خاص ـ المركز الأوروبي لدراسات مكافحة الإرهاب والاستخبارات، ألمانيا وهولندا ECCI
الأمن الدولي ـ “تحالف الراغبين”، ما مدى واقعية تقديم ضمانات أمنية لأوكرانيا؟
يركّز الرئيسان الأميركي دونالد ترامب والروسي فلاديمير بوتين على أوروبا، في ظلّ حالة الركود التي تُحيط بالجهود الرامية إلى إنهاء حرب أوكرانيا، بعد قمتهما رفيعة المستوى ولكن منخفضة التأثير في ألاسكا.
ودعا ترامب أوروبا إلى بذل المزيد من الجهود، في مكالمة هاتفية مع الزعماء الأوروبيين في الرابع من سبتمبر 2025، على الرغم من أن النشاط الدبلوماسي التدريجي الوحيد المتعلّق بالحرب يأتي من حلفاء الولايات المتحدة عبر الأطلسي، في محاولتهم التوصّل إلى ضمانات أمنية لحماية أوكرانيا بعد أيّ اتفاق سلام.
جاء أحدث تطوّر في دبلوماسية الرئيس المتقلّبة بشأن أوكرانيا، بعد تصريحه بأنه يعتزم التحدّث مع بوتين مرة أخرى، حتى يتمكّن من تحديد “ما سنفعله”. ورفض الإفصاح عمّا إذا كان سيوافق على فرض عقوبات مباشرة صارمة على روسيا إذا استمرّ بوتين في إبطاء مبادرة السلام الخاصة به، بعد تجاهل الرئيس الروسي للمواعيد النهائية المتكرّرة، والتي ستنتهي خلال سبتمبر 2025. أكّد ترامب في المكتب البيضاوي: “مهما كان قراره، فسنكون إمّا سعداء به أو غير راضين عنه. وإذا كنا غير راضين عنه، فسترون أشياء تحدث”.
المزيد من العقوبات المباشرة والثانوية
أكّد رئيس المجلس الأوروبي، أنطونيو كوستا، في الخامس من سبتمبر 2025، عقب اجتماعه مع الرئيس الأوكراني فولوديمير زيلينسكي: “نحن نعمل مع الولايات المتحدة وشركاء آخرين متشابهين في التفكير لزيادة ضغطنا من خلال المزيد من العقوبات المباشرة والثانوية”. تابع كوستا: “إنّ فريقًا أوروبيًا سيسافر إلى واشنطن العاصمة للعمل مع أصدقائنا الأميركيين”، لكنه لم يكشف عن هوية المشاركين في الوفد. أعلنت رئيسة المفوضية الأوروبية، أورسولا فون دير لاين، أنّ الحزمة التاسعة عشرة من العقوبات التي يفرضها الاتحاد الأوروبي على روسيا، والمصمّمة لإحضار الرئيس الروسي فلاديمير بوتين إلى طاولة المفاوضات، سيتمّ الكشف عنها خلال سبتمبر 2025.
روسيا ـ إثارة الخلافات بين الولايات المتحدة وأوروبا
تعمل روسيا على تكثيف استراتيجيتها، المتمثّلة في محاولة إثارة الخلافات بين حلفائها في حلف شمال الأطلسي، في إطار سعيها إلى إيجاد مساحة لقواتها، للضغط من أجل تحقيق المزيد من المكاسب على خطوط المواجهة في شرق أوكرانيا. خلال زيارته للصين، التقى بوتين رئيس الوزراء السلوفاكي، روبرت فيكو، واتهم الأوروبيين بإثارة “الهستيريا” بشأن تخطيط موسكو المزعوم لمهاجمة أوروبا. وصرّح بوتين: “أيّ شخص عاقل يدرك تمامًا أنّ روسيا لم تكن لديها، ولن تكون لديها، أيّ رغبة في مهاجمة أحد”. وفي ألاسكا، حذّر بوتين من أنّ أوروبا لا ينبغي لها أن “تعيق” دبلوماسيته مع ترامب.
