المركز الأوروبي لدراسات مكافحة الإرهاب والاستخبارات، ألمانيا وهولندا ECCI، وحدة الدراسات والتقارير “1”
يشهد الملف النووي الإيراني في عام 2025 منعطفًا حاسمًا مع لجوء مجموعة الدول الأوروبية الثلاث (فرنسا، ألمانيا، بريطانيا) إلى تفعيل آلية “سناب باك”، وهي الآلية التي تعيد فرض العقوبات الدولية المرفوعة بموجب الاتفاق النووي لعام 2015. هذه الخطوة، التي جاءت بعد سنوات من محاولات الدبلوماسية الأوروبية لاحتواء التصعيد النووي الإيراني، تعكس إدراكًا متزايدًا في العواصم الأوروبية بأن سياسة “الصبر الاستراتيجي” لم تعد مجدية أمام تسارع خروقات طهران لالتزاماتها.
ورغم تأكيد الأوروبيين أن المسار الدبلوماسي لا يزال قائمًا، فإن إعادة العقوبات تعني في الجوهر عودة إلى سياسة الضغط القصوى، ولكن هذه المرة بغطاء قانوني أممي. الرد الإيراني والتلويح بالانسحاب من معاهدة منع الانتشار النووي، يفتحان الباب أمام تداعيات خطيرة على الأمن الإقليمي والدولي، قد تتراوح بين سباق تسلح نووي في الشرق الأوسط وانقسامات أعمق داخل مجلس الأمن الدولي.وبينما تحاول أوروبا الموازنة بين أدوات الضغط والحفاظ على نافذة للحوار، تبدو طهران أكثر ميلاً إلى التصعيد والرهان على دعم الصين وروسيا. وفي هذا السياق، يغدو السؤال المطروح: هل تمثل آلية “سناب باك” بداية لعودة أوروبا إلى سياسة الضغط القصوى على إيران، أم أنها مجرد محاولة أخيرة لإنقاذ الدبلوماسية من الانهيار الكامل؟ أمن دولي ـ “الترويكا “الأوروبية وإيران ـ السيناريوهات المحتملة. ملف
تفعيل آلية “سناب باك” من قبل مجموعة الدول الأوروبية الثلاث (فرنسا، ألمانيا، بريطانيا) ضد إيران في أغسطس 2025 يعيد الملف النووي الإيراني إلى قلب التفاعلات الدولية. هذه الآلية، التي تُعد من صلب اتفاق عام 2015، تتيح لأي دولة موقعة إعادة فرض العقوبات الدولية التي رُفعت بموجب الاتفاق إذا اعتبرت أن طهران لا تفي بالتزاماتها.أوروبا، من خلال هذه الخطوة، عادت بشكل أو بآخر إلى سياسة “الضغط القصوى”، وإن كانت ترفض توصيفها بهذه الصيغة، مشيرة إلى أن الدبلوماسية لا تزال الخيار المفضل. غير أن المضمون الحقيقي للخطوة يتمثل في إعادة فرض مجموعة واسعة من القيود، تشمل حظر توريد الأسلحة التقليدية والتكنولوجيا النووية وتطوير الصواريخ الباليستية. وهذا ما يجعل الأمر مختلفًا عن مجرد ورقة ضغط سياسية، فهو يمثل تحولًا استراتيجياً يعيد صياغة مسار التوازنات الدولية حول إيران. أمن دولي ـ عودة إيران إلى المفاوضات مع “الترويكا” الأوروبية، مناورة تكتيكية أم تحول استراتيجي؟ ملف
الرد الإيراني ـ من معاهدة منع الانتشار النووي
إيران بدورها ردّت بعنف، معتبرة أن الخطوة الأوروبية غير قانونية ولا ترتب أي أثر ملزم، متهمة الدول الأوروبية الثلاث بأنها فقدت مصداقيتها بانضمامها إلى سياسة العقوبات الأميركية. في خلفية الموقف الإيراني يكمن إدراك متزايد بأن طهران لم تعد تراهن على أوروبا كوسيط محايد، بل تعتبرها جزءًا من جبهة الضغط الغربي.وهو ما يفسر لجوء إيران إلى التلويح بخيارات قصوى، مثل الانسحاب من معاهدة منع الانتشار النووي، وهي خطوة إن أُقدمت عليها، فإنها ستقوّض أحد الأعمدة المركزية للأمن الدولي منذ عقود، وتفتح الباب أمام سباق تسلح نووي إقليمي لا يقتصر على إيران وحدها.
