خاص ـ المركز الأوروبي لدراسات مكافحة الإرهاب والاستخبارات ـ ألمانيا وهولندا ECCI
الأمن الدولي ـ العلاقات الألمانية الإسرائيلية في ظل تعقيدات حرب غزة
أكد المستشار الألماني فريدريش: “أنه يزور إسرائيل في وقت لا يمكن أن يكون أكثر تعقيدًا”. وأضاف المستشار الألماني: “أن تصرفات الجيش الإسرائيلي في حرب غزة وضعت ألمانيا أمام معضلات عديدة”. تابع المستشار الألماني: “إن ألمانيا استجابت لهذه المعضلات، مشيرًا على ما يبدو إلى القيود المؤقتة على صادرات الأسلحة إلى إسرائيل، والتي رُفعت منذ ذلك الحين”. مع ذلك، أكد المستشار: “لا توجد خلافات جوهرية بيننا، لإسرائيل الحق في الدفاع عن نفسها؛ حماس هي من بدأت الحرب، إذا ألقوا سلاحهم، ستنتهي الحرب، ثم هناك مستقبل للمنطقة، ومستقبل لغزة كذلك”، مشددًا على هدف حل الدولتين في الشرق الأوسط، وهذا يعني أن إسرائيل ودولة فلسطينية مستقلة ستتعايشان بسلام جنبًا إلى جنب.
أجرى المستشار الألماني فريدريش ميرتس اتصالاً هاتفياً مع رئيس السلطة الفلسطينية محمود عباس، ووفقاً للمتحدث باسم الحكومة، ستيفان كورنيليوس، أكد ميرز دعم ألمانيا لخطة السلام التي طرحها الرئيس الأمريكي ترامب، وأشاد بتعاون السلطة الفلسطينية. حثّ على إجراء إصلاحات عاجلة لتمكين السلطة من لعب دور بنّاء في مستقبل ما بعد الحرب. ويبقى الهدف هو التوصل إلى حل الدولتين عن طريق التفاوض، بما يضمن أمنًا مستدامًا للإسرائيليين والفلسطينيين.
خلافات بشأن تصرفات إسرائيل في قطاع غزة
يُدير المستشار فريدريش ميرز منذ توليه منصبه العلاقات الألمانية الإسرائيلية المتميزة. شهدت برلين والقدس عدة خلافات بشأن تصرفات إسرائيل في قطاع غزة. تُعدّ زيارة ميرز الافتتاحية للقدس مهمةً صعبة؛ فبعض الجوانب يشير إلى الاستمرارية، بينما يشير البعض الآخر إلى التغيير. يتضح هذا جليًا في ردود السفير الإسرائيلي لدى ألمانيا، رون بروسور، على تصريحات المستشار. فعندما عبّر ميرز، بعد توليه منصبه، عن استيائه من أفعال إسرائيل في غزة في مايو 2025، واصفًا إياها بانتهاك القانون الإنساني الدولي، التزم بروسور الهدوء. أكد بروسور: “عندما يُوجّه فريدريش ميرز هذا الانتقاد لإسرائيل، نُنصت إليه باهتمام بالغ، لأنه صديق”.
انتقادات للمستشار الألماني
اختلفت النبرة تمامًا في مطلع أغسطس 2025. وفي ضوء الوضع الإنساني في قطاع غزة، قرر ميرز تعليق تسليم بعض الأسلحة إلى إسرائيل “حتى إشعار آخر”. وتعلق الأمر تحديدًا بالأسلحة التي قد تُستخدم في حرب غزة. صرّح المستشار: “إن الحكومة الألمانية لا يمكنها توريد أسلحة لصراع قد يُودي بحياة مئات الآلاف من المدنيين”. انتقد بروسور المستشار الألماني انتقادات حادة، قائلًا: “إن هذه الخطوة من جانب المستشار لم تُقرّب إطلاق سراح الرهائن الإسرائيليين لدى حماس ولا وقف إطلاق النار”. وأضاف بروسور: “إن ما يُناقَش هو نزع سلاح إسرائيل، وهذا احتفال لحماس”. كما تحدث رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو عن مكافأة ميرز لحماس.
لم ترفع الحكومة الألمانية القيود المفروضة على صادرات الأسلحة إلا في منتصف نوفمبر 2025. علّل المتحدث باسم الحكومة، ستيفان كورنيليوس، ذلك بوقف إطلاق النار في قطاع غزة، الذي دخل حيّز التنفيذ في العاشر من أكتوبر 2025. إلى جانب المحادثات السياسية مع نتنياهو والرئيس الإسرائيلي إسحاق هرتسوغ، ستكون زيارة المستشار إلى نصب ياد فاشيم التذكاري للهولوكوست ذات أهمية بالغة. فهذا الموقع أكثر من مجرد رمز؛ فهو يُخلّد ذكرى الهولوكوست.
