المركز الأوروبي لدراسات مكافحة الإرهاب والاستخبارات ـ ألمانيا وهولندا
الأمن الدولي ـ العلاقة عبر الأطلسي ، ألمانيا كلاعب عسكري صاعد في حرب أوكرانيا . ملف
نسخة PDF ملف الأمن الدولي ـ العلاقة عبر الأطلسي ـ ألمانيا كلاعب عسكري صاعد في ظل حرب أوكرانيا
مقدمة
تشكل العلاقة بين ضفتي الأطلسي ـ أي بين الولايات المتحدة ودول أوروبا ـ أحد أهم محاور الأمن الدولي منذ نهاية الحرب العالمية الثانية. فقد لعبت واشنطن الدور الضامن لأمن القارة الأوروبية عبر حلف شمال الأطلسي (الناتو)، في حين ارتبطت أوروبا بدرجة كبيرة بالغطاء الأمني والعسكري الأمريكي. ومع اندلاع الحرب الروسية ـ الأوكرانية في فبراير 2022، تجدد النقاش حول موازين القوة عبر الأطلسي، وحول ما إذا كانت أوروبا قادرة على صياغة سياسة دفاعية مستقلة، أو ستبقى رهينة المظلة الأمريكية.
تأتي ألمانيا في قلب هذا الجدل، إذ دفعتها الحرب إلى إحداث تحوّل جذري في عقيدتها الدفاعية عبر تخصيص ميزانية استثنائية للجيش، والتفكير بدور عسكري يتجاوز حدودها التقليدية كقوة اقتصادية. غير أن هذا المسار يثير أسئلة عديدة: هل يمكن لألمانيا أن تكون اللاعب الأكبر عسكريًا في أوروبا؟
وهل يسمح التاريخ القريب، بعقدة النازية، بقبول عودة برلين كقوة عسكرية ذات نفوذ في النزاعات الدولية؟
ثم كيف سيكون موقف فرنسا التي ترى نفسها الضامن الأساسي لفكرة “الاستقلالية الأوروبية”؟
وماذا عن دول أوروبا الشرقية وأوكرانيا التي تنظر لألمانيا بعين الحذر والاعتماد في الوقت ذاته؟
إن عودة النقاش حول ألمانيا كقوة عسكرية يعكس بوضوح التغيرات التي أحدثتها حرب أوكرانيا في هيكل الأمن الأوروبي. فمن ناحية، تحتاج القارة لقوة قادرة على الموازنة مع التهديد الروسي، ومن ناحية أخرى تخشى من تكرار سيناريوهات الماضي. وفي هذا السياق، يظل الموقف الأمريكي حاسمًا: دعم برلين كقوة داخل الناتو، مع الحفاظ على السيطرة على القرار الأمني الأوروبي.
وتقوم الدراسات الثلاث الواردة في هذا الملف على مقاربة تحليلية متكاملة:
- الدراسة الأولى ترصد مسار العلاقة عبر الأطلسي في ظل حرب أوكرانيا، بين وحدة الموقف والتباين في المصالح.
- الدراسة الثانية تركز على الدور العسكري الألماني الصاعد، وإمكاناته وحدوده في مواجهة التحديات الداخلية والخارجية.
- الدراسة الثالثة تبحث في المخاوف الأوروبية والدولية من عودة ألمانيا كقوة عسكرية، وانعكاسات ذلك على الأمن الإقليمي والدولي.
وبذلك، يقدم الملف رؤية شاملة تساعد على فهم معادلات القوة بين ضفتي الأطلسي، واستشراف ملامح الدور الألماني في مرحلة ما بعد حرب أوكرانيا.
1 ـ أمن دولي ـ الولايات المتحدة وأوروبا، وحدة الموقف تجاه روسيا أم تباين المصالح؟
تواجه الدول الأوروبية في ظل تسارع التحولات الجيوسياسية، اختبارًا لاستقلاليته الاستراتيجية، فقد كشفت قمة واشنطن وألاسكا عن واقع تُرسم فيه السياسات الأمريكية واقع الحرب ، بينما تتحمّل أوروبا التكاليف. تتصاعد الانقسامات الأوروبية حول آليات دعم أوكرانيا، وتحديدًا ما يتعلق بإرسال “قوة طمأنة”، إذ تنقسم الدول الأوروبية بين داعمة ومتحفظة، ما يعكس تباينًا استراتيجيًا يُضعف القرار الأوروبي الموحد.
هل تخلّت أوروبا عن استقلال قرارها لصالح واشنطن؟
تتبع الإدارة الأمريكية نهجًا يتمثل في “واشنطن تضع الشروط، وأوروبا تتحمل التكاليف” فبالنظر إلى قمة أوكرانيا في واشنطن في أغسطس 2025 تبين أن هذه المسارات تُشير إلى اتجاه خطير، حيث انحرف الاتحاد الأوروبي إلى دور الدافع والوسيط، مُقدّمًا ترتيبات تمويلية تخدم أولويات الولايات المتحدة، بينما تُقيد قدرته على التصرف باستقلالية. تُخاطر أوروبا في أوكرانيا، بتقليص دورها إلى تمويل الأسلحة الأمريكية ودعم صفقات ترامب، بدلاً من تحديد شروط السلام والاستقرار.
كشف معهد “كيل” للاقتصاد العالمي، في تقريره الصادر في أغسطس 2025 استنادًا إلى أحدث بيانات مشروع “تعقب دعم أوكرانيا، فبحلول نهاية يونيو 2025، بلغ إجمالي قيمة الإمدادات العسكرية التي اشترتها الدول الأوروبية لصالح أوكرانيا نحو (35.1) مليار يورو. ويعني ذلك أن أوروبا تجاوزت الولايات المتحدة في هذا المجال بفارق يبلغ (4.4) مليار يورو، وهو مؤشر مهم على تغير ميزان الدعم بين ضفتي الأطلسي. فعلى سبيل المثال، خلال مايو ويونيو 2025، خصصت الدول الأوروبية مجتمعة نحو (10.5) مليار يورو كمساعدات عسكرية، ومن هذا المبلغ، ذهب (4.6) مليار يورو على الأقل مباشرةً إلى عقود شركات الدفاع.
يقدّر “فابيان هوفمان” الباحث في جامعة أوسلو والمتخصص في شؤون الصواريخ، أن الولايات المتحدة توفّر نحو (90%) من قدرات الصواريخ طويلة المدى لحلف شمال الأطلسي. أضاف هوفمان: “إن قدرات الضربات بعيدة المدى بالغة الأهمية في الحروب الحديثة، لا أحد يرغب في أن يجد نفسه في وضعٍ كأوكرانيا من دون أسلحة كهذه في السنة الأولى من الحرب، فهذا يضعه في موقف حرج على الفور”. أمن دولي ـ مفاوضات روسيا وأوكرانيا، الفرص والعقبات
كيف يهدد تباين المواقف حول “قوة الطمأنة” وحدة الموقف الأوروبي؟
أعلنت فرنسا أن رؤساء الأركان في عدة دول يعملون بالفعل على بلورة تفاصيل إرسال “قوة طمأنة” إلى أوكرانيا ضمن إطار “تحالف الراغبين”. كما أن بريطانيا مستعدة لإرسال قوات إلى أوكرانيا، وذلك بهدف طمأنة الأوكرانيين وتعزيز ثقتهم بالتحالفات الدولية. أفادت بلجيكا ودول البلطيق، ليتوانيا وإستونيا، استعدادها الواضح للمساهمة في القوة الدولية، أما لاتفيا، الدولة الثالثة في منطقة البلطيق، فلم تحسم موقفها بعد.
