بون ـ المركز الأوروبي لدراسات مكافحة الإرهاب والاستخبارات ECCI ـ وحدة الدراسات (3)
الأمن الدولي ـ تداعيات سياسات “ترامب” على الأمن والدفاع الأوروبي وحلف الناتو
يبرز مفهوم “تقاسم الأعباء” في ظل عودة “دونالد ترامب” إلى البيت الأبيض وتصاعد الانقسام حول مستقبل الأمن الأوروبي، كإطار لخطاب وسياسات “ترامب” الدفاعية تجاه الناتو. لم يعد الحلف، الذي شكّل لعقود ركيزة أساسية للسياسة الخارجية الأمريكية، بمنأى عن إعادة التقييم من زاوية الكلفة والعائد. ومع تزايد ضغوط الإدارة الأمريكية على الحلفاء الأوروبيين لرفع إنفاقهم العسكري، وظهور شكوك بشأن الالتزام بالمادة الخامسة، تجد أوروبا نفسها أمام مفترق طرق استراتيجي، بين تعزيز الاستقلال الدفاعي، والحفاظ على تماسك الاتو في مواجهة بيئة أمنية تقودها تهديدات روسيا والغموض الأمريكي المتصاعد.
مقاربة ترامب للأمن الجماعي وحلف الناتو
مفهوم “تقاسم الأعباء” في خطاب وسياسات ترامب: أكد الرئيس الأمريكي “دونالد ترامب” في الخطابات السياسية خلال ولايته الأولى، ومنذ عودته إلى البيت الأبيض، أن الولايات المتحدة تقدم دعمًا ماليًا غير متناسب لحلف الناتو، مشددًا على ضرورة زيادة مساهمات الحلفاء الأوروبيين وكندا. يُقيّم الرئيس دونالد ترامب التزامات بلاده التحالفية، موازنًا بين التكلفة والأهداف السياسية المتحققة. وعلى الرغم من أن حلف شمال الأطلسي يشكّل حجر الزاوية في السياسة الخارجية الأمريكية منذ ما يقرب من 76 عامًا، إلا أنه بات يخضع لتدقيق متزايد. ويبدو أن استراتيجية الدفاع الجديدة، التي تأتي إضافةً إلى استراتيجية الأمن القومي الأمريكي التي نُشرت في ديسمبر 2025، لتؤكد مفهوم “تقاسم الأعباء”. حيث تنص استراتيجية الدفاع الوطني الأمريكية الجديدة، التي أصدرها البنتاغون خلال يناير 2026، على أنه ينبغي على واشنطن تقديم دعم محدود لأوروبا.
التشكيك الأمريكي بدور الناتو ووظائفه: أثار الرئيس الأمريكي دونالد ترامب في يناير شكوكًا حول موثوقية حلف شمال الأطلسي، قائلًا إنه غير مقتنع بأن الحلف سيقدم المساعدة لواشنطن في حالة حدوث أزمة، وذلك في ظل تصاعد التوترات بشأن مساعي واشنطن المتجددة للاستحواذ على “غرينلاند”. وكان قد أثار ترامب في العام 2025 درجةً من عدم اليقين بشأن التزام الولايات المتحدة بالتزامات الدفاع المتبادل المحددة في معاهدة الناتو، وهي تعليقات تعيد إحياء المخاوف لدى الحلفاء الأوروبيين بشأن التزامه بالتحالف العسكري. تقول “جيسيكا جيناور” الأستاذة المشاركة في العلاقات الدولية بجامعة فليندرز، في يناير 2026: “من غير المرجح أن تنخرط الولايات المتحدة في عمل عسكري ضد الدول الأعضاء الأخرى في حلف الناتو أو أن تنسحب من جانب واحد من حلف الناتو. ومع ذلك، فإن حقيقة استعداد الولايات المتحدة لمواجهة أعضاء آخرين في حلف الناتو في محاولة مباشرة للاستيلاء على الأراضي تقوض قوة الردع الحاسمة للحلف”. أضافت جيناور: “إذا انسحبت الولايات المتحدة من الحلف، فإن الناتو سيخسر ثلثي ميزانيته، مما سيؤدي إلى إضعاف الأمن العام لأعضائه، وإذا رأى خصوم الناتو أن الحلف منقسم داخليًا وخاضعًا لأهواء الولايات المتحدة، فمن المرجح أن يشككوا في مصداقية عزيمة الناتو”.
مقارنة بين الإدارات الأمريكية السابقة وإدارة ترامب: أكد الرئيس السابق باراك أوباما في العام 2024 التزام الرئيس السابق جو بايدن بحلف الناتو، وذلك بعد أن أثار ترامب مخاوف في جميع أنحاء العالم بقوله إنه لا ينبغي للولايات المتحدة أن تدافع عن حلفاء الناتو الذين لا يلتزمون بأهداف الإنفاق الدفاعي. كما أكد بايدن: “إن وعد حلف الناتو بأن أي هجوم على أحد أعضائه هو هجوم على الجميع يحافظ على أمريكا، الأمر بهذه البساطة. أي شخص يشكك في متانة هذا الوعد يشكل خطرًا على أمننا”. وأضاف بايدن: “الناتو التزام مقدس، ينظر دونالد ترامب إلى هذا الأمر وكأنه عبء، فعندما ينظر إلى الناتو لا يرى التحالف الذي يحمي أمريكا والعالم، بل يرى عملية ابتزاز”. وتابع: “إنه لا يفهم أن حلف الناتو قد بُني على مبادئ الحرية والأمن والسيادة الوطنية، لأن المبادئ لا تهم ترامب أبدًا، كل شيء بالنسبة له مجرد صفقة”. الأمن الدولي ـ التحول الأوروبي نحو الحوار مع موسكو، الدوافع، السياق، والحدود
الضغوط الأمريكية على أوروبا لزيادة الإنفاق العسكري
مطلب رفع الإنفاق الدفاعي إلى (5%) من الناتج المحلي: وافق أعضاء حلف شمال الأطلسي في يونيو 2025 على زيادة الإنفاق الدفاعي إلى (5%) من الناتج المحلي الإجمالي لبلدانهم، وهو معيار طالما سعى إليه الرئيس “دونالد ترامب”، بينما سعت إسبانيا إلى منع هذا الإجراء، لكنها تراجعت في النهاية عن معارضتها بعد التوصل إلى اتفاق لإعفائها منه. سيكون أمام جميع الدول الأعضاء باستثناء إسبانيا حتى عام 2035 للوصول إلى الهدف. نص الاتفاق على إنفاق ما لا يقل عن (3.5%) من الناتج المحلي الإجمالي الوطني على الاحتياجات العسكرية الأساسية، في حين يمكن تخصيص (1.5%) إضافية للنفقات ذات الصلة.
انعكاسات الضغوط على السياسات الدفاعية الألمانية والفرنسية: تُعد ألمانيا، من حيث الأرقام المطلقة، أكبر دولة إنفاقًا، حيث تبلغ حوالي (90) مليار يورو (2.1% من الناتج المحلي الإجمالي)، تليها فرنسا بما يقرب من (60) مليار يورو (2%). إن الانتقال من نسبة (2%) من الناتج المحلي الإجمالي إلى (5%) سيؤدي إلى إنفاق ألمانيا عشرات المليارات الإضافية من اليورو على الدفاع كل عام. يقول المستشار “فريدريش ميرز” إن (1%) من الناتج المحلي الإجمالي للبلاد سيمثل حوالي (45) مليار يورو. يوضح “هوبيرتوس باردت”، المدير الإداري للمعهد الاقتصادي “IW Koeln” أنه من المرجح أن يتم تمويل هذه النفقات الإضافية عن طريق القروض. وعد ماكرون بأن ترفع فرنسا الإنفاق الدفاعي إلى (64) مليار يورو بحلول عام 2027. أعلن الرئيس الفرنسي أن الحكومة ستُقدّم إلى البرلمان تحديثًا لقانون التخطيط العسكري الذي يمتد لسبع سنوات، وذلك لتحديد مخصصات الزيادات في الإنفاق. يقول “برتراند دي كوردو” مستشار الدفاع والتسليح في معهد جاك ديلور: “إن الزيادات في ميزانية الدفاع التي أعلنها الرئيس ماكرون، والتي رحبت بها أغلبية الطبقة السياسية، لا تزال تعتمد على تصويت في البرلمان، وبالتالي فهي الآن غير مؤكدة”.
الجدل الأوروبي حول “العسكرة” والاستقلال الدفاعي: يكشف النقاش الدائر حول الأمن الأوروبي عن ثلاثة انقسامات رئيسية بين الدول الأعضاء في الاتحاد الأوروبي. يتعلق أولها بمن ينبغي له الإشراف على الأمن الأوروبي، إذ اعتمدت العديد من الدول الأعضاء على الولايات المتحدة. مع ذلك، دعت دول مثل فرنسا إلى نهج أكثر تركيزًا على الاتحاد الأوروبي، يؤكد على الاستقلالية الاستراتيجية. يتمحور هذا الخلاف حول مدى استقلالية الاتحاد الأوروبي عن الولايات المتحدة. بينما يرى أنصار التحالف الأطلسي أن تقليل اعتماد الاتحاد الأوروبي على الأسلحة الأمريكية قد يضر بتوافق عمليات حلف الناتو ويُضعف الدعم الأمريكي للأمن الأوروبي، مما قد يُعرّض أمن أوروبا للخطر.
يتمثل الانقسام الثاني في ما إذا كان ينبغي السعي لتحقيق الاستقلال الاستراتيجي من خلال الاتحاد الأوروبي، ولا سيما المفوضية الأوروبية، أو من خلال التعاون المتعدد الأطراف التقليدي بين الدول الأعضاء، أو من خلال إطار أوروبي آخر أوسع نطاقًا من الاتحاد الأوروبي. حتى الحكومات المؤيدة للاتحاد الأوروبي مترددة في منح الاتحاد صلاحيات واسعة في مسائل الدفاع والأمن، مما يعكس مخاوف أوسع نطاقًا بشأن المركزية. وتجري مناقشات حول بنية أمنية تشمل الاتحاد الأوروبي والمملكة المتحدة ودول الشمال الأوروبي. ويمكن كذلك مناقشة دور تركيا في مستقبل البنية الأمنية الأوروبية.
تتمحور القضية الثالثة حول كيفية تحقيق استقلالية استراتيجية أكبر والموارد اللازمة لذلك. تدعم الدول ذات التقاليد الراسخة في التدخل الاقتصادي الحكومي، مثل فرنسا وإيطاليا، زيادة الإنفاق على الأسلحة المصنعة في الاتحاد الأوروبي وتعزيز دور الدولة. في المقابل، فضّلت دول مثل ألمانيا وهولندا تاريخيًا نهجًا أقل حمائية يركز على الحد الأدنى من الإنفاق الدفاعي والاعتماد بشكل أكبر على الأسواق العالمية.
مستقبل الالتزام الأمريكي بالمادة الخامسة
المخاوف الأوروبية من تراجع الضمانات الأمنية: يمتلك الاتحاد الأوروبي بندًا خاصًا به للدفاع المشترك، لكن يُنظر إليه على أنه أضعف من المادة الخامسة من حلف الناتو. ويبدو أن مفوض الدفاع في الاتحاد الأوروبي يريد تغيير ذلك، في الوقت الذي يعيد فيه الجيش الأمريكي النظر في وجوده في أوروبا. يقول “أندريوس كوبيليوس” إن دول الاتحاد الأوروبي يجب أن يكون لديها “ضمانات متعددة” لأمنها إلى جانب المادة الخامسة من حلف الناتو، بما في ذلك وضع “آلية واضحة” لكيفية عمل بند الدفاع المشترك الخاص بالكتلة. أضاف: “لقد تعلمنا نحن الليتوانيين في تاريخنا أنه من الأفضل أن يكون لدينا ضمانات متعددة لأمننا”. تابع: “سيكون من الجيد، إلى جانب ضمانات المادة الخامسة من حلف الناتو، أن تكون هناك ضمانات بموجب المادة (42.7) من حلف الاتحاد الأوروبي، مع آلية واضحة لكيفية تنفيذها. كما سيكون من الجيد أن تكون هناك ضمانات بأن جميع دول الجبهة الشرقية ستدافع عن بعضها البعض بنفس الطريقة التي تستعد بها للدفاع عن نفسها”.
أثر الغموض الأمريكي على دول أوروبا الشرقية والبلطيق: تستعد إدارة ترامب للتخلص التدريجي من تمويل برامج المساعدة الأمنية الأمريكية التي تدعم الدول الأوروبية المتاخمة لروسيا. تستهدف التخفيضات المادة (333)، وهو برنامج يسمح بتوفير التدريب والمعدات لقوات الأمن الأجنبية في مجالات مثل مكافحة الإرهاب، والأمن السيبراني، والأمن البحري، وأمن الحدود. كانت دول البلطيق، إستونيا ولاتفيا وليتوانيا، هي المستفيدين الرئيسيين من هذا البرنامج. تقوم دول البلطيق جميعها بزيادة كبيرة في الإنفاق الدفاعي في عام 2026 والسنوات القادمة. أعلنت ليتوانيا في العام 2025 أنها ستزيد الإنفاق الدفاعي إلى (5% ـ 6%) من الناتج المحلي الإجمالي بحلول عام 2026. وافق برلمان لاتفيا على مشروع قانون جديد يخصص (4.91%) من الناتج المحلي الإجمالي للدفاع في عام 2026. ستقوم وزارة الدفاع الإستونية بتغيير هدف إنفاقها من (3.35%) في عام 2025 إلى (5.37%) من الناتج المحلي الإجمالي لعام 2026 والمستقبل المنظور، ليصل إجمالي الإنفاق الدفاعي إلى أكثر من (10) مليارات يورو بين عامي 2026 و2029.
