الإشتراك في نشرتنا الإخبارية المجانية

 

تابعنا على تويتر

تابعنا على فيسبوك

آخر المشاركات التلفزيونية

استطلاع رأي

هل المركز مصدر موثوق في البحث ؟

جاري التحميل ... جاري التحميل ...

الأمن الدولي ـ عودة ألمانيا العسكرية، المخاوف والانعكاسات على أمن أوروبا والعالم

أغسطس 30, 2025

 المركز الأوروبي لدراسات مكافحة الإرهاب والاستخبارات ECCI 

بون ـ  إعداد: داليا عريان ـ  باحثة في المركز الأوروبي  https://x.com/daliaessa

تعيد ألمانيا ترتيب أولوياتها السياسية والأمنية، وفقاً لتطورات المشهد السياسي على الساحة الدولية، ما دفعها لإقرار أول استراتيجية لأمنها القومي منذ الحرب العالمية الثانية، وتعزيز الصناعات العسكرية من جديد، والانتشار العسكري خارج أراضيها، ما يعني أن ألمانيا تنتقل من مرحلة “قوة اقتصادية مسالمة” إلى مرحلة “قوة عسكرية محتملة”، ورغم أن هذا التحول في سياسة ألمانيا يصب لصالح الاتحاد الأوروبي، في إطار تبنيه استراتيجية دفاع مستقلة، وتخلي الولايات المتحدة عن أوروبا في مسألة الدفاع، فإن عودة ألمانيا عسكرياً، يؤجج المخاوف على المستويين الأوروبي والأطلسي، بشأن تبعاته نظراً للخلفيات التاريخية لألمانيا قبل الحرب الباردة، وتخوف دول مثل فرنسا والولايات المتحدة من ظهور منافس داخل الناتو، على الصعيدين الأمني والسياسي.

مخاوف الداخل الأوروبي من عودة ألمانيا كقوة عسكرية

عقدة النازية والحرب العالمية الثانية

اتجاه ألمانيا إلى تسليح جيشها من جديد، أعاد للأذهان أسباب الحرب العالمية الثانية وتداعياتها، وتسببت هزيمة ألمانيا في 1918 وإبرام معاهدة فرساي، في تكبدها خسائر اقتصادية لتنازلها عن أراضي وممتلكات ونزع سلاحها، وبالتبعية ظهر تيار سياسي قومي متطرف وتنظيمات شبه عسكرية، وتدريجياً نجم عنها حزب العمال الاشتراكي الوطني “النازيين”، حتى وصل الزعيم النازي أدولف هتلر للسلطة 1933، وأعاد تسليح وتشكيل الجيش الألماني، ما تسبب في انتهاك المعاهدات الدولية، بغزو بولندا في 1939، ما دفع فرنسا وبريطانيا لإعلان الحرب على ألمانيا واندلاع الحرب العالمية الثانية.

أوضح الباحثان “مايكل كيميج” و”سودها ديفيد ويلب” بمجلة فورين أفيرز الأمريكية، أن تخطيط ألمانيا لرفع القيود الدستورية على الاستدانة، يسمح لها باقتراض مئات المليارات من الدولارات لإعادة تسليح جيشها، وطرح الباحثان فكرة أن عقيدة ألمانيا الأمنية ستمثل فائدة الآن لأوروبا، في ظل التهديد الروسي وتلويح واشنطن بالتخلي عن أوروبا في الدفاع، ولكنها ستصبح تهديداً للقارة العجوز على المدى البعيد. أشاروا إلى مقولة وزير الخارجية الأمريكي الأسبق هنري كيسنجر، “ألمانيا كبيرة جدا بالنسبة لأوروبا”، ما يعني أنه كان يرى أن ألمانيا لن تصبح قوة عظمى دولياً، ولكن أهميتها الاقتصادية مع امتلاك جيش قوي، يرجح أن تصبح قوة إقليمية مهيمنة.

طوال العقود ما بين (1945-2014) عاشت أوروبا في استقرار، لرفضها فكرة اللجوء إلى الحروب كحل للأزمات، ما أدى لتراجع القومية وتخلي دول عن تسليحها والتزامها الحياد، وكانت ألمانيا من أوائل الدول التي قلصت جيشها وإنفاقها الدفاعي. ولكن باندلاع حرب أوكرانيا في 24 فبراير 2022، واتخاذ ألمانيا إجراءات لزيادة التسلح، تزداد المخاوف من أن يقع الجيش الألماني تحت قيادة حكومة يمينية متطرفة، في ظل صعود التيار اليميني بألمانيا السنوات الأخيرة، ما يعني تنامي النزعة القومية واحتمالية التخلي عن الحلول السياسية والدبلوماسية لصالح الابتزاز العسكري.