أعربت السويد بدورها عن ترددها، مشيرة إلى أنها بحاجة إلى مزيد من التوضيح بشأن طبيعة المهمة التي يتم الإعداد لها، سواء كانت مهمة حفظ سلام أو مهمة ردع أو طمأنة. أبدت دول أوروبية مواقف أكثر تحفظًا كألمانيا والمجر وبولندا، وأعلن الرئيس الأمريكي دونالد ترامب بشكل قاطع أن بلاده لن ترسل قوات برية إلى أوكرانيا
أكدت هولندا وإسبانيا عن رغبتها في المساهمة في تقوية الضمانات الأمنية، سواء من خلال الدعم الفني أو العسكري غير القتالي، لكنها أكدت أن خططها لا تشمل إرسال قوات برية إلى الأراضي الأوكرانية. أوضح “رافائيل لوس” خبير الأمن من مركز أبحاث المجلس الأوروبي للعلاقات الخارجية: “أن اختلاف النهج بين الولايات المتحدة والاتحاد الأوروبي قد يُسبب صراعًا”.
أوروبا تبحث عن دور أمني فاعل وسط التردد الأمريكي
حدد خبراء الأمن في أوروبا عدة سيناريوهات قد تنتهى إليها مفاوضات السلام في أوكرانيا، ذكر تقرير لمعهد الخدمات الملكية المتحدة البريطاني (RUSI)، سيناريوهات لخبراء من مركز استراتيجيات الدفاع الأوكراني (CDS) يمكن تصورها لضمانات الأمن الأوروبية:
أولًا- القوات الأوروبية في أوكرانيا: يعد هذا الخيار بأنه “الشكل الأكثر التزاما للمشاركة”. ومع ذلك، فإنهم يشيرون إلى أن مجرد نشر القوات البرية قد لا يكون فعالا بشكل خاص.
ثانيًا- الدرع الواقي لأوكرانيا: يعطي الخبراء مع هذا الخيار، الأولوية لحماية المجال الجوي. وستقوم وحدات أوروبية بمراقبة المجال الجوي، وخاصة في غرب ووسط أوكرانيا.
ثالثًا- مراقبة وقف إطلاق النار: هذا البديل يقع بالفعل ضمن نطاق المهمة الخاصة. وتتمثل فكرة الخبراء في أنه في حال التوصل إلى وقف لإطلاق النار عن طريق التفاوض مع الولايات المتحدة، فإن الأوروبيين سوف يقدمون التكنولوجيا وأدوات المراقبة اللازمة لضمان الحفاظ على وقف إطلاق النار.
رابعًا- الدعم عن بعد: سيقدم الأوروبيون لأوكرانيا بحسب الخبراء، في هذه الحالة، في المقام الأول معلومات استخباراتية في الوقت الحقيقي، وتدريب الجنود، والمشورة الفنية، وصيانة المعدات العسكرية.
خامسًا- الاحتياطيات الاستراتيجية لأوكرانيا: السيناريو الأخير يتضمن قيام الأوروبيين بتخزين المعدات العسكرية والموارد الأخرى بالقرب من أوكرانيا حتى يمكن إدخالها بسرعة إلى البلاد في حالة وقوع هجوم جديد.
يتمسك الرئيس الروسي فلاديمير بوتين بمطالبه بأن تتخلى أوكرانيا عن طموحاتها في حلف شمال الأطلسي، وبالحصول على تعهد ملزم قانونًا من التحالف العسكري الذي تقوده الولايات المتحدة بأنه لن يتوسع شرقًا أكثر، فضلًا عن فرض قيود على الجيش الأوكراني، والاتفاق على عدم نشر أي قوات غربية على الأرض في أوكرانيا كجزء من قوة حفظ السلام، ويبدو أن ترامب يميل إى الموافقة على هذه المطالبات. الأمن القومي الألماني بعد حرب أوكرانيا ـ الانتقال من مقاربة دفاعية إلى استباقية
الاستقلال الاستراتيجي الأوروبي، ألمانيا نموذجًا
أكد “بوريس بيستوريوس” وزير الدفاع الألماني في يوليو 2025: “إن ألمانيا لن ترسل صواريخ توروس طويلة المدى لدعم المجهود الحربي في أوكرانيا”، ويتمتع صاروخ “توروس”، كنظام بعيد المدى، بمدى أكبر بكثير يصل إلى (500) كيلومتر. كان قد أبدى المستشار الألماني “فريدريش ميرز” دعمه لإرسال أنظمة “توروس” إلى أوكرانيا، إلا أن ألمانيا غيّرت موقفها منذ ذلك الحين، معتبرةً أن دعم أوكرانيا لتطوير قدراتها الدفاعية بعيدة المدى أمرٌ غير مقبول.
وافقت ألمانيا على دفع ثمن أنظمة “باتريوت” الأمريكية لأوكرانيا، ودعا وزير الدفاع الألماني إلى مشاركة دول أخرى في حلف شمال الأطلسي في عملية شراء صواريخ “باتريوت” للدفاع الجوي وأسلحة أخرى لأوكرانيا. أعلن “بيستوريوس” :أن ألمانيا تنوي شراء صاروخ تايفون الدقيق بعيد المدى من الولايات المتحدة، والذي يمكنه إطلاق صواريخ يصل مداها إلى حوالي (2000) كيلومتر.
سجل الجيش الألماني وفقًا لوزارة الدفاع في 31 يوليو 2025، تطورًا “إيجابيًا للغاية” مقارنة بالعام 2024، حيث نما عدد الأفراد بنحو (2000). هكذا، يبلغ عدد القوات الآن (183000) جندي. النمو قوي بشكل خاص بين عدد الخدمة العسكرية التطوعية، التي ارتفع عددها بنحو (%15) إلى (11350). تستهدف الخدمة العسكرية الجديدة ما مجموعه حوالي (460000) جندي (260000) منهم في الخدمة الفعلية، وحوالي (200000) في الاحتياط.
يعمل الجيش الألماني على تعزيز استقلاليته العسكرية والتقنية، عبر تنفيذ خطة شاملة لتوسيع قدراته في مجال الفضاء. وتتمثل إحدى أبرز ركائز هذه الاستراتيجية في تطوير شبكة وطنية خاصة من الأقمار الصناعية، تمكّنه من تأمين اتصالات مستقلة وآمنة، بعيدًا عن الاعتماد على مزودي الخدمات الأمريكيين. هذا التوجه يعكس إدراكًا متزايدًا لدى برلين بأهمية امتلاك بنية تحتية سيادية في مجال الاتصالات الفضائية، خاصة في ظل تسارع التطورات الجيوسياسية العالمية، وزيادة التهديدات السيبرانية والعسكرية، وظهور تحديات جديدة في ميدان الحرب الحديثة.
أعلن “أولاف شولتز” المستشار الألماني (100) مليار يورو من الأموال الإضافية للجيش الألماني من صندوق خاص ممول بالديون بعد حرب أوكرانيا في فبراير 2022. يتم إنفاق المبلغ المخصص على “طائرات مقاتلة شبحية من طراز F-35A، وطائرات هليكوبتر قتالية، ومركبات قتالية للمشاة، وطائرات استطلاع بحرية، وفرقاطات وأنظمة دفاع صاروخي باتريوت، وعلى العديد من أنظمة الأسلحة الأكثر كفاءة ولو كانت مرتفعة الثمن”. أمن ألمانيا ـ عسكرة السياسة الألمانية، التحول من سياسة الدفاع إلى الهجوم
فرنسا تقود مشروع الاستقلال الدفاعي الأوروبي
تلعب فرنسا دورًا محوريًا في استقلالية قطاع الدفاع الفرنسي الأوروبي، لكن الخبراء يحذرون من أنه سيتعين على البلاد تجاوز العقبات، ولا ينبغي لها أن تمضي قدمًا بمفردها. كان قد بدأ الرئيس الفرنسي “إيمانويل ماكرون” بالفعل في الترويج لما أسماه “الاستقلال الاستراتيجي” في عام 2017. أعلن الرئيس الفرنسي: “أنه سيتم استثمار (6.5) مليار يورو إضافية في الدفاع في عامي 2026 و2027، مما يرفع ميزانية الدفاع في البلاد إلى (64) مليار يورو بحلول نهاية ولايته في عام 2027”.