صعوبة فهم مفهوم “المصلحة الوطنية”
في أعقاب النزاع حول صادرات الأسلحة، أكد ميرز: “أن الصداقة الألمانية الإسرائيلية قادرة على الصمود في وجه الخلاف حول قضية محددة، لم يتغير شيء في هذا الصدد ولن يتغير شيء في هذا الصدد”. مع ذلك، يُقرّ ميرز بصعوبة فهم مفهوم “المصلحة الوطنية”، لأنه كما صرّح في أكتوبر 2025، لم تُوضّح أبعاده الكاملة بشكل كامل. صاغت هذا المصطلح المستشارة أنجيلا ميركل عام 2008، عندما أصبحت أول رئيسة حكومة أجنبية تُخاطب الكنيست، البرلمان الإسرائيلي. صرّحت قائلةً: “لقد التزمت كل حكومة ألمانية، وكل مستشار ألماني قبلي، بمسؤولية ألمانيا التاريخية الخاصة تجاه أمن إسرائيل، هذه المسؤولية التاريخية لألمانيا جزء من مصلحة بلدي الوطنية”.
ميرز يحذر من ضم أجزاء من الضفة الغربية
قبل زيارته لإسرائيل، زار المستشار الألماني الأردن، حيث حثّ على إحراز تقدم في عملية السلام في الشرق الأوسط. ومن هناك، وجّه رسالة تحذيرية إلى إسرائيل. أوضح ميرز: “إنه لا ينبغي نسيان الوضع في الضفة الغربية”. أضاف ميرز: “يجب أن نبقي الطريق إلى الدولة الفلسطينية مفتوحًا، لذلك يجب ألا تكون هناك أي خطوات ضم في الضفة الغربية”. لطالما دعا أعضاء اليمين المتطرف في حكومة رئيس الوزراء بنيامين نتنياهو إلى ضم الضفة الغربية، ويطالب الفلسطينيون بهذه الأراضي كجزء من دولة مستقلة مستقبلية.
التعاون في مجال الأسلحة موضوع للنقاش
في المحادثات مع نتنياهو، تلعب العلاقات الألمانية الإسرائيلية المضطربة مؤخرًا دورًا رئيسيًا، إلى جانب عملية السلام في الشرق الأوسط. وقد أدى الحظر الجزئي على صادرات الأسلحة الألمانية إلى توتر شديد في العلاقات الألمانية الإسرائيلية مؤخرًا. في الثامن من أغسطس 2025 أصدر ميرز أمرًا بوقف تصدير أي أسلحة أخرى إلى إسرائيل يمكن استخدامها في حرب غزة في الوقت الحالي. تأمل إسرائيل الآن في زيادة شحنات الأسلحة من ألمانيا، بما في ذلك أنظمة نقل الحركة لدبابات ميركافا. في المقابل، تستفيد ألمانيا من المعدات العسكرية الإسرائيلية، مثل نظام صواريخ “حيتس 3”.
النزاع حول مدفوعات المساعدات للسلطة الفلسطينية
بالإضافة إلى التعهدات المحتملة بدعم إسرائيل، يلعب الدعم المالي للسلطة الفلسطينية دورًا محوريًا خلال الزيارة. فقد دأبت ألمانيا والاتحاد الأوروبي على مساعدة السلطة الفلسطينية منذ سنوات في ترسيخ هياكل الدولة الأساسية في الإدارة والتعليم والصحة، وهو ما يُعدّ جزءًا هامًا من الجهود الدولية الرامية إلى تحقيق الاستقرار والآفاق السياسية. تتعرض هذه المساعدات الآن لضغوط متزايدة بسبب الشكوك التي لا تزال قائمة حول ما إذا كانت السلطة الفلسطينية قد أنهت بالفعل برامج الدعم المثيرة للجدل للسجناء وعائلات القتلة القتلى، والتي تسمى “مدفوعات الشهداء”. يتوقع خبراء إسرائيل والاتحاد الأوروبي استمرار هذه المدفوعات. وتتحدث تل أبيب عن مبالغ بمئات الملايين من اليورو، وقد قدمت للاتحاد الأوروبي نتائج مماثلة.