خشية فرنسا من الهيمنة الألمانية

رغم أن الموقفين الألماني والفرنسي يبدوان متوافقين حول تعزيز صناعة الاتحاد الأوروبي الدفاعية بتمويل (150) مليار يورو، فإن آلية إعادة التسليح وظهور ألمانيا في الصورة مجدداً للعب دور محوري في هذه المسألة، تثير مخاوف فرنسا من أن تحل ألمانيا محلها في قيادة أوروبا دفاعياً، عقب احتمال سحب الولايات المتحدة قواتها وضماناتها الأمنية من أوروبا. أكد المستشار الألماني السابق أولاف شولتس، في مارس 2025، أن الخطة ينبغي أن تظل مفتوحة أمام شركاء من خارج التكتل الأوروبي، بينما قال الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون، أن التركيز الأوروبي يجب أن ينصب على تطوير قدراته الذاتية، بدلاً من الاعتماد على الموردين الخارجين.

نظراً لتخوف باريس من تحركات برلين بشأن الإنفاق العسكري، سارع ماكرون لتحديث إحدى القواعد الجوية الرئيسية في بلاده، لتتمكن من استضافة الأسلحة النووية، بهدف استعادة فرنسا دورها في الردع النووي، مستغلاً أنها القوة النووية الوحيدة داخل الاتحاد، خاصة وأن شولتس أبدى رغبته في إجراء محادثات حول الردع النووي الفرنسي. الأمن القومي ـ لماذا قررت ألمانيا إنشاء مجلس للأمن القومي؟

الانقسام بين أوروبا الشرقية والغربية

تتباين المواقف بين دول شرق أوروبا وغربها، حول استراتيجية التسلح الجديدة، لاعتبارات تاريخية وتقدير حجم التهديدات، وتعتبر دول شرق أوروبا مثل بولندا ودول البلطيق ورومانيا، روسيا تهديداً وجودياً ولا تمانع في بناء ألمانيا قواتها المسلحة، بينما تميل دول أوروبا الغربية إلى الحلول الدبلوماسية وتتخوف من توسع ألمانيا عسكرياً. في الوقت نفسه، لدى دول غرب أوروبا قيوداً دستورية تجاه التسلح، بينما ترى دول شرق أوروبا التحالفات مثل الاتحاد الأوروبي والناتو أقل فعالية، وتريد قدرات ردع ملموسة.

المعادلة بين الردع الروسي والمخاوف الأوروبية

بضم روسيا لشبه جزيرة القرم في 2014، لم تُقدم ألمانيا على إجراءات عسكرية حاسمة، واكتفت بفرض عقوبات على روسيا والعودة للتعاون معها، ولكن مع حرب أوكرانيا، أعلنت ألمانيا عن زيادة الإنفاق الدفاعي، كنقطة تحول تاريخية في استراتيجيتها الأمنية منذ الحرب الباردة. أولى الإجراءات التي أعلنها المستشار الألماني السابق أولاف شولتس في مايو 2022، تمثلت في إنشاء صندوق طارئ بقيمة (100) مليار يورو لتحديث الجيش الألماني، وتجاوز حد الإنفاق الدفاعي (2%)، وبرر شولتس القرار المغاير لسياسات بلاده منذ عقود، بهدف حماية أوروبا بعد حرب أوكرانيا.

بات بناء ترسانة عسكرية في غاية الأهمية بالنسبة للألمان والأوروبيين، لرغبتهم في الاستقلالية عن واشنطن، ومواجهة روسيا المنافس التقليدي لألمانيا في أوروبا الوسطى والشرقية، إذ أشارت تقارير على لسان مسؤول بحلف الناتو، إلى أن روسيا حاولت اغتيال الرئيس التنفيذي لشركة “راينميتال” الألمانية لصناعة الأسلحة. منذ استسلام القوات المسلحة الألمانية في مايو 1945، وانتهاء دور الأسطول الألماني، أصبحت البحريتين البريطانية والأمريكية مسؤولتان عن تأمين الناتو بحرياً، رغم البدء في بناء الجيش الألماني في خمسينيات القرن الماضي، ولكن في يونيو 2021، خصص البوندستاغ (19) مليار يورو لتطوير البحرية الألمانية، وفي سبتمبر 2023، بدأ إنتاج (6) غواصات جديدة من طراز “212 سي دي”، وتعد هذه الغواصات الأكثر تقدماً في الغواصات غير النووية. وفي السياق نفسه، يذكر الكاتب والمؤرخ العسكري فريدريش روغه، أن هزيمة الألمان في الحربين العالميتين، تتعلق بعدم فهمهم لإمكانيات سلاح البحرية، ناصحاً الحكومة الحالية بالاهتمام بإعادة بناء القوة البحرية الألمانية.

تسرع ألمانيا من تطوير قواتها البحرية، نظراً لتطوير روسيا من قدراتها البحرية، عقب انضمام فنلندا والسويد لحلف الناتو، وفي إطار العقيدة البحرية الروسية المحدثة في 2022، تنظر روسيا إلى موانئ ألمانيا على بحري البلطيق والشمال كمناطق تابعة لها، حيث فرضت سيطرتها على جوانب بحر البلطيق بعد انهيار البحرية الألمانية في 1945. الأمن القومي ـ هل ترسل ألمانيا جنودها إلى أوكرانيا؟

الموقف الأمريكي من صعود ألمانيا عسكرياً

رغم انتماء الرئيس الأمريكي دونالد ترامب للمعسكر اليميني، وتبنى المستشار الألماني فريدريش ميرتس أفكار يمينية محافظة، فإن مواقف البلدين متباعدة، خاصة وأن الأخيرة وجدت نفسها مجبرة على تجديد خطتها العسكرية، بعد عقود من الاعتماد على مظلة الناتو والأمن الأمريكية، ورفعت الحكومة الألمانية شعار “أوروبا أولاً” على غرار شعار ” أمريكا أولاً”، لتشكيل حماية جماعية لأوروبا، باعتبارها دولة ذات ثقل سياسي واقتصادي بالاتحاد الأوروبي.

تحركات ألمانيا بشأن الإنفاق العسكري والصناعات الدفاعية، تقلق الولايات المتحدة، لتزامنها مع تصريحات المستشار الألماني، التي دعا فيها لتقوية أوروبا بأسرع وقت للاستقلال عن واشنطن، مؤكداً أن أوروبا بحاجة لجيشها الخاص، لإدراكه عدم اهتمام واشنطن بمصير أوروبا. لذا تخشى الولايات المتحدة من إحياء ألمانيا قواتها العسكرية، وتربط الأمر بالوضع العسكري لها قبل الحرب الباردة، وأن تصبح هذه الخطط الألمانية بعيدة تماماً عن سيطرتها، ما يدفع باقي دول أوروبا لتسريع وتيرة التسلح، ويعزز من فكرة الاستقلالية الاستراتيجية لأوروبا عن واشنطن، بينما ترى الأخيرة أن أي تحرك أوروبي يجب أن يتم وفقاً لرؤيتها ومتطلبات الناتو.

وفي الإطار نفسه، تتخوف واشنطن من زيادة الطلب الأوروبي على الأسلحة الأمريكية، أو لجوء ألمانيا إلى قواعد تصدير مختلفة عنها، والاتجاه لشراء أسلحة قد لا تتوافق مع تجهيزات الناتو.

انعكاسات دولية على عودة ألمانيا عسكرياً

يعتبر الخبراء روسيا هي المتضرر الأول من تسليح ألمانيا، لاسيما وأن تصريحات المسؤولين الألمان وصفت روسيا بمصدر تهديد لأمنها القومي، ولكن الصورة من جانب روسيا تبدو مختلفة، فهي لا تنظر لألمانيا كالتهديد الأكبر، بل تعتبره الناتو ككل وتحديداً القوة الأمريكية بالحلف. اعتبرت موسكو التوسع العسكري للناتو مثل ضم فنلندا والسويد، ونشر قوات عسكرية بشرق أوروبا، تهديداً لأمنها، كونه تحالف وليس دولة واحدة، وفي الوقت نفسه تولي موسكو اهتماماً بتحركات برلين الأمنية منذ 2022، ولا تستطيع الفصل بين تحركاتها العسكرية وتوسعات الناتو، لذا اعتادت روسيا ذكر الناتو وألمانيا في خطاباتها التحذيرية للغرب.

انتقد وزير الخارجية الروسي سيرغي لافروف، في 27 مايو 2025، تصريحات ألمانيا بشأن السماح لأوكرانيا باستخدام أسلحة أوروبية بعيدة المدى في العمق الروسي، وقال المتحدث باسم الكرملين ديمتري بيسكوف، في 14 يوليو 2025، إن “ألمانيا تصبح خطيرة من جديد”، رداً على تصريح وزير الدفاع الألماني بوريس بيستوريوس، بأن الألمان مستعدون لقتل الجنود الروس في حال اندلاع حرب بين البلدين.الأمن القومي ـ هل تملك ألمانيا النفوذ الكافي لفرض قمة سلام أوروبية؟

قراءة مستقبلية

– تغير العقيدة الأمنية بألمانيا في هذا التوقيت المليء بالتوترات بين الغرب وروسيا، يحمل دلالات عدة، بأن تقديرات ألمانيا الاستخباراتية تؤكد على استمرار هذه التوترات لسنوات، واحتمالية تصاعدها إلى المواجهة المباشرة بين بعض دول أوروبا وروسيا، إضافة إلى إدراك ألمانيا خطورة اتباع سياسة عسكرية ضمن الدفاع الجماعي للناتو أو استكمال التبعية الأمريكية، ما يجعل خطوات تحديث الجيش الألماني وإعادة تطبيق التجنيد الإجباري، والتوسع في نشر قوات عسكرية في أوروبا، نهجاً جديداً لألمانيا وليس مرتبطاً بسياسات حكومات معينة، ولكن يختلف تطبيقه بناء على توجهات كل حكومة، وهذا الأمر الذي يثير المخاوف داخل وخارج ألمانيا، في ظل صعود دور اليمين المتطرف بصورة واضحة بألمانيا.

– تسعى ألمانيا لاستعادة دورها القيادي في الاتحاد الأوروبي سياسياً وأمنياً، في ضوء تحولات في سياسة الولايات المتحدة داخل الناتو، والإجراءات الجديدة التي اتخذها التكتل الأوروبي لتعزيز الصناعات العسكرية والتعاون الدفاعي الشامل، وربما تضع هذه الجزئية إطاراً عاماً لحدود سياسة تسلح ألمانيا وأهدافها، فالأمر لا يرتبط بسياسة دولة واحدة فقط، بل سياسة “27 دولة” الدول الأعضاء بالاتحاد الأوروبي، وعلاقتها بالولايات المتحدة وحلف الناتو، ما يضمن أن ألمانيا ستحافظ على تشكيل قوة عسكرية طبيعية ضمن النظام الدولي.

– تظل العلاقة بين ألمانيا وفرنسا قائمة على التكامل والمنافسة، الدولتان هم القيادة الحقيقية للتكتل الأوروبي، ويمثلان نفوذ أوروبي داخل الناتو بجانب الولايات المتحدة، ومع عودة ألمانيا لدورها العسكري وتبني مواقف تجاه دعم أوكرانيا وتسليح أوروبا، تزيد فرنسا من تعزيز قدراتها العسكرية التقليدية والنووية، كنوع من أنواع التميز عن ألمانيا، كونها القوة الأوروبية التي تمتلك سلاحاً نووياً بجانب بريطانيا.

– يظل إرث الحقبة النازية مهدداً لألمانيا في أي خطوات تتعلق بالتسلح وقيادة أوروبا في الأمن الدفاعي، وتستغل الولايات المتحدة هذه الخلفية التاريخية، للتأثير على الرأي العام الألماني في تقبله بشأن خطط بلاده العسكرية، والضغط على الحلفاء وخاصة دول شرق أوروبا، لعدم الانصياع وراء ألمانيا واستبدال الدور الأمريكي بالدور الألماني في نشر قوات واستيراد الأسلحة.

– تدريجياً ستتراجع عقدة الماضي حول تسليح ألمانيا، فهي حريصة على إثبات عكس هذه المخاوف من أن تتحول لقوة عسكرية متطرفة، تتسبب في اندلاع حروب داخل أوروبا على غرار الحرب العالمية الثانية، أو أن تستخدم قوتها العسكرية ضد الحلفاء في التكتل الأوروبي أو الناتو، بل ستعمل على بناء ترسانة عسكرية قوية لحماية أوروبا وضمان أمنها، مع مراعاة عدم الانخراط في الحرب الراهنة بين روسيا وأوكرانيا.

– لن تعود العلاقات بين برلين وموسكو إلى ما قبل 2022، فطبيعة المرحلة تفرض معطيات سياسية وعسكرية جديدة، لاستمرار حرب أوكرانيا والاختلاف حول نقاط التفاوض لإنهاء الحرب، خاصة فيما يتعلق بالضمانات الأمنية لأوكرانيا وأوروبا، ما يدفع ألمانيا لاستكمال مراحل بناء جيش قوي قادر على الدفاع عن أي هجمات محتملة، وتستمر التحركات العسكرية الروسية ناحية بحر البلطيق وشرق أوروبا، تحسباً لتصاعد المشهد الميداني خارج حدود أوكرانيا.

رابط مختصر.. https://www.europarabct.com/?p=108281

*حقوق النشر محفوظة إلى المركز الأوروبي لدراسات مكافحة الارهاب والاستخبارات

الهوامش

France to reopen fourth nuclear air base as Europe rushes to rearm

https://shorturl.at/0VhaL

Defence expenditures and NATO’s 5% commitment

https://shorturl.at/sQK5e

Germany surges to fourth largest global military spender: SIPRI

https://shorturl.at/NZF6G

Foreign Relations of the United States, 1951, European Security and the German Question, Volume III, Part 1

https://shorturl.at/jVk9V

الإشتراك في نشرتنا الإخبارية المجانية

 

تابعنا على تويتر

تابعنا على فيسبوك

استطلاع رأي

هل المركز مصدر موثوق في البحث ؟

جاري التحميل ... جاري التحميل ...