أكد “سيباستيان ليكورنو” وزير القوات المسلحة الفرنسي: “أن العواصم، وليس المفوضية الأوروبية، هي التي يجب أن تتولى القيادة عندما يتعلق الأمر بالدفاع. وأضاف: “توجيه الأولويات يجب أن يظل في أيدي الدول الأعضاء، التي تتمتع بالسيادة في تحديد متطلباتها التشغيلية والقدراتية”.
يقول “إيمانويل دوبوي” المحلل العسكري ورئيس معهد الدراسات الأمنية والمنظور الأوروبي (IPSE): ” لقد أصبحنا المصدر الرئيسي للأسلحة في أوروبا من خلال بيع طائرات رافال المقاتلة ومدافع سيزار، ومع ذلك فإننا نعاني من نقص الذخيرة لأننا لم نعد نملك القدرة على تصنيعها في فرنسا”. أوضح “دوبوي”: “نحن بحاجة إلى الاستثمار في قدرات نشر القوة طائرات النقل الثقيلة لنشر عدد كبير من القوات والمركبات المدرعة في الخارج”.
**
2 ـ الأمن الدولي ـ ألمانيا كلاعب عسكري صاعد في أوروبا ـ بين الطموح والقيود
تشهد ألمانيا تحولاً دفاعياً كبيراً لتصبح الجيش التقليدي الأكثر قوة في أوروبا، وهو ما يتسم بزيادة كبيرة في الإنفاق الدفاعي، وتحول من ضبط النفس بعد الحرب إلى القيادة النشطة في الأمن الأوروبي، وخطط طموحة لتحديث وتوسيع قدرات الجيش الألماني، وخاصة في القوات البرية والأنظمة الرقمية. ويمكن اعتبار الحرب الدائرة بين أوكرانيا وروسيا، وما ينجم عنها من تهديد بشن المزيد من الهجمات الروسية، بالإضافة إلى التركيز المتجدد على التزامات حلف شمال الأطلسي (الناتو)، عوامل محفزة لهذا التحول.
أقرّ مجلس الوزراء الألماني، يوم 27 أغسطس 2025، مشروع قانون يُدخل الخدمة العسكرية التطوعية في إطار سعي البلاد لتعزيز دفاعاتها الوطنية في مواجهة المخاوف الأمنية الروسية. كما فتح مشروع القانون الباب أمام إعادة تطبيق التجنيد الإجباري. مشروع قانون يسمح بإطلاق خدمة عسكرية طوعية مدتها ستة أشهر لتعزيز عدد الاحتياطيين، مع إمكانية إعادة فرض التجنيد الإجباري إذا لم يتم الوصول إلى الأهداف المنشودة من 20,000 متطوع في 2026 إلى 38,000 بحلول 2030 . أشار وزير الدفاع بوريس بيستوريوس إلى أن الدولة قد تعيد التجنيد الإجباري في حال فشل النموذج الطوعي في تحقيق الأعداد المطلوبة، حيث يُنتظر تطبيق التشريع في يناير 2026. كاد الأمر أن يُحرج بوريس بيستوريوس: مشروع قانون الخدمة العسكرية المُعدّ منذ فترة طويلة، والذي اقترحه وزير الدفاع من الحزب الاشتراكي الديمقراطي، والذي كان من المقرر أن يُقرّه مجلس الوزراء يوم 27 أغسطس 2025 ، من المتوقع أن يناقش المشرّعون مشروع القانون بشكل مكثف، وربما يدخلون تعديلات قبل المصادقة النهائية عليه.
التحول في العقيدة الدفاعية الألمانية
شرعت ألمانيا في يونيو 2025 تحت قيادة المستشار فريدريش ميرز في تحوّل جذري في سياستها الدفاعية ، بهدف بناء الجيش الألماني (البوندسفير) ليصبح أقوى جيش تقليدي في أوروبا بحلول عام 2031. ويشمل هذا التحوّل زيادة هائلة في الإنفاق الدفاعي: 5% من الناتج المحلي الإجمالي، منها 3.5%مخصصة مباشرةً للاستثمارات العسكرية، و1.5% إضافية مخصصة للبنية التحتية ذات الاستخدام المزدوج، كالطرق والجسور، التي تخدم الاحتياجات المدنية والعسكرية. وقد وافق البوندستاغ، البرلمان الاتحادي الألماني، على تعديلات دستورية لتخفيف القيود المالية، مما يسمح بإنشاء صندوق تحديث بقيمة 500 مليار يورو. ويمثل هذا القرار قطيعة تاريخية مع عقود من السياسة العسكرية المقيدة. إذا مضت ألمانيا قدمًا وزادت إنفاقها الدفاعي إلى 5% من الناتج المحلي الإجمالي، فستُحدث تحولًا تاريخيًا في سياستها الأمنية.
منذ نهاية الحرب الباردة ، اعتمدت بشكل أساسي على التعاون الدولي والدبلوماسية وثقافة ضبط النفس العسكري الاستراتيجي . لكن خطاب المستشار السابق أولاف شولتز في “زيتن فيندي” في 27 فبراير2022، بعد ثلاثة أيام من بدء روسيا عمليتها العسكرية على أوكرانيا، شكّل نقطة تحول. بعد ذلك، أنشأت الحكومة الألمانية صندوقًا خاصًا بقيمة 100 مليار يورو (حوالي 112 مليار دولار أمريكي) للجيش الألماني . في عام 2024، بلغ الإنفاق الدفاعي الاعتيادي حوالي 90 مليار يورو، أي ما يعادل حوالي 2.1% من الناتج المحلي الإجمالي. وستتطلب زيادة هذا الإنفاق إلى 5% ميزانية دفاع مستقبلية تتجاوز 160 مليار يورو سنويًا. وسيكون لذلك آثار هائلة لم تُحسب بالكامل بعد، ولم تُجمع الأموال اللازمة لها بعد .
ومن المتوقع أن توافق الحكومة الألمانية على خارطة طريق مالية متوسطة الأجل من شأنها مضاعفة ميزانية الدفاع السنوية إلى أكثر من الضعف . إذا تم تأكيد مشروع الحكومة ، فسيكون لدى الجيش الألماني ما مجموعه أكثر من 86 مليار يورو تحت تصرفه لعام 2025. بالإضافة إلى حوالي 62 مليار يورو في ميزانية الدفاع، من المقرر إنفاق ما يقرب من 24 مليار يورو من الصندوق الخاص للجيش الألماني. كذلك من المقرر أن يبلغ 82.69 مليار يورو لعام 2026، و93.35 مليار يورو لعام 2027، و136.48 مليار يورو لعام 2028. ومن المتوقع أن يتم الوصول إلى مستوى 5 بالمئة من الإنفاق بحلول عام 2029، أي قبل وقت طويل من هدف حلف شمال الأطلسي لعام 2035 للدول الأعضاء للوصول إلى 3.5% من الناتج المحلي الإجمالي في الإنفاق العسكري.
دوافع التحول الدفاعي الألماني ـ صدمة استراتيجية مزدوجة
لم تصل النخب السياسية الألمانية إلى هذا التحول بالصدفة. فقد أحدثت صدمتان خارجيتان – إحداهما من روسيا والأخرى من الولايات المتحدة – تغييرًا هيكليًا في البيئة الاستراتيجية لبرلين:
أولها، والأكثر شيوعًا، هو الحرب الدائرة في أوكرانيا. كشفت الحرب الروسية على أوكرانيا عام 2022، وما تلاه من تآكل في مصداقية الردع الأوروبي، عن ضعف جاهزية أوروبا العسكرية، وخاصة ألمانيا. ورغم تعهداتها، كافحت ألمانيا للوفاء بتعهداتها لحلف الناتو بتوفير أنظمة الدفاع الجوي والذخيرة والدعم اللوجستي والقوات المقاتلة. وقد أبرزت هذه التجربة مدى اعتماد أوروبا الخطير على القدرات العسكرية الأمريكية، ومدى بطء استجابة أكبر اقتصاد في الاتحاد الأوروبي لحرب كبرى في القارة.