يُعد هذا الأمر بالغ الخطورة، لا سيما وأن الاتحاد الأوروبي تعهد بتقديم 1.6 مليار يورو لإعادة إعمار غزة، بينما تخطط ألمانيا لتقديم 30 مليون يورو إضافية. ومع ذلك، يؤكد الجانبان أن مساعداتهما تخضع لضوابط صارمة، وقد لا تُخصص لهذه البرامج. أكّد الاتحاد الأوروبي مؤخرًا دفع الأموال بموجب النظام القديم، وهو تحديدًا شكل الدعم الذي أرادت السلطة الفلسطينية إيقافه. كما تفترض الأجهزة الإسرائيلية وجود قنوات أخرى لتدفق الأموال. وتنفي السلطة الفلسطينية ذلك رسميًا، لكنها تُشير في الوقت نفسه إلى التزامها السياسي تجاه عائلات الأسرى والضحايا. يضغط الاتحاد الأوروبي الآن من أجل توضيح شامل، ويربط المساعدات الإضافية بإصلاحات النظام الاجتماعي الفلسطيني. ولا ترغب ألمانيا في استئناف المدفوعات المنتظمة إلا بعد توضيح جميع المسائل العالقة.
نتنياهو ومذكرة التوقيف الدولية
لعلّ السؤال الأصعب الذي يواجه ميرز هو ما إذا كان نتنياهو سيُرحّب به في ألمانيا رغم صدور مذكرة توقيف دولية بحقه. فبعد توليه منصبه بفترة وجيزة، أعلن المستشار استعداده التام للسماح له بزيارة ألمانيا. أكد ميرز في مايو 2025: “من حيث المبدأ، يجب أن يكون رئيس الوزراء الإسرائيلي قادرًا على السفر إلى ألمانيا”. مضيفًا: “إنه رئيس وزراء منتخب ديمقراطيًا في الدولة الديمقراطية الوحيدة في المنطقة بأسرها، كيف سنحقق ذلك؟ إن وُضع بالفعل مخطط له، سنُبلغكم في الوقت المناسب”.
النتائج
تُظهر التطورات في العلاقات الألمانية الإسرائيلية أن برلين باتت أمام مرحلة أكثر تعقيدًا في إدارتها للسياسة الشرق أوسطية، خصوصًا بعد تولي المستشار فريدريش ميرز منصبه. فمن جهة، تؤكد الحكومة الألمانية استمرار التزامها بـ”المسؤولية التاريخية” تجاه أمن إسرائيل، وهو مبدأ راسخ في السياسة الألمانية منذ عقود. ومن جهة أخرى، تتزايد صعوبة المواءمة بين هذا الالتزام وبين الضغوط الأخلاقية والسياسية المرتبطة بالحرب في غزة، وخاصة ما يتعلق بالوضع الإنساني ومعايير القانون الدولي. هذا الازدواج يضع ميرز في قلب معادلة دقيقة، تجبره على موازنة الثوابت التاريخية بالمواقف الإنسانية والقانونية التي يتوقعها المجتمع الدولي والرأي العام الألماني.
كشف تعليق صادرات السلاح مؤقتًا لإسرائيل عن لحظة فاصلة في السياسة الألمانية، إذ شكل القرار تحولًا نادرًا في آليات الدعم التقليدي لإسرائيل، وأدى إلى توتر ملحوظ مع حكومة نتنياهو. لكن رفع القيود لاحقًا يعكس إدراكًا ألمانيًا لطبيعة التحالف الاستراتيجي الذي لا ترغب برلين في المساس به، حتى حين تسعى إلى إرسال رسائل دبلوماسية مؤثرة. في هذا السياق، تبدو زيارة ميرز لإسرائيل محاولة لإعادة ضبط العلاقات، وتأكيد أن الخلافات التكتيكية لا تمس جوهر الشراكة.
يواجه ميرز على الصعيد الداخلي، تحديًا إضافيًا يتمثل في تفسير مفهوم “المصلحة الوطنية” للرأي العام الألماني. فربط أمن إسرائيل بهذه المصلحة، كما أرسته المستشارة الألمانية أنجيلا ميركل سابقًا، لم يعد مقبولًا بالبساطة ذاتها في ظل تغير المزاج السياسي الداخلي والانتقادات المتزايدة لطريقة إدارة الحرب في غزة. وهذا يضع ميرز أمام مسؤولية إعادة تعريف الإطار الذي تتحرك فيه السياسة الألمانية دون أن يفقد التوازن بين الأخلاق والمصالح.
من المتوقع على مستوى مستقبل العلاقات الثنائية، استمرار التوترات في الملفات الحساسة، مثل الاستيطان والضم المحتمل في الضفة الغربية، في ظل تحذيرات ميرز من خطوات قد تعرقل حل الدولتين. وستظل قضية مذكرة التوقيف الدولية بحق نتنياهو تحديًا محوريًا، نظرًا لتأثيرها المباشر على البروتوكولات الدبلوماسية والعلاقات بين الدولتين.
تشير المعطيات إلى أن ألمانيا ستواصل دعم إسرائيل أمنيًا، لكنها ستنتهج مقاربة أكثر حذرًا تجاه حرب غزة، ما قد يجعلها لاعبًا أكثر فاعلية في الدفع نحو مسار سياسي يضمن وقف التصعيد وإحياء مفاوضات السلام. كما يُتوقّع أن تسعