المركز الأوروبي لدراسات مكافحة الإرهاب والاستخبارات ـ ألمانيا وهولندا ECCI

اعداد : حازم سعيد باحث اقدم في المركز الأوروبي ECCI
الأمن الدولي ـ حرب أوكرانيا، ما دور الإمارات العربية المتحدة في مفاوضات السلام؟
بعد توقف دام عدة أشهر، تستأنف الأطراف المتحاربة في الحرب الأوكرانية محادثاتها الرسمية في العاصمة الإماراتية أبوظبي، بوساطة مباشرة من الولايات المتحدة. ومن المقرر أن تنطلق الاجتماعات في 23 يناير2026 وتُختتم في 24 يناير 2026 ، بمشاركة ممثلين عن روسيا وأوكرانيا والولايات المتحدة. وأعلن يوري أوشاكوف، مستشار الرئيس الروسي، أن هذه المشاورات ستتناول القضايا الأمنية ومسارات خفض التصعيد. ويأتي هذا الاجتماع عقب محادثات جرت في موسكو بين الرئيس الروسي فلاديمير بوتين والمبعوث الأمريكي ستيف ويتكوف، إضافة إلى لقاء جمع الرئيس الأوكراني فولوديمير زيلينسكي بالرئيس الأمريكي دونالد ترامب على هامش منتدى دافوس في سويسرا، في إطار تحرك دبلوماسي يهدف إلى إعادة إطلاق المسار التفاوضي عبر منصة إماراتية تحظى بقبول الأطراف كافة.
ترغب روسيا والولايات المتحدة في مناقشة القضايا الاقتصادية
من بين ممثلي الولايات المتحدة في المحادثات ويتكوف. ويرأس الوفد الروسي رئيس جهاز الاستخبارات العسكرية الروسية (GRU)، إيغور كوستيوكوف. ووفقًا لزيلينسكي، فإن أوكرانيا سترسل كبير مفاوضيها، رستم أوميروف، بالإضافة إلى رئيس الأركان العامة أندريه غناتوف. وبحسب مستشار الرئيس الروسي أوشاكوف، من المقرر إجراء محادثات حول القضايا الاقتصادية بين ويتكوف ومبعوث الكرملين للعلاقات الاقتصادية الدولية، كيريل ديميترييف، في أبوظبي. أمن دولي ـ مقاربة دولة الإمارات لتعزيز الأمن والاستقرار في مناطق الصراع الإقليمي والدولي
لم تكن تفاصيل الاجتماعات معروفة في البداية. فعلى سبيل المثال، لم يتضح ما إذا كان الممثلون الروس والأوكرانيون سيتفاوضون مباشرةً مع بعضهم البعض. ووفقًا لزيلينسكي، من المتوقع أن تستمر المحادثات يومين. كما صرّح الرئيس الأوكراني بأن القضايا الإقليمية في شرق أوكرانيا ستكون على جدول الأعمال. أكد أوشاكوف أن الكرملين “مهتمّ جدًا بحلّ النزاع عبر الوسائل السياسية والدبلوماسية”. ومع ذلك، شدّد على أنه “بدون تسوية للمسألة الإقليمية، لا يمكن توقّع حلّ طويل الأمد”. وإلى حين حلّ النزاع، ستواصل روسيا “تحقيق أهدافها في ساحة المعركة”.
المبعوث الأمريكي ويتكوف التقى مجددًا مع بوتين
استضاف بوتين ويتكوف، إلى جانب جاريد كوشنر، صهر ترامب، وجوش غرينباوم، مستشار البيت الأبيض، لإجراء محادثات حول أوكرانيا في موسكو. قبل الاجتماع، صرّح ويتكوف بأنه يعتقد أن هناك “مشكلة واحدة فقط” بين الجانبين، دون أن يوضح ماهية هذه المشكلة. أكد أوشاكوف أن الاجتماع بين بوتين وويتكوف في موسكو كان “مفيدًا من جميع النواحي”. وأوضح أن المحادثات في الكرملين كانت منفتحة للغاية، وقائمة على الثقة، وبنّاءة. وأضاف أن واشنطن “بذلت جهودًا كبيرة للتحضير لهذا الاجتماع”.
ترامب متفائل، وفانس حذر
قبل المحادثات في موسكو، أعلن زيلينسكي عن اتفاق مع واشنطن بشأن ضمانات أمنية لأوكرانيا بعد اجتماعه مع ترامب في دافوس. وفيما يتعلق باتفاق شامل، صرّح بأن الوثائق التي تم إعدادها مع الولايات المتحدة “أوشكت على الانتهاء”. وخلال كلمته في المنتدى الاقتصادي العالمي في دافوس، أكد زيلينسكي أن بلاده ستحتاج إلى ضمانات أمنية ليس فقط من الشركاء الأوروبيين في حال التوصل إلى وقف إطلاق النار. فقد أبدت بريطانيا وفرنسا استعدادهما لإرسال قوات برية. لكن زيلينسكي قال: “بدون الولايات المتحدة، لن تنجح أي ضمانات أمنية”. أمن دولي ـ المقاربات الأمنية بين الإمارات والاتحاد الأوروبي، تعاون وتحديات مشتركة . ملف
بدا الرئيس الأمريكي ترامب متفائلًا في دافوس، واصفًا لقاءه مع زيلينسكي بالإيجابي. وفي الوقت نفسه، أقرّ بأن الطريق لا يزال طويلًا لتحقيق السلام. وفي رحلة عودته إلى واشنطن، أعلن أن زيلينسكي وبوتين مستعدان الآن لإحلال السلام. وأكد أن كلا الجانبين سيقدمان تنازلات لإنهاء الحرب المستمرة منذ نحو أربع سنوات. كان نائب الرئيس جيه دي فانس أكثر تحفظًا، فقد تجنب التكهن بشأن المحادثات، وأخبر مؤيديه في أوهايو أنه شعر بخيبة أمل عندما اعتقد أنهم كانوا قريبين من التوصل إلى اتفاق. ومع ذلك، أضاف أن التقدم سيستمر. أوضح فانس: “نريد أن تركز أوروبا بشكل أقل على الحرب وأكثر على الاستثمار في الولايات المتحدة الأمريكية. وأفضل طريقة لتحقيق ذلك هي التوصل إلى حل سلمي لهذه الحرب”.
لا يزال مستقبل شرق أوكرانيا غامضًا
لا تزال العقبة الأكبر هي النزاع الحدودي. فموسكو لا تكتفي بالمطالبة بالأراضي التي تحتلها بالفعل في أوكرانيا، بل تطالب بانسحاب القوات الأوكرانية من أجزاء منطقة دونيتسك التي لم تتمكن القوات الروسية من السيطرة عليها. في المقابل، تحذر كييف من أن التنازل عن الأراضي سيشجع موسكو على الاستيلاء على مساحات شاسعة أخرى في المستقبل. وترفض أوكرانيا توقيع اتفاقية سلام لا تمنع روسيا من شن هجوم آخر. علاوة على ذلك، يرغب الكرملين في أن تتخلى أوكرانيا عن عضويتها في حلف الناتو وجيشها القوي، رغم أن كييف تأمل أن توفر هذه العضوية رادعًا وحماية فعالة ضد المزيد من الهجمات الروسية. دعا وزير الخارجية الروسي سيرغي لافروف فعليًا إلى استبدال الحكومة في كييف. وتصف موسكو مرارًا وتكرارًا القيادة برئاسة زيلينسكي بالفاشية. الأمن الدولي ـ زيارة رئيس دولة الإمارات إلى موسكو، شراكة استراتيجية في توقيت دولي حرج
عُقدت آخر المحادثات الثنائية في إسطنبول
جرت مفاوضات مباشرة بين روسيا وأوكرانيا في عام 2022. وفي عام 2025، التقى الجانبان عدة مرات في إسطنبول. إلا أن هذه المحادثات لم تسفر إلا عن تبادل أسرى وإعادة رفات الجنود القتلى. بعد ذلك، اتُّبع شكل من أشكال الدبلوماسية، حيث قامت الولايات المتحدة، بصفتها وسيطًا، بالتحدث بشكل منفصل مع الروس والأوكرانيين، ثم نقلت مقترحات كل طرف إلى الطرف الآخر. أمن دولي ـ لماذا كانت الإمارات الوجهة الأولى للرئيس ترامب؟ قراءة في أبعاد الشراكة الاستراتيجية
النتائج
ـ يتمثل دور دولة الإمارات العربية الإيجابي في محادثات السلام بحرب أوكرانيا في توفير منصة دبلوماسية محايدة وموثوقة تجمع أطرافًا متصارعة يصعب جمعها في عواصم أخرى. فقد نجحت أبوظبي في بناء علاقات متوازنة مع روسيا وأوكرانيا والولايات المتحدة في الوقت نفسه، ما يمنحها قدرة على استضافة الحوار دون أن تُنظر إليها كطرف منحاز. كما توفر الإمارات بيئة تفاوضية مستقرة وآمنة، بعيدة عن الضغوط السياسية المباشرة التي ترافق الوساطات التقليدية في أوروبا أو تركيا.