كانت الصدمة الثانية أقل حدة، لكنها لم تكن أقل تأثيرًا. ففي ظل إدارة دونالد ترامب الثانية، تعاملت الولايات المتحدة بشكل متزايد مع أوروبا كعامل إزعاج استراتيجي، لا كشريك. وقد انعكس هذا في جميع المجالات الرئيسية للعلاقات عبر الأطلسي، من التجارة إلى الدفاع. في مؤتمر ميونيخ للأمن في فبراير 2025، وصف نائب الرئيس جيه دي فانس الأوروبيين بالخصوم الأيديولوجيين؛ فيما أشارت تقارير بأن الولايات المتحدة تدرس تقليص وجودها العسكري في أوروبا بنسبة تصل إلى 30% كجزء من إعادة تقييم واسعة النطاق يقودها البنتاغون للانتشار العسكري الأميركي في مختلف أنحاء العالم. تستضيف ألمانيا عددًا أكبر من القوات الأمريكية من أي دولة أخرى في أوروبا، حيث يتمركز حوالي 35 ألف جندي أمريكي في حوالي 35 بلدية. وتشمل هذه القواعد قاعدة رامشتاين الجوية، وهي مركز رئيسي للعمليات الجوية الأمريكية والاتصالات عبر الأقمار الصناعية؛ وغرافنفور، التي تُعدّ، وفقًا للجيش، أكبر منطقة تدريب للجيش الأمريكي خارج الولايات المتحدة . كل هذا دفع صانعي السياسات الألمان إلى مواجهة احتمال أن واشنطن قد لا تكون الحليف الذي كانت عليه في السابق.
إعادة بناء الجيش الألماني
يتألف الجيش الألماني حاليًا من حوالي 182 ألف جندي في الخدمة الفعلية وحوالي 49 ألف جندي احتياطي نشط.. في حال نشوب صراع، سيحتاج الجيش الألماني إلى قوام إجمالي يبلغ 460 ألف جندي، وفقًا لإرشادات حلف شمال الأطلسي. وتعتزم وزارة الدفاع الألمانية رفع عدد جنودها إلى 203 آلاف جندي على الأقل بحلول عام 2031، ويتحدث بعض الخبراء أن وزير الدفاع الألماني بيستوريوس يهدف إلى رفع العدد إلى ما بين 250 ألفًا و260 ألف جندي نشط، بالإضافة إلى 200 ألف جندي احتياطي.
وستشمل جهود التحديث الجارية جميع فروع القوات المسلحة، والهدف هو استبدال الدبابات والطائرات والسفن القديمة، وتطوير الرقمنة، وتوسيع قدرات القيادة والتحكم. تستعد ألمانيا لتقديم أكثر من 60 طلب شراء عسكري كبير للموافقة البرلمانية عليها بحلول نهاية العام 2025، بهدف إصلاح قواتها المسلحة وإنشاء أقوى جيش تقليدي في أوروبا. وقد عرض وزير الدفاع الألماني بوريس بيستوريوس الخطط على المشرعين في يوليو 2025، مؤكدا على الجهود الحثيثة التي تبذلها الحكومة لتحديث الجيش الألماني.
ويأتي على رأس قائمة المشتريات العقد الذي طال انتظاره لشراء 20 طائرة يوروفايتر إضافية، بقيمة تصل إلى 3.46 مليار دولار. تستعد برلين أيضًا لطلب ما يصل إلى 5000 مركبة مدرعة من طراز بوكسر بتكوينات متعددة من شركتي KNDS وRheinmetall. وتشمل هذه المركبات ما يصل إلى 600 نظام دفاع جوي من طراز Skyranger، مبني على طراز بوكسر، بالإضافة إلى نسخ مخصصة للقتال والاستطلاع والإجلاء الطبي.
بالتوازي مع ذلك، ستشتري ألمانيا ما لا يقل عن 3500 مركبة باتريا AMV من شركة باتريا أويج الفنلندية. وقد تصل قيمة الصفقة إلى 5.76 مليار دولار. وبالإضافة إلى ذلك، تدرس وزارة الدفاع الاستحواذ على عدة مئات من الدبابات القتالية الرئيسية من طراز ليوبارد 2 – وهي الدبابات الثقيلة الرائدة في ألمانيا – من شركتي KNDS وRheinmetall أيضًا. تُنهي ألمانيا أيضًا استراتيجية وطنية للطائرات بدون طيار، ستُسهم في استقطاب طلبات جديدة بمليارات اليوروهات من مُصنّعين محليين، مثل هيلسينج وكوانتوم سيستمز. وينصبّ التركيز على الأنظمة ذاتية التشغيل، وطائرات الاستطلاع بدون طيار، والذخائر المُتسكعة.
وستحل هذه المركبات محل أسطول فوكس القديم التابع للجيش الألماني، ومن المتوقع أن يتم تنفيذ حوالي 90% من الإنتاج في ألمانيا عبر شراكات مع شركة KNDS وشركة Flensburger Fahrzeugbau Gesellschaft من الأولويات الاستراتيجية الأخرى كسر اعتماد أوروبا على الاتصالات عبر الأقمار الصناعية التي تسيطر عليها الولايات المتحدة. وتخطط ألمانيا لاستثمار أكثر من 17.3 مليار دولار في تحديث بنيتها التحتية العسكرية للأقمار الصناعية خلال السنوات المقبلة.
قطاع صناعة الدفاع
تشهد القاعدة الصناعية الدفاعية الألمانية أيضًا ثورة هادئة. فقد أدت عقود من نقص الاستثمار إلى انخفاض إنتاج شركات مثل راينميتال وكراوس- مافي ويجمان إلى مستويات أقل بكثير من قدرتها الإنتاجية الاستراتيجية. والآن، مع تدفق الطلبات العامة الضخمة، تتوسع هذه الشركات بوتيرة سريعة، فقد ارتفعت أسهم شركات الدفاع الأوروبية. تضاعفت قيمة شركة راينميتال الألمانية ثلاث مرات تقريبا هذا العام، كما ارتفعت أسهم شركة بي إيه إي سيستمز بنسبة 56%، وارتفعت أسهم إيرباص – وهي جزء من اتحاد يوروفايتر – بنسبة 17%.
من جهة أخرى، تضغط برلين من أجل توحيد الدفاع على مستوى أوروبا، سعيًا للحد من تجزئة أنظمة أسلحة الاتحاد الأوروبي وتعزيز الاستقلالية الاستراتيجية عن سوق الأسلحة الأمريكية. إذا نجحت هذه الخطة، فقد تمثل بداية لظهور مجمع صناعي دفاعي أوروبي بقيادة ألمانيا، يتنافس مع الولايات المتحدة والصين ليس فقط في القوة النارية، ولكن أيضًا في التطور التكنولوجي ــ الطائرات بدون طيار، وأنظمة المعركة المعززة بالذكاء الاصطناعي، والدفاع الصاروخي من الجيل التالي من بينها.
يُمثل تعاون ألمانيا مع أوكرانيا في مجال حرب الطائرات المسيّرة أهم تعاون دفاعي في زمن الحرب في التاريخ الحديث. سلّمت الشركات الألمانية أكثر من 900 طائرة مسيّرة متطورة، وأنشأت منشآت تصنيع متكاملة على الأراضي الأوكرانية. تشمل المساهمات الألمانية الرئيسية ما يلي:
ـ أنظمة كوانتوم: ما يقرب من 500 طائرة استطلاع من طراز Vector مزودة بتقنيات كشف الأهداف بالذكاء الاصطناعي ومقاومة الحرب الإلكترونية. يعمل في منشأتهم الأوكرانية الآن 120 شخصًا، وينتجون 1000 وحدة سنويًا، مع إنتاج محلي بالكامل.