تداعيات ذلك على الردع في مواجهة روسيا: لا تزال روسيا في قلب المشهد الأمني الأوروبي عام 2026، على الرغم من أن الخبراء لا يتوقعون حربًا مباشرة بين حلف الناتو وروسيا. بدلًا من ذلك، يكمن الخطر الأكبر في تحركات بطيئة الوتيرة تُضعف البيئة الأمنية الأوروبية تدريجيًا دون تجاوز عتبة المادة الخامسة من حلف الناتو. كما أن عجز أوروبا عن تشكيل بيئتها الأمنية، في مثل هذا السيناريو، سيتلاشى بسببه الردع، وسيرث الاتحاد الأوروبي حدودًا غير مستقرة بشكل دائم. أمن ألمانيا ـ مستقبل السياسات الأمنية في مواجهة التهديدات غير التقليدية
الدفع نحو الاستقلالية الدفاعية الأوروبية
إحياء مشاريع الدفاع الأوروبي المشترك (PESCO): تستطيع (26) دولة عضو من خلال “PESCO” مشاركة التخطيط والتطوير والاستثمار بشكل مشترك في مشاريع القدرات المشتركة، وتعزيز الجاهزية العملياتية ومساهمة قواتها المسلحة. يتمثل هدف الدول الأعضاء في زيادة فعاليتها في مواجهة التحديات الأمنية، والتقدم نحو مزيد من التكامل، وتعزيز التعاون الدفاعي ضمن إطار الاتحاد الأوروبي. يؤدي ذلك إلى تعزيز قدرة الاتحاد الأوروبي كفاعل أمني دولي. كما ينص برنامج أوروبي بقيمة (150) مليار يورو، يهدف إلى مساعدة الدول على تعزيز استثماراتها الدفاعية، والذي أُقر في مايو من العام 2025، على ألا تتجاوز نسبة المكونات المستوردة من خارج الاتحاد الأوروبي والدول الشريكة، مثل النرويج وأوكرانيا، (35%) من إجمالي تكلفة أي عملية شراء. ولا تعتبر الولايات المتحدة دولة شريكة في هذا البرنامج. تعتمد الدول الأوروبية بشكل كبير على الولايات المتحدة في مجال الدعم العسكري، بما في ذلك المراقبة والاستطلاع، والاستخبارات، والنقل الاستراتيجي، والدفاع الصاروخي، والأصول الفضائية. لكن حزب الشعب الأوروبي، يؤكد إن هذه هي تحديدًا المجالات التي تحتاج فيها أوروبا إلى تعزيز قدراتها الخاصة.
حدود القدرة الأوروبية بعيدًا عن المظلة الأمريكية
تفوق القوة القتالية الأمريكية بكثير القوات الأوروبية الموزعة على (29) جيشًا، مدعومة بقيادة موحدة وقدرات استراتيجية شاملة، بينما تعاني الجيوش الأوروبي من تشتت القيادة. تواجه أوروبا خيارين، زيادة القوات لتعويض ضعف التنسيق، أو تعزيز التعاون العسكري بسرعة، وإلا ستظل جهودها الفردية غير كافية لردع التهديد الروسي، مع ضرورة معالجة مشاكل التنسيق والمخاطر. يتطلب الردع الأوروبي الفعال، خصوصًا في البلطيق، قوة برية ضخمة تشمل نحو (1400) دبابة، و(2000) مركبة قتال مشاة، و(700) قطعة مدفعية، إضافةً إلى مخزون لا يقل عن (مليون) قذيفة عيار (155) ملم لـ(90) يومًا من القتال المكثف. كما تحتاج أوروبا إلى تعزيز قدراتها الجوية والصاروخية والطائرات المسيّرة، بإنتاج يقارب (2000) مسيّرة بعيدة المدى سنويًا، وتجنيد (300) ألف جندي جديد. تحقيق ذلك يستلزم زيادةً كبيرة في الإنفاق الدفاعي، وتوسيع الإنتاج الصناعي، واعتماد الشراء الجماعي الأوروبي ومعايير موحدة لتقليل التكاليف وتعزيز الكفاءة.