في هجومٍ آخر على أوروبا، صرّحت المتحدثة باسم وزارة الخارجية الروسية، ماريا زاخاروفا: “إنّ روسيا ترى أنّ فكرة نشر أيّ قوات أجنبية في أوكرانيا، في حال التوصّل إلى اتفاق سلام، غير مقبولة”. وكان هذا أحدث جهدٍ من موسكو لإحباط مساعي أوروبا لنشر قوة طمأنة لأوكرانيا بعد الحرب. لا توجد أيّ مؤشرات على عقد لقاء بين بوتين وزيلينسكي، وهو اللقاء الذي توقّعه مسؤولو البيت الأبيض بثقة. عرض بوتين إجراء محادثات في موسكو، ولكن بما أنّه من المستحيل على زيلينسكي الشعور بالأمان في مثل هذا المكان، فقد مثّل هذا مثالًا آخر على العرقلة.
كان ترامب قد اقترح المشاركة كطرف ثالث في مثل هذه المحادثات، لكنه عاد إلى الموقف الروسي القاضي بضرورة إجراء لقاء مباشر أولًا. ويخشى حلفاء أوكرانيا من أن يُدبّر بوتين مواجهةً في اجتماع ثنائي، قد يستخدمها لاحقًا ليُجادل ترامب بأنّ زيلينسكي قد خرّب العملية.
يقول الجنرال كاريل ريشكا، رئيس هيئة الأركان العامة التشيكية: “إذا كان الأوكرانيون يقاتلون، فهم يكسبون لنا الوقت… هذه حقيقة”. وأضاف: “أوكرانيا تكسب الوقت لأوروبا لترتيب أمورها، وبدء ردع ودفاع فعّالين”. تابع ريشكا: “إنّ استمرار الحرب في أوكرانيا ليس أمرًا إيجابيًا، لكن يتعيّن علينا أن نكون ممتنّين للأوكرانيين لأنّهم ما زالوا يدافعون عن أنفسهم”.
هناك بعض التقدّم بشأن الضمانات الأمنية لكن روسيا قد تُشكّل عائقًا
كان هناك بصيص من التقدّم، حتى لو كان ذلك مشروطًا بنجاح مبادرة ترامب للسلام، التي توقّفت قبل أن تبدأ فعليًا. في أعقاب المكالمة الهاتفية بين ترامب وزيلينسكي، وأعضاء “تحالف الراغبين” من حلفاء أوكرانيا، قال الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون، إنّ 26 دولة تعهّدت بالمساهمة في قوة حفظ سلام محتملة، إذا تمّ التوصّل إلى اتفاق لوقف إطلاق النار. أكّد ماكرون: “إنّه، إلى جانب تعزيز القوات المسلحة الأوكرانية، ونشر قوات أوروبية فيها، ينبغي أن يكون العنصر الثالث من ضمانات أمن أوكرانيا شبكة أمان أميركية”. أبلغت الولايات المتحدة حلفاءها بانفتاحها على دور محدود في تقديم ضمانات أمنية لأوكرانيا، في حال التوصّل إلى اتفاق سلام مع روسيا.
هل ينبغي لترامب أن يقدم التزاما أكثر وضوحا بالمساعدة في تأمين أوكرانيا؟
أكد نائب الرئيس الأمريكي السابق مايك بنس في الخامس من سبتمبر 2025، إن الدول الأوروبية يجب أن تمارس المزيد من الضغوط على فلاديمير بوتين لإنهاء حرب أوكرانيا.وتابع بنس في بروكسل: “الآن هو الوقت المناسب للولايات المتحدة وحلفائنا الأوروبيين لاتخاذ إجراءات إضافية”.
وفي إشارة إلى مرور ” الموعد النهائي الذي فرضه ترامب على نفسه” للرئيس الروسي لإنهاء الحرب، أوضح بنس: “بوتين لا يريد السلام؛ إنه يريد أوكرانيا، بوتين لا يفهم سوى القوة”.
يؤيد بنس حملةً يقودها السيناتور الأمريكي ليندسي غراهام لفرض رسوم جمركية ضخمة على الدول التي لا تزال تدفع مبالغ طائلة لروسيا مقابل الغاز والنفط. وعندما سُئل بنس عما إذا كانت دول الاتحاد الأوروبي والمجر وسلوفاكيا ، التي تشتري النفط والغاز الروسيين، يجب أن تواجه عقوبات، لم يجب بشكل مباشر، أجاب بنس: “أشجعكم على الاطلاع على تشريع السيناتور غراهام. أعتقد أنه من المهم أن نستهدف الدول التي تُغذي آلة الحرب الروسية بعقوبات ثانوية صارمة”.