ـ هلسينج: التزمت بتسليم 10000 طائرة بدون طيار مدعمة بالذكاء الاصطناعي، بما في ذلك أنظمة مبتكرة مبنية من الخشب الرقائقي بمدى 100 كيلومتر وقدرات تنسيق السرب
ـ راينميتال: أنظمة استطلاع SurveilSPIRE متعددة ومنصات الدفاع الجوي Skynex المصممة خصيصًا لمواجهة تهديدات الطائرات بدون طيار.
ـ HENSOLDT: عدد 10 رادارات TRML-4D قادرة على تتبع 1500 هدف في وقت واحد حتى مدى يصل إلى 250 كيلومترًا.
كانت ألمانيا رائدة في نماذج الإنتاج المشترك من خلال شراكاتها مع أوكرانيا، بما في ذلك اتفاقيات تعاون دفاعي بقيمة 5 مليارات يورو، واستثمارات بقيمة 400 مليون يورو في إنتاج الطائرات الأوكرانية المسيرة بعيدة المدى. وتتجاوز هذه العلاقات مجرد علاقات تجارية، بل هي شراكات صناعية استراتيجية تعزز قدرات كلا البلدين.
توسيع الدور الدفاعي الألماني شرق أوروبا
لمواجهة التهديد الروسي، تعتمد ألمانيا على شركائها الأوروبيين، ويهدفون معًا إلى تعزيز حضورهم في القطب الشمالي. ويبدو أن ألمانيا سترسل سفنًا حربية إلى القطب الشمالي لمواجهة النشاط العسكري الروسي المتزايد في المنطقة. وقد صرّح وزير الدفاع، بوريس بيستوريوس، في يونيو 2025، بأن الجيش الألماني “سيُثبت وجوده” في شمال الأطلسي والقطب الشمالي بسفن دورية.
تركز ألمانيا على تعزيز وجودها العسكري في ليتوانيا، من خلال تشكيل لواء قتالي قوي تابع لحلف الناتو، وقد دُشن مقر اللواء المدرع الخامس والأربعين التابع للجيش الألماني في ليتوانيا في مايو 2025. يُجهَّز المقر لنشر الوحدة القتالية الألمانية، وبحلول نهاية عام 2027، من المتوقع أن يكون حوالي 5000 جندي من الجيش الألماني متواجدين بشكل دائم وفعّالين في ليتوانيا. الهدف هو تعزيز الجناح الشرقي لحلف الناتو، وحماية الليتوانيين من تهديدات روسيا. وقد وصف الرئيس الليتواني اللواء الألماني بأنه “إشارة قوية للتضامن والمسؤولية الأوروبية:. وشكر ألمانيا على تصميمها للوقوف جنبًا إلى جنب مع ليتوانيا على حدود أوروبا.
تنشر القوات الجوية الألمانية 5 طائرات “يوروفايتر” مقاتلة في بولندا. ابتداءً من الخامس من أغسطس 2025 في قاعدة مينسك مازوفيتسكي الجوية، وستنطلق منها. ووفقًا للقوات الجوية، من المتوقع أن يستمر الانتشار في المطار شرق وارسو أقل من شهر. ويوجد في الموقع حوالي 150 جنديًا من الجيش الألماني. تدعم القوات الجوية الألمانية القوات المسلحة البولندية في مراقبة المجال الجوي البولندي منذ أبريل 2025. وحتى أغسطس 2025، كانت الطائرات المقاتلة تُقلع من روستوك. وجاء هذا النقل استجابةً لطلب بولندي.
شاركت سفن ألمانية بجانب كل من هولندا والنرويج والبرتغال في مناورات قبالة الساحل الشمالي للنرويج ومنطقة الشمال العليا في مارس 2025، بهدف “استعراض قدرة التحالف على العمل معًا”، وفقًا للقيادة البحرية المتحالفة لحلف شمال الأطلسي (MARCOM). تشكل التدريبات جزءًا من عملية انتشار أوسع نطاقًا وسط تصاعد التوترات بين حلف شمال الأطلسي وروسيا. وتهدف العملية إلى تأمين الممرات البحرية ومراقبة النشاط تحت الماء في منطقة القطب الشمالي، وهي منطقة ذات أهمية استراتيجية وتضم البنية التحتية الحيوية، بما في ذلك الكابلات البحرية التي تربط أوروبا القارية بأرخبيل سفالبارد النرويجي.
تحديات التحول الدفاعي الألماني
تُهدد عدة مخاطر بعرقلة التحول الدفاعي في ألمانيا. فعلى الصعيد المحلي، يواجه ميرز مشهدًا سياسيًا معقدًا. فحكومته الائتلافية هشة، والتعديلات الدستورية التي تُمكّن من الإنفاق الدفاعي الجديد قد تواجه تحديات قانونية في المحاكم أو مقاومة من التيارات المحافظة ماليًا.
على الصعيد الصناعي، تُعتبر الطاقة الإنتاجية الدفاعية الأوروبية اليوم متواضعة نسبيًا نظرًا لصغر حجم الصناعات الدفاعية. يُضاف إلى ذلك ضعف سلسلة التوريد، ونقص القوى العاملة، وطول الجداول الزمنية للتصنيع، مما قد يُؤخر المشاريع الرئيسية. وحتى مع زيادة التمويل، فإن اختناقات الطاقة الإنتاجية وضعف اللوجستيات قد يُعيق التقدم السريع.
لا يزال غياب التماسك بين الدول الأعضاء في الاتحاد الأوروبي يُشكل عقبة كبيرة على المستوى الاستراتيجي. فبينما تتزايد الصناديق والمبادرات المشتركة، يفتقر الاتحاد الأوروبي إلى عقيدة دفاعية موحدة. وبدون تنسيق أكثر وثوقًا، تُواجه الجهود خطر التشتت أو التكرار. وخارج أوروبا، يُثير عدم اليقين بشأن أولويات الأمن الأمريكية تساؤلات حول موثوقية الركيزة الأمريكية لحلف الناتو على المدى الطويل. وسيُجبر تراجع واشنطن برلين وبروكسل على تسريع خططهما تحت ضغط أكبر بكثير.
لضمان مصداقية أجندتها الدفاعية، يجب على ألمانيا وضع جداول زمنية واضحة وواقعية للمشتريات، مدعومة بمعايير واقعية وشفافة، وإدارة دقيقة للمشاريع. وينبغي إعطاء الأولوية للتوافق التشغيلي مع شركاء الناتو والاتحاد الأوروبي منذ البداية، لا سيما في مجالات الاتصالات والخدمات اللوجستية وتنسيق ساحات المعارك. كما يجب على ألمانيا معالجة الفجوات الصناعية من خلال الاستثمار في تدريب القوى العاملة الدفاعية وتحفيز الإنتاج المحلي.
**
3 ـ الأمن الدولي ـ عودة ألمانيا العسكرية ـ المخاوف والانعكاسات على أمن أوروبا والعالم
تعيد ألمانيا ترتيب أولوياتها السياسية والأمنية، وفقاً لتطورات المشهد السياسي على الساحة الدولية، ما دفعها لإقرار أول استراتيجية لأمنها القومي منذ الحرب العالمية الثانية، وتعزيز الصناعات العسكرية من جديد، والانتشار العسكري خارج أراضيها، ما يعني أن ألمانيا تنتقل من مرحلة “قوة اقتصادية مسالمة” إلى مرحلة “قوة عسكرية محتملة”، ورغم أن هذا التحول في سياسة ألمانيا يصب لصالح الاتحاد الأوروبي، في إطار تبنيه استراتيجية دفاع مستقلة، وتخلي الولايات المتحدة عن أوروبا في مسألة الدفاع، فإن عودة ألمانيا عسكرياً، يؤجج المخاوف على المستويين الأوروبي والأطلسي، بشأن تبعاته نظراً للخلفيات التاريخية لألمانيا قبل الحرب الباردة، وتخوف دول مثل فرنسا والولايات المتحدة من ظهور منافس داخل الناتو، على الصعيدين الأمني والسياسي.
مخاوف الداخل الأوروبي من عودة ألمانيا كقوة عسكرية
عقدة النازية والحرب العالمية الثانية
اتجاه ألمانيا إلى تسليح جيشها من جديد، أعاد للأذهان أسباب الحرب العالمية الثانية وتداعياتها، وتسببت هزيمة ألمانيا في 1918 وإبرام معاهدة فرساي، في تكبدها خسائر اقتصادية لتنازلها عن أراضي وممتلكات ونزع سلاحها، وبالتبعية ظهر تيار سياسي قومي متطرف وتنظيمات شبه عسكرية، وتدريجياً نجم عنها حزب العمال الاشتراكي الوطني “النازيين”، حتى وصل الزعيم النازي أدولف هتلر للسلطة 1933، وأعاد تسليح وتشكيل الجيش الألماني، ما تسبب في انتهاك المعاهدات الدولية، بغزو بولندا في 1939، ما دفع فرنسا وبريطانيا لإعلان الحرب على ألمانيا واندلاع الحرب العالمية الثانية.
أوضح الباحثان “مايكل كيميج” و”سودها ديفيد ويلب” بمجلة فورين أفيرز الأمريكية، أن تخطيط ألمانيا لرفع القيود الدستورية على الاستدانة، يسمح لها باقتراض مئات المليارات من الدولارات لإعادة تسليح جيشها، وطرح الباحثان فكرة أن عقيدة ألمانيا الأمنية ستمثل فائدة الآن لأوروبا، في ظل التهديد الروسي وتلويح واشنطن بالتخلي عن أوروبا في الدفاع، ولكنها ستصبح تهديداً للقارة العجوز على المدى البعيد. أشاروا إلى مقولة وزير الخارجية الأمريكي الأسبق هنري كيسنجر، “ألمانيا كبيرة جدا بالنسبة لأوروبا”، ما يعني أنه كان يرى أن ألمانيا لن تصبح قوة عظمى دولياً، ولكن أهميتها الاقتصادية مع امتلاك جيش قوي، يرجح أن تصبح قوة إقليمية مهيمنة.
طوال العقود ما بين (1945-2014) عاشت أوروبا في استقرار، لرفضها فكرة اللجوء إلى الحروب كحل للأزمات، ما أدى لتراجع القومية وتخلي دول عن تسليحها والتزامها الحياد، وكانت ألمانيا من أوائل الدول التي قلصت جيشها وإنفاقها الدفاعي. ولكن باندلاع حرب أوكرانيا في 24 فبراير 2022، واتخاذ ألمانيا إجراءات لزيادة التسلح، تزداد المخاوف من أن يقع الجيش الألماني تحت قيادة حكومة يمينية متطرفة، في ظل صعود التيار اليميني بألمانيا السنوات الأخيرة، ما يعني تنامي النزعة القومية واحتمالية التخلي عن الحلول السياسية والدبلوماسية لصالح الابتزاز العسكري.
خشية فرنسا من الهيمنة الألمانية
رغم أن الموقفين الألماني والفرنسي يبدوان متوافقين حول تعزيز صناعة الاتحاد الأوروبي الدفاعية بتمويل (150) مليار يورو، فإن آلية إعادة التسليح وظهور ألمانيا في الصورة مجدداً للعب دور محوري في هذه المسألة، تثير مخاوف فرنسا من أن تحل ألمانيا محلها في قيادة أوروبا دفاعياً، عقب احتمال سحب الولايات المتحدة قواتها وضماناتها الأمنية من أوروبا. أكد المستشار الألماني السابق أولاف شولتس، في مارس 2025، أن الخطة ينبغي أن تظل مفتوحة أمام شركاء من خارج التكتل الأوروبي، بينما قال الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون، أن التركيز الأوروبي يجب أن ينصب على تطوير قدراته الذاتية، بدلاً من الاعتماد على الموردين الخارجين.
نظراً لتخوف باريس من تحركات برلين بشأن الإنفاق العسكري، سارع ماكرون لتحديث إحدى القواعد الجوية الرئيسية في بلاده، لتتمكن من استضافة الأسلحة النووية، بهدف استعادة فرنسا دورها في الردع النووي، مستغلاً أنها القوة النووية الوحيدة داخل الاتحاد، خاصة وأن شولتس أبدى رغبته في إجراء محادثات حول الردع النووي الفرنسي. الأمن القومي ـ لماذا قررت ألمانيا إنشاء مجلس للأمن القومي؟
الانقسام بين أوروبا الشرقية والغربية
تتباين المواقف بين دول شرق أوروبا وغربها، حول استراتيجية التسلح الجديدة، لاعتبارات تاريخية وتقدير حجم التهديدات، وتعتبر دول شرق أوروبا مثل بولندا ودول البلطيق ورومانيا، روسيا تهديداً وجودياً ولا تمانع في بناء ألمانيا قواتها المسلحة، بينما تميل دول أوروبا الغربية إلى الحلول الدبلوماسية وتتخوف من توسع ألمانيا عسكرياً. في الوقت نفسه، لدى دول غرب أوروبا قيوداً دستورية تجاه التسلح، بينما ترى دول شرق أوروبا التحالفات مثل الاتحاد الأوروبي والناتو أقل فعالية، وتريد قدرات ردع ملموسة.
المعادلة بين الردع الروسي والمخاوف الأوروبية
بضم روسيا لشبه جزيرة القرم في 2014، لم تُقدم ألمانيا على إجراءات عسكرية حاسمة، واكتفت بفرض عقوبات على روسيا والعودة للتعاون معها، ولكن مع حرب أوكرانيا، أعلنت ألمانيا عن زيادة الإنفاق الدفاعي، كنقطة تحول تاريخية في استراتيجيتها الأمنية منذ الحرب الباردة. أولى الإجراءات التي أعلنها المستشار الألماني السابق أولاف شولتس في مايو 2022، تمثلت في إنشاء صندوق طارئ بقيمة (100) مليار يورو لتحديث الجيش الألماني، وتجاوز حد الإنفاق الدفاعي (2%)، وبرر شولتس القرار المغاير لسياسات بلاده منذ عقود، بهدف حماية أوروبا بعد حرب أوكرانيا.
بات بناء ترسانة عسكرية في غاية الأهمية بالنسبة للألمان والأوروبيين، لرغبتهم في الاستقلالية عن واشنطن، ومواجهة روسيا المنافس التقليدي لألمانيا في أوروبا الوسطى والشرقية، إذ أشارت تقارير على لسان مسؤول بحلف الناتو، إلى أن روسيا حاولت اغتيال الرئيس التنفيذي لشركة “راينميتال” الألمانية لصناعة الأسلحة. منذ استسلام القوات المسلحة الألمانية في مايو 1945، وانتهاء دور الأسطول الألماني، أصبحت البحريتين البريطانية والأمريكية مسؤولتان عن تأمين الناتو بحرياً، رغم البدء في بناء الجيش الألماني في خمسينيات القرن الماضي، ولكن في يونيو 2021، خصص البوندستاغ (19) مليار يورو لتطوير البحرية الألمانية، وفي سبتمبر 2023، بدأ إنتاج (6) غواصات جديدة من طراز “212 سي دي”، وتعد هذه الغواصات الأكثر تقدماً في الغواصات غير النووية. وفي السياق نفسه، يذكر الكاتب والمؤرخ العسكري فريدريش روغه، أن هزيمة الألمان في الحربين العالميتين، تتعلق بعدم فهمهم لإمكانيات سلاح البحرية، ناصحاً الحكومة الحالية بالاهتمام بإعادة بناء القوة البحرية الألمانية.