ـ توظف الإمارات قوتها الناعمة وشبكة علاقاتها الدولية لتسهيل التواصل غير المباشر بين الأطراف، وتهيئة ظروف بناء الثقة، خصوصًا في ملفات تبادل الأسرى والممرات الإنسانية. ويُضاف إلى ذلك أن استضافة المفاوضات في أبوظبي تعكس صعود دورها كفاعل دبلوماسي في إدارة الأزمات الدولية، وقدرتها على تقديم نموذج للوساطة الهادئة التي تركز على النتائج العملية بدل الاستقطاب السياسي.
ـ تشير عودة المحادثات المباشرة وغير المباشرة بين روسيا وأوكرانيا، برعاية أمريكية، إلى انتقال الحرب من مرحلة الرهان العسكري المفتوح إلى مرحلة إدارة الصراع سياسيًا. فبعد ما يقارب أربع سنوات من المواجهة، بات واضحًا أن أي طرف لا يمتلك القدرة على حسم المعركة بالكامل، فيما تزداد كلفة الاستنزاف البشري والاقتصادي على الجميع. من هنا، تبدو أبوظبي محطة اختبار لإمكانية تثبيت مسار تفاوضي طويل، أكثر من كونها محطة لحل نهائي.
ـ من المتوقع أن تركز المحادثات على ترتيبات وقف إطلاق نار محدود أو تفاهمات ميدانية مؤقتة، خصوصًا في شرق أوكرانيا. غير أن الخلاف حول الحدود والسيادة سيبقى العقبة الأكبر، لأن موسكو ترى في السيطرة على دونيتسك ولوغانسك ضمانة أمنية دائمة، بينما تعتبر كييف أي تنازل إقليمي تهديدًا وجوديًا قد يفتح الباب لموجات توسع روسية لاحقة. هذا التناقض يجعل احتمالات التوصل إلى اتفاق شامل في المرحلة الحالية محدودة.
ـ تلعب الولايات المتحدة دور الضامن والوسيط في آن واحد، لكنها تتحرك وفق أولويات إدارة ترامب الجديدة التي تسعى إلى تقليص الانخراط العسكري المباشر في أوروبا، وتحويل العبء الأمني تدريجيًا إلى الحلفاء الأوروبيين. لذلك، قد تدفع واشنطن نحو اتفاق يجمّد خطوط المواجهة بدلًا من حل جذري، بما يسمح لها بإعلان “اختراق سياسي” دون التورط في التزامات طويلة الأمد.
ـ أوروبيًا، تبدو القارة أمام اختبار استراتيجي صعب. فغياب ضمانات أمريكية كاملة يعني أن أوروبا ستكون مضطرة إلى زيادة إنفاقها الدفاعي، وربما التفكير في آليات أمنية مستقلة عن الناتو. لكن الانقسام داخل الاتحاد الأوروبي حول التعامل مع روسيا سيظل عامل إبطاء لأي مبادرة موحدة، ما يمنح موسكو هامشًا أوسع للمناورة السياسية.
ـ أما روسيا، فستواصل استخدام مزيج من الضغط العسكري والمساومة الدبلوماسية لتحصيل اعتراف فعلي بالمكاسب الميدانية التي حققتها. وفي حال تعثرت المفاوضات، ستسعى إلى فرض وقائع جديدة على الأرض لتحسين شروط التفاوض لاحقًا، خصوصًا قبل أي تغير محتمل في الموقف الأمريكي أو الأوروبي.
ـ يتجه الصراع إلى مرحلة “السلام غير المكتمل”، حيث قد نشهد اتفاقات جزئية، وتفاهمات أمنية مؤقتة، دون تسوية نهائية لمسألة الأراضي أو عضوية أوكرانيا في الناتو. وسيبقى مستقبل شرق أوكرانيا معلقًا بين خطوط النار وخطوط التفاوض، في انتظار توازن قوى جديد يفرض نهاية مختلفة للحرب.