أضاف بنس: “يجب على فلاديمير بوتين أن يرى أن الولايات المتحدة وحلفاءنا الأوروبيين ملتزمون بالسلام، لكننا ملتزمون بتحمل العواقب إذا استمر في شن هذا الهجوم الوحشي على السكان المدنيين في أوكرانيا”.
وعندما سُئل عما إذا كان ينبغي لترامب أن يقدم التزاما أكثر وضوحا بالمساعدة في تأمين أوكرانيا ما بعد الحرب، رد بنس: “أعتقد أن الإدارة أوضحت أنه مع تولي أوروبا زمام المبادرة بشأن الضمانات الأمنية فإن الولايات المتحدة ستكون منفتحة على توفير الدعم لتلك الضمانات الأمنية، وأنا أشعر بالتشجيع من ذلك”. تابع بنس: “أنا مشجع بالمشاركة المستمرة للرئيس ترامب في هذه العملية”.
النتائج
تشير مجريات الأحداث إلى أنّ حرب أوكرانيا تدخل مرحلة دقيقة، تتقاطع فيها المبادرات الدبلوماسية مع الحسابات الاستراتيجية المعقدة للأطراف الفاعلة، لا سيّما الولايات المتحدة وروسيا وأوروبا.
التحوّل في خطاب ترامب، الذي يجمع بين الضغط على الحلفاء الأوروبيين وتردد في مواجهة الصين، يعكس حسابات انتخابية داخلية أكثر منه سياسة خارجية مستقرة. إذ يسعى ترامب إلى إظهار قيادته دون أن يتحمّل تبعات العقوبات الشاملة أو الدخول في مواجهة مباشرة مع قوى كبرى مثل الصين والهند.
تُظهر أوروبا حذرًا واضحًا في مقاربتها للأزمة، فهي تسعى إلى تحقيق التوازن بين دعم أوكرانيا وعدم التورّط المباشر في نزاع يمكن أن يمتدّ إلى أراضيها. العقوبات المتتالية على روسيا تعبّر عن إرادة سياسية حقيقية، لكن فعاليتها باتت محدودة مع استمرار بعض الدول في شراء الطاقة الروسية بطرق ملتوية. هذا الفارق في التطبيق يخلق فجوة بين المواقف المعلنة والواقع العملي، ما يُتيح لموسكو استغلال هذا التناقض لتأجيج الخلافات داخل المعسكر الغربي.
يواصل بوتين استراتيجيته المزدوجة: الضغط الميداني في شرق أوكرانيا، ومحاولة شرخ الصف الغربي عبر حرب معلوماتية وتحالفات سياسية من بوابة الصين والهند. تُعد محاولته اللقاء المباشر مع زيلينسكي جزءًا من حملة لإظهار الانفتاح ، في حين أن الهدف الحقيقي هو نسف أي مسار تفاوضي لا يخدم أهداف الكرملين.
تتحمّل أوكرانيا العبء الأكبر، فهي تقاتل ميدانيًا وتدفع ثمن تردد الحلفاء في حسم مواقفهم. ومع ذلك، كما أن صمود أوكرانيا يمنح أوروبا “الوقت” لإعادة ترتيب دفاعاتها، وقد يكون هذا الدور هو ما يعيد رسم موازين القوة في القارة مستقبلاً.
إن فرص تحقيق اختراق دبلوماسي حقيقي تظلّ ضعيفة ما لم يحدث تغيّر جذري في موقف أحد اللاعبين الكبار. ويبقى السؤال الأكبر: هل ستستمرّ الولايات المتحدة في ظلّ إدارة ترامب في تقديم ضمانات أمنية فعلية، أم أنّ حساباتها الانتخابية ستطغى على مصالح الحلفاء؟
يبقى الجمود هو السمة الأبرز للمشهد الحالي، واحتمالات التصعيد تظل قائمة، خاصة في ظل رغبة روسيا في تحسين موقعها التفاوضي ميدانيًا قبل أيّ تسوية.
رابط مختصر.. https://www.europarabct.com/?p=108843