على المستوى الإيراني الداخلي، تأتي هذه التطورات في لحظة سياسية حساسة. الرئيس الإيراني مسعود بزشكيان، الذي يُحسب على التيار الإصلاحي المعتدل، يجد نفسه محاصرًا بين تصعيد الغرب وضغوط المحافظين والحرس الثوري.من شأن عودة العقوبات أن تضعف من حججه الداخلية لصالح الحوار والدبلوماسية، وتدفع المؤسسة الإيرانية إلى تشديد خطاب المواجهة. البرلمان الإيراني لوّح فعلًا بخطة طوارئ للانسحاب من معاهدة منع الانتشار النووي، ما يعكس حجم الضغوط الداخلية للرد بالمثل. مثل هذه الخطوة ستعني أن إيران قد تتجه سريعًا إلى رفع مستويات التخصيب إلى مستويات عسكرية، مما يقربها أكثر من النموذج الكوري الشمالي، أي دولة نووية أمر واقع خارج الأطر الدولية. الأمن الدولي ـ “الترويكا” الأوروبية، ما مستقبل التحالف الإيراني الروسي في ظل التوتر النووي؟
الموقف الأوروبي ومحاولة ملء الفراغ
الموقف الأوروبي يبدو في ظاهره محاولة لملء الفراغ الذي خلفته الولايات المتحدة بعد انسحابها من الاتفاق عام 2018، لكنه في العمق يعكس أزمة استراتيجية. أوروبا تدرك أن إيران تتجاوز الخطوط الحمراء في برنامجها النووي، لكنها في الوقت نفسه غير قادرة على فرض تسوية مستقلة عن واشنطن.في المقابل، أوروبا تؤكد أن العقوبات ليست غاية بحد ذاتها، بل وسيلة لإجبار إيران على التفاوض حول خطوات محددة. السفيرة البريطانية لدى الأمم المتحدة باربرا وودوارد تحدثت صراحة عن عرض تمديد فترة الثلاثين يومًا قبل إعادة فرض العقوبات، إذا ما اتخذت إيران خطوات عملية لتهدئة المخاوف الدولية. غير أن هذه اللغة التصالحية لم تجد صدى في طهران، التي ترى أن أوروبا لم تعد صادقة في التزاماتها. ومع انعدام الثقة، فإن فرص نجاح هذا النهج تبدو ضعيفة، بل وربما تزيد من تصلب الموقف الإيراني، الذي يراهن على دعم الصين وروسيا، أو على الأقل على كسر الإجماع الدولي عبر معسكر مناوئ للغرب.
ردود فعل واشنطن
إشادة وزير الخارجية الأميركي ماركو روبيو بالخطوة الأوروبية تظهر أن واشنطن راضية عن تحول الموقف الأوروبي إلى أداة مكمّلة لسياسة العقوبات. إسرائيل أيضًا باركت هذه الخطوة، معتبرة أنها بداية لتوحيد الموقف الدولي ضد طهران. لكن هذا التلاقي الأوروبي – الأميركي – الإسرائيلي قد يضعف من قدرة أوروبا على المناورة السياسية، ويجعلها أكثر التصاقًا بسياسات القوة الأميركية، الأمر الذي يُحرجها أمام شركاء آخرين كروسيا والصين، ويضعف موقعها كوسيط متوازن.
النتائج
المخاطر المترتبة على هذه المواجهة تتجاوز حدود الملف النووي نفسه. هناك احتمال قوي أن تلجأ إيران إلى الرد عبر أذرعها الإقليمية، من حزب الله في لبنان إلى الحوثيين في اليمن والميليشيات العراقية في الخليج. هذه الأدوات قد تُستخدم للضغط على أوروبا والولايات المتحدة عبر تهديد الملاحة في مضيق هرمز أو البحر الأحمر، أو عبر استهداف المصالح الإسرائيلية بشكل مباشر. مثل هذا التصعيد الميداني سيجعل العقوبات مجرد جزء من لعبة أكبر، يدخل فيها عنصر الردع العسكري والتهديد المتبادل. وهذا بدوره يضاعف المخاطر على أمن الطاقة العالمي، خاصة في وقت يشهد العالم اضطرابات اقتصادية متزايدة.
من الناحية الدولية، فإن خطوة “سناب باك” تعمق الاستقطاب في مجلس الأمن. روسيا والصين من المرجح أن ترفضا الاعتراف بشرعية هذه الآلية بعد انسحاب واشنطن من الاتفاق في 2018، ما يعني أن العقوبات قد تُطبق جزئيًا فقط، مع سعي موسكو وبكين لتعزيز تعاونهما مع إيران في مجالات الطاقة والتسليح والتكنولوجيا.
بذلك، يتكرس مشهد انقسام عالمي، حيث تقود أوروبا والولايات المتحدة جبهة الضغط، فيما تدعم الصين وروسيا إيران كجزء من محور أوسع لمناهضة النفوذ الغربي. هذا الانقسام يعكس في جوهره حالة اهتزاز النظام الدولي ذاته، حيث تفقد الأمم المتحدة دورها كمنصة لتسوية النزاعات الكبرى، وتتحول الأزمات إلى ساحة لتجاذبات بين معسكرات متقابلة.
مسارات رئيسية للملف الإيراني
سيناريو التصعيد الشامل، إذا مضت إيران نحو انسحاب من معاهدة منع الانتشار ورفعت مستويات التخصيب إلى مستوى عسكري، وهو ما قد يفتح الباب أمام ضربة إسرائيلية أو أميركية للمنشآت النووية، وربما مواجهة عسكرية إقليمية واسعة.
سيناريو التهدئة المؤقتة، إذا ما قبلت طهران بخريطة طريق أوروبية – دولية لتجميد بعض أنشطتها مقابل تعليق تدريجي للعقوبات، وهو احتمال ضعيف لكنه غير مستبعد إذا توافرت وساطات مثل سلطنة عمان أو الأمم المتحدة.
سيناريو الانقسام الدولي، حيث تتعزز علاقات إيران مع الصين وروسيا ويُكسر جزئيًا تأثير العقوبات، ما يعيد إنتاج منطق الحرب الباردة في قلب الشرق الأوسط. أما السيناريو الرابع فهو الجمود الطويل، بحيث يتحول الملف النووي الإيراني إلى أزمة مزمنة تشبه التجربة الكورية الشمالية: عقوبات مستمرة، استفزازات نووية وصاروخية متقطعة، وتوترات إقليمية دون انفجار شامل.
المرجّح في المدى القريب هو سيناريو التصعيد المحسوب. أي أن أوروبا والولايات المتحدة ستواصلان سياسة العقوبات، فيما سترد إيران عبر أدواتها غير المباشرة، مع إبقاء خيار الحوار مفتوحًا لكنه متعثر. هذا النمط سيحافظ على مستوى عالٍ من التوتر الإقليمي، دون الوصول بالضرورة إلى مواجهة عسكرية مفتوحة. لكنه في الوقت نفسه يضع الأمن الدولي أمام هشاشة استراتيجية خطيرة، إذ يكفي خطأ واحد أو تجاوز إيراني للخطوط الحمراء النووية لكي ينفجر الوضع.
إن خطوة تفعيل “سناب باك” لا تمثل مجرد أداة قانونية لإعادة فرض العقوبات، بل هي مؤشر على عودة الملف النووي الإيراني إلى واجهة الأمن الدولي بوصفه أحد أكثر مصادر عدم الاستقرار. أوروبا، بمحاولتها الموازنة بين الضغط والدبلوماسية، تجد نفسها منجذبة أكثر إلى سياسة واشنطن، فيما تراهن إيران على معسكر مناوئ يقوده الشرق. النتيجة هي أن النظام الدولي يدخل مرحلة جديدة من الهشاشة، حيث يصبح التعايش مع أزمة مفتوحة هو السيناريو الأكثر واقعية، بينما يظل خطر التصعيد الشامل قائمًا في أي لحظة.
رابط مختصر .. https://www.europarabct.com/?p=108546
*حقوق النشر محفوظة إلى المركز الأوروبي لدراسات مكافحة الارهاب والاستخبارات ـ ألمانيا وهولندا ECCI