تسرع ألمانيا من تطوير قواتها البحرية، نظراً لتطوير روسيا من قدراتها البحرية، عقب انضمام فنلندا والسويد لحلف الناتو، وفي إطار العقيدة البحرية الروسية المحدثة في 2022، تنظر روسيا إلى موانئ ألمانيا على بحري البلطيق والشمال كمناطق تابعة لها، حيث فرضت سيطرتها على جوانب بحر البلطيق بعد انهيار البحرية الألمانية في 1945. الأمن القومي ـ هل ترسل ألمانيا جنودها إلى أوكرانيا؟
الموقف الأمريكي من صعود ألمانيا عسكرياً
رغم انتماء الرئيس الأمريكي دونالد ترامب للمعسكر اليميني، وتبنى المستشار الألماني فريدريش ميرتس أفكار يمينية محافظة، فإن مواقف البلدين متباعدة، خاصة وأن الأخيرة وجدت نفسها مجبرة على تجديد خطتها العسكرية، بعد عقود من الاعتماد على مظلة الناتو والأمن الأمريكية، ورفعت الحكومة الألمانية شعار “أوروبا أولاً” على غرار شعار ” أمريكا أولاً”، لتشكيل حماية جماعية لأوروبا، باعتبارها دولة ذات ثقل سياسي واقتصادي بالاتحاد الأوروبي.
تحركات ألمانيا بشأن الإنفاق العسكري والصناعات الدفاعية، تقلق الولايات المتحدة، لتزامنها مع تصريحات المستشار الألماني، التي دعا فيها لتقوية أوروبا بأسرع وقت للاستقلال عن واشنطن، مؤكداً أن أوروبا بحاجة لجيشها الخاص، لإدراكه عدم اهتمام واشنطن بمصير أوروبا. لذا تخشى الولايات المتحدة من إحياء ألمانيا قواتها العسكرية، وتربط الأمر بالوضع العسكري لها قبل الحرب الباردة، وأن تصبح هذه الخطط الألمانية بعيدة تماماً عن سيطرتها، ما يدفع باقي دول أوروبا لتسريع وتيرة التسلح، ويعزز من فكرة الاستقلالية الاستراتيجية لأوروبا عن واشنطن، بينما ترى الأخيرة أن أي تحرك أوروبي يجب أن يتم وفقاً لرؤيتها ومتطلبات الناتو.
وفي الإطار نفسه، تتخوف واشنطن من زيادة الطلب الأوروبي على الأسلحة الأمريكية، أو لجوء ألمانيا إلى قواعد تصدير مختلفة عنها، والاتجاه لشراء أسلحة قد لا تتوافق مع تجهيزات الناتو.
انعكاسات دولية على عودة ألمانيا عسكرياً
يعتبر الخبراء روسيا هي المتضرر الأول من تسليح ألمانيا، لاسيما وأن تصريحات المسؤولين الألمان وصفت روسيا بمصدر تهديد لأمنها القومي، ولكن الصورة من جانب روسيا تبدو مختلفة، فهي لا تنظر لألمانيا كالتهديد الأكبر، بل تعتبره الناتو ككل وتحديداً القوة الأمريكية بالحلف. اعتبرت موسكو التوسع العسكري للناتو مثل ضم فنلندا والسويد، ونشر قوات عسكرية بشرق أوروبا، تهديداً لأمنها، كونه تحالف وليس دولة واحدة، وفي الوقت نفسه تولي موسكو اهتماماً بتحركات برلين الأمنية منذ 2022، ولا تستطيع الفصل بين تحركاتها العسكرية وتوسعات الناتو، لذا اعتادت روسيا ذكر الناتو وألمانيا في خطاباتها التحذيرية للغرب.
انتقد وزير الخارجية الروسي سيرغي لافروف، في 27 مايو 2025، تصريحات ألمانيا بشأن السماح لأوكرانيا باستخدام أسلحة أوروبية بعيدة المدى في العمق الروسي، وقال المتحدث باسم الكرملين ديمتري بيسكوف، في 14 يوليو 2025، إن “ألمانيا تصبح خطيرة من جديد”، رداً على تصريح وزير الدفاع الألماني بوريس بيستوريوس، بأن الألمان مستعدون لقتل الجنود الروس في حال اندلاع حرب بين البلدين.الأمن القومي ـ هل تملك ألمانيا النفوذ الكافي لفرض قمة سلام أوروبية؟
**
تقييم وقراءة مستقبلية
– تعكس التطورات تزايد الخلافات بين الدول الأوروبية وواشنطن بشأن مستقبل مفاوضات السلام لإنهاء حرب أوكرانيا، وتحديدًا بعد قمة ألاسكا وواشنطن2025.
– تتراوح مواقف الدول الأوروبية بشأن “قوة طمأنة” في أوكرانيا من دعم إلى تحفظ، في مقابل انسحاب أمريكي واضح من الالتزامات، ما يخلق أزمة توازن إستراتيجي تهدد تماسك الموقف الغربي ككل.
– تلعب فرنسا وألمانيا دورًا محوريًا في الدفع نحو “الاستقلال الاستراتيجي الأوروبي”، ففرنسا تسعى لذلك عبر الصناعة والتسليح، لكنها تعاني من ضعف القدرات اللوجستية.
– تركز ألمانيا على تقوية البنية الدفاعية والتقنية، خاصة في مجالي الفضاء والاتصالات، لكنها تبدي حذرًا كبيرًا في الانخراط المباشر في الجبهات، كما يتضح من رفضها إرسال صواريخ “توروس”.
– تميل واشنطن الأمريكية إلى نهج “براغماتي” أكثر تقاربًا مع موسكو، ما يزيد من تهميش الدول الأوروبية ويدفعها لتحمل أعباء دفاعية أكبر تجاه دعم أوكرانيا.
– بات من المتوقع أن يكون هناك اختبارًا فعليًا لمشروع “الاستقلال الاستراتيجي الأوروبي”، خاصة في حال تكرّست الانسحابات الأمريكية من الالتزامات الأمنية في أوروبا.
– من المرجح مع تباين مواقف أوروبا بشأن مفاوضات السلام في أوكرانيا قد تنشأ تكتلات دفاعية فرعية داخل أوروبا، ما قد يضعف وحدة القرار الأوروبي في حال غياب تنسيق شامل.
**
– بعد عقود من ضبط النفس التي شكلتها إرث الحرب العالمية الثانية، تشهد ألمانيا تحوّلًا غير مسبوق في سياستها الدفاعية، جعلها أقرب إلى موقع القيادة في الأمن الأوروبي. فبعد عقود من التحفّظ وضبط النفس العسكري، تتجه برلين نحو بناء أقوى جيش تقليدي في أوروبا بحلول عام 2031، مدفوعةً بزيادة هائلة في الإنفاق الدفاعي وخطط تحديث واسعة تشمل القوات البرية والجوية والبحرية، فضلًا عن تطوير أنظمة رقمية متقدمة. ويُعزى هذا التحوّل أساسًا إلى الحرب الروسية الأوكرانية وإلى الشكوك المتزايدة بشأن استمرارية الالتزام الأمريكي تجاه القارة.
– رغم الطموحات الكبرى، يواجه المشروع الدفاعي الألماني تحديات متعددة. فمن الناحية السياسية، يظل الائتلاف الحكومي هشًا وقد يواجه مقاومة بسبب كلفة الإنفاق الدفاعي. أما من الناحية الصناعية، فإن اختناقات الإنتاج وسلاسل التوريد ونقص الكفاءات قد تُبطئ عملية التحديث. كما أن غياب عقيدة دفاعية موحدة داخل الاتحاد الأوروبي يعرقل بناء قوة متماسكة. على الصعيد الدولي، يبقى مستقبل الالتزام الأمريكي تجاه الناتو عاملًا غير مؤكد.