التناقض بين تعزيز الاستقلال والحفاظ على الناتو
حذّرت كايا كالاس، مسؤولة السياسة الخارجية في الاتحاد الأوروبي، من أن إنشاء جيش أوروبي منفصل إلى جانب حلف شمال الأطلسي سيكون “خطيرًا للغاية”، بحجة أنه سيؤدي إلى تشويش سلاسل القيادة في حالة الأزمات، في ظل استمرار النقاش حول القدرات الدفاعية المستقبلية للتكتل. ففي حديثها في مؤتمر أمني في النرويج، أكدت كالاس أن الأولوية الرئيسية في أي أزمة عسكرية يجب أن تكون الحفاظ على هيكل قيادة واضح. فعلى المستوى الأوروبي، يجتمع وزراء العدل باستمرار وهم يفكرون بمنظور أوروبي، بينما لطالما كان وزراء الدفاع ذوي توجه وطني، بميزانيات وطنية وقرارات وطنية. ملف الأمن الدولي ـ النووي الإيراني والترويكا، السيناريوهات المحتملة
تقييم وقراءة مستقبلية
– لم يعد مفهوم “تقاسم الأعباء” في خطاب وسياسات “دونالد ترامب” مجرد أداة ضغط تفاوضي، بل تحوّل إلى إطار لإعادة تعريف الالتزام الأمريكي تجاه أوروبا وحلف شمال الأطلسي. من المرجح أن يستمر الغموض الاستراتيجي الأمريكي بوصفه وسيلة لفرض واقع جديد يدفع الحلفاء الأوروبيين إلى تحمّل مسؤوليات أمنهم بصورة أوسع، سواء عبر رفع الإنفاق الدفاعي أو تطوير قدرات مستقلة تقلّص الاعتماد البنيوي على واشنطن.
– من المتوقع أن يُسرّع هذا التحوّل اتجاهين متوازيين، أولهما تعميق “العسكرة” الأوروبية من خلال زيادة الميزانيات الدفاعية، وتوسيع القاعدة الصناعية العسكرية، وتعزيز مشاريع الشراء المشترك والتكامل العملياتي. وثانيهما تنامي الانقسام السياسي حول حدود الاستقلالية الاستراتيجية، بين من يراها ضرورة وجودية في ظل تذبذب الضمانات الأمريكية، ومن يخشى أن تؤدي إلى إضعاف الناتو وتقويض الردع الجماعي بدلًا من تعزيزه. ومن المحتمل أن يُفضي هذا الانقسام إلى حلول وسط، تقوم على تعزيز القدرات الأوروبية داخل الإطار الأطلسي، لا خارجه.
– ستظل دول الجبهة الشرقية والبلطيق الأكثر حساسية لأي تراجع أمريكي، ما سيدفعها إلى تسريع برامج التسلح ورفع الإنفاق الدفاعي إلى مستويات غير مسبوقة، مع السعي إلى بناء شبكات ضمان أمنية متعددة تجمع بين الناتو، والاتحاد الأوروبي، والتعاون الإقليمي. غير أن هذه الجهود، رغم أهميتها، ستظل محدودة الفاعلية ما لم تُعالج مشكلة تشتت القيادة الأوروبية ونقص القدرات الاستراتيجية الحرجة.
– من المحتمل أن تستفيد روسيا من أي انقسام أو تردد أطلسي، عبر اتباع استراتيجيات ضغط تدريجي دون تجاوز عتبة المواجهة المباشرة، ما يجعل الردع مسألة سياسية بقدر ما هي عسكرية. وعليه، فإن مستقبل الأمن الأوروبي سيعتمد بدرجة كبيرة على قدرة القارة على تحويل ضغوط ترامب من عامل إرباك إلى دافع لإعادة بناء توازن أمني أكثر استدامة، يحافظ على الناتو، دون الارتهان الكامل له.
رابط مختصر.. https://www.europarabct.com/?p=114666
*حقوق النشر محفوظة إلى المركز الأوروبي لدراسات مكافحة الإرهاب والاستخبارات
الهوامش
New US Defence Strategy says Europe should handle Russia threat
https://tinyurl.com/mvf2h9w7
Defence spending: Which EU countries are on course to hit NATO’s 5% of GDP target?
https://tinyurl.com/2hxxsjxv
France’s political crisis risks delaying military buildup
https://tinyurl.com/828apwj6
Global Risks to the EU in 2026: What are the main conflict threats for Europe?
https://tinyurl.com/4xhkd3dr