ـ يبرز رئيس دولة الإمارات العربية المتحدة بوصفه أحد أكثر القادة الإقليميين قدرة على إدارة التوازنات الدولية المعقّدة في لحظة دولية شديدة الاستقطاب. فشخصيته السياسية تتسم بالبراغماتية الهادئة، والقدرة على بناء الثقة المتبادلة مع أطراف متناقضة المصالح، دون الانزلاق إلى منطق المحاور أو الاصطفافات الحادة. هذا النهج جعل من أبوظبي عاصمة مقبولة للحوار، ليس فقط من حيث الجغرافيا السياسية، بل من حيث الرمزية الدبلوماسية المرتبطة بشخص الرئيس نفسه.
ـ يعتمد الرئيس الإماراتي في مقاربته للسياسة الخارجية على فلسفة واضحة تقوم على الانفتاح المتوازن، واحترام المصالح المتبادلة، وتغليب الاستقرار على الصدام. وقد نجح عبر هذا النهج في بناء علاقات إيجابية ومتقدمة مع روسيا، والولايات المتحدة، وأوكرانيا في آن واحد، وهو أمر نادر في ظل الحرب الدائرة. هذه القدرة لا تعكس مجرد مهارة دبلوماسية تقليدية، بل تعكس رؤية استراتيجية بعيدة المدى ترى في الحوار أداة إدارة أزمات، لا مجرد تكتيك ظرفي.
ـ إن الثقة التي تحظى بها القيادة الإماراتية لدى الأطراف المتنازعة تعود إلى سجل طويل من الوساطات الهادئة والفعالة، وإلى شخصية رئيس الدولة التي تتجنب الخطاب التصعيدي، وتركز على النتائج العملية. فهو لا يسعى إلى لعب دور الوسيط الإعلامي، بل إلى توفير بيئة تفاوضية مستقرة وآمنة، تسمح للأطراف بالانتقال من منطق المواجهة الصفرية إلى منطق إدارة الخلاف. وهذا ما يمنح أبوظبي فرصة حقيقية لفتح مرحلة جديدة من المفاوضات، حتى وإن لم تُفضِ فورًا إلى حل جذري.
ـ توظف القيادة الإماراتية، شبكة علاقات دولية واسعة وقوة ناعمة مؤثرة، لتسهيل قنوات الاتصال غير المباشر، وتهيئة مساحات لبناء الثقة، خصوصًا في الملفات الإنسانية الحساسة مثل تبادل الأسرى والممرات الإنسانية. وهنا تتجلى شخصية الرئيس الإماراتي كـ قائد توافقي يدرك أن الحلول الكبرى تبدأ بخطوات إنسانية صغيرة، قادرة على كسر الجمود النفسي والسياسي بين الخصوم.
ـ إن استضافة أبوظبي لأي مسار تفاوضي محتمل لا تنفصل عن التحولات في طبيعة الصراع نفسه، حيث بات واضحًا أن الحرب الأوكرانية تدخل مرحلة إدارة سياسية للصراع بعد سنوات من الاستنزاف العسكري. وفي هذا السياق، تظهر شخصية رئيسدولة الإمارات كعامل استقرار، قادر على التعامل مع هذه المرحلة الانتقالية بحذر وواقعية، دون أوهام الحسم السريع، ولكن أيضًا دون الاستسلام لمنطق الحرب المفتوحة.
ـ ورغم إدراك القيادة الإماراتية، لتعقيدات الملفات الجوهرية مثل الحدود والسيادة ومستقبل شرق أوكرانيا، إلا أن الرهان لا ينصب على فرض حلول جاهزة، بل على إطلاق مسار تفاوضي طويل النفس، يمكن أن يتطور تدريجيًا نحو تسوية أوسع عندما تنضج الظروف الدولية. وهذا يعكس فهمًا عميقًا لطبيعة الصراعات الكبرى، ولحدود الدور الدبلوماسي مهما بلغ نفوذه.
لا تكمن أهمية الدور الإماراتي في محادثات السلام المحتملة في المكان فقط، بل في شخصية القيادة السياسية التي تقف خلف هذا الدور، سمو الشيخ محمد بن زايد،يمثل نموذجًا لقائد عربي نجح في تحويل بلاده إلى وسيط دولي موثوق، قادر على مخاطبة العواصم الكبرى بلغة المصالح والعقلانية، لا بلغة الشعارات. ومن هنا، قد تشكل أبوظبي، بقيادته، بوابة فعلية لمرحلة جديدة من التفاوض، تمهّد الطريق نحو حل أكثر استدامة للصراع الأوكراني.
رابط مختصر.. https://www.europarabct.com/?p=114062
*حقوق النشر محفوظة إلى المركز الأوروبي لدراسات مكافحة الارهاب والاستخبارات ـ ألمانيا وهولندا ECCI