– تتحرك ألمانيا بخطى متسارعة نحو لعب دور عسكري قيادي في أوروبا. إذا نجحت في تجاوز تحديات التمويل والصناعة والسياسة الداخلية، فإنها قد تتحول بحلول 2031 إلى القوة العسكرية التقليدية الأكبر والأكثر تطورًا في القارة. أما إذا فشلت في إدارة هذه التحولات، فقد يبقى طموحها حبيس الأرقام والميزانيات دون أن يتحول إلى قوة ردع حقيقية.
– من المتوقع على المدى القريب أن تشهد ألمانيا تسارعًا في مشتريات السلاح وتوسعًا في الصناعات الدفاعية المحلية، بالتوازي مع إظهار حضورًا عسكريًا متزايدًا على الجناح الشرقي للناتو وفي مناطق التوتر مثل القطب الشمالي وبحر البلطيق، مما يعزز من مكانتها كفاعل أمني محوري. وعلى المدى المتوسط، قد تقود برلين جهود بناء قاعدة صناعية دفاعية أوروبية متكاملة تسعى للحد من الاعتماد على واشنطن. لكن على المدى البعيد، يبقى نجاح هذه الاستراتيجية مرهونًا بقدرة ألمانيا على تجاوز التحديات الداخلية، وإقناع شركائها الأوروبيين بقبول دورها القيادي، وإيجاد توازن بين طموحاتها العسكرية والتزاماتها الاقتصادية والاجتماعية.
– في الغالب ليست هناك عودة فورية للتجنيد الإجباري، بل تجربة مرحلية تعتمد أولًا على جذب الطوعيين، وتفعيل الإلزام فقط في حال الفشل في تحقيق الأهداف المطلوبة. أوروبا تشهد نقاشًا طارئًا حول تعزيز الأمن العسكري مع مراقبة توازن الحقوق الفردية والتحديات الاقتصادية.
– يمكن القول إن ألمانيا تسير بخطى حذرة نحو لعب دور عسكري أوسع داخل الناتو والاتحاد الأوروبي، خصوصًا في جبهة أوروبا الشرقية، لكن هذا الدور سيبقى مرهونًا بإطار العمل الجماعي والتحالفات. فهي تمتلك المقومات الاقتصادية والسياسية التي تؤهلها للارتقاء إلى قوة عسكرية وازنة، غير أن القيود التاريخية والداخلية تجعل من مسارها العسكري مسارًا تدريجيًا أكثر منه قفزة نوعية، وهو ما يعني أن ألمانيا ستظل لاعبًا عسكريًا صاعدًا، لكن بحدود محسوبة توازن بين طموحاتها والقيود المفروضة عليها.
**
– تغير العقيدة الأمنية بألمانيا في هذا التوقيت المليء بالتوترات بين الغرب وروسيا، يحمل دلالات عدة، بأن تقديرات ألمانيا الاستخباراتية تؤكد على استمرار هذه التوترات لسنوات، واحتمالية تصاعدها إلى المواجهة المباشرة بين بعض دول أوروبا وروسيا، إضافة إلى إدراك ألمانيا خطورة اتباع سياسة عسكرية ضمن الدفاع الجماعي للناتو أو استكمال التبعية الأمريكية، ما يجعل خطوات تحديث الجيش الألماني وإعادة تطبيق التجنيد الإجباري، والتوسع في نشر قوات عسكرية في أوروبا، نهجاً جديداً لألمانيا وليس مرتبطاً بسياسات حكومات معينة، ولكن يختلف تطبيقه بناء على توجهات كل حكومة، وهذا الأمر الذي يثير المخاوف داخل وخارج ألمانيا، في ظل صعود دور اليمين المتطرف بصورة واضحة بألمانيا.
– تسعى ألمانيا لاستعادة دورها القيادي في الاتحاد الأوروبي سياسياً وأمنياً، في ضوء تحولات في سياسة الولايات المتحدة داخل الناتو، والإجراءات الجديدة التي اتخذها التكتل الأوروبي لتعزيز الصناعات العسكرية والتعاون الدفاعي الشامل، وربما تضع هذه الجزئية إطاراً عاماً لحدود سياسة تسلح ألمانيا وأهدافها، فالأمر لا يرتبط بسياسة دولة واحدة فقط، بل سياسة “27 دولة” الدول الأعضاء بالاتحاد الأوروبي، وعلاقتها بالولايات المتحدة وحلف الناتو، ما يضمن أن ألمانيا ستحافظ على تشكيل قوة عسكرية طبيعية ضمن النظام الدولي.
– تظل العلاقة بين ألمانيا وفرنسا قائمة على التكامل والمنافسة، الدولتان هم القيادة الحقيقية للتكتل الأوروبي، ويمثلان نفوذ أوروبي داخل الناتو بجانب الولايات المتحدة، ومع عودة ألمانيا لدورها العسكري وتبني مواقف تجاه دعم أوكرانيا وتسليح أوروبا، تزيد فرنسا من تعزيز قدراتها العسكرية التقليدية والنووية، كنوع من أنواع التميز عن ألمانيا، كونها القوة الأوروبية التي تمتلك سلاحاً نووياً بجانب بريطانيا.
– يظل إرث الحقبة النازية مهدداً لألمانيا في أي خطوات تتعلق بالتسلح وقيادة أوروبا في الأمن الدفاعي، وتستغل الولايات المتحدة هذه الخلفية التاريخية، للتأثير على الرأي العام الألماني في تقبله بشأن خطط بلاده العسكرية، والضغط على الحلفاء وخاصة دول شرق أوروبا، لعدم الانصياع وراء ألمانيا واستبدال الدور الأمريكي بالدور الألماني في نشر قوات واستيراد الأسلحة.
– تدريجياً ستتراجع عقدة الماضي حول تسليح ألمانيا، فهي حريصة على إثبات عكس هذه المخاوف من أن تتحول لقوة عسكرية متطرفة، تتسبب في اندلاع حروب داخل أوروبا على غرار الحرب العالمية الثانية، أو أن تستخدم قوتها العسكرية ضد الحلفاء في التكتل الأوروبي أو الناتو، بل ستعمل على بناء ترسانة عسكرية قوية لحماية أوروبا وضمان أمنها، مع مراعاة عدم الانخراط في الحرب الراهنة بين روسيا وأوكرانيا.
– لن تعود العلاقات بين برلين وموسكو إلى ما قبل 2022، فطبيعة المرحلة تفرض معطيات سياسية وعسكرية جديدة، لاستمرار حرب أوكرانيا والاختلاف حول نقاط التفاوض لإنهاء الحرب، خاصة فيما يتعلق بالضمانات الأمنية لأوكرانيا وأوروبا، ما يدفع ألمانيا لاستكمال مراحل بناء جيش قوي قادر على الدفاع عن أي هجمات محتملة، وتستمر التحركات العسكرية الروسية ناحية بحر البلطيق وشرق أوروبا، تحسباً لتصاعد المشهد الميداني خارج حدود أوكرانيا.
رابط مختصر .. https://www.europarabct.com/?p=108459
*حقوق النشر محفوظة إلى المركز الأوروبي لدراسات مكافحة الارهاب والاستخبارات ـ ألمانيا وهولندا ECCI
هوامش
France positions itself as ‘driving force’ behind Europe’s rearmament
https://tinyurl.com/59wdt3ec
How much has the US given to Ukraine?
https://tinyurl.com/3tv28trs
Why Germany isn’t sending Taurus missiles to Ukraine
https://tinyurl.com/3ruauhfc
**
Germany eyes strongest EU army by 2031
Germany’s Strategic Reckoning: Finally Ready to Assume Leadership
Germany’s New Defence Ambitions: A Turning Point for European Security?
Forecasting Germany’s foreign and defense policy under Chancellor Friedrich Merz
**
France to reopen fourth nuclear air base as Europe rushes to rearm
Defence expenditures and NATO’s 5% commitment
Germany surges to fourth largest global military spender: SIPRI
Foreign Relations of the United States, 1951, European Security and the German Question, Volume III, Part 1
