكرملين، الذي يكرر المطالب القديمة بعدم وجود دور لقوات حلف شمال الأطلسي.
على المدى القريب، من المتوقع أن تتحرك المياه الراكدة نحو مفاوضات ثلاثية محتملة، لكنها ستواجه تعقيدات هائلة.
على المدى المتوسط، فإن مستقبل أوكرانيا قد يُعاد صياغته ليس فقط على ضوء نتائج هذه القمم، بل بناء على مدى قدرة أوروبا على تحمّل عبء أمني متزايد، في ظل تراجع أو تقلب الالتزام الأمريكي.
من المرجح الآن أن يضغط ترامب على القادة الأوكرانيين للتخلي ليس فقط عن شبه جزيرة القرم، بل عن مقاطعتي دونيتسك ولوغانسك الشرقيتين.
يبقى التحدي الأكبر هو ضمان ألا تتحوّل هذه الوعود السياسية إلى مجرد لحظات إعلامية، بل إلى مسار تفاوضي حقيقي يضمن لأوكرانيا أمنها وسيادتها بعيدًا عن حسابات القوى الكبرى.
رابط مختصر.. https://www.europarabct.com/?p=107764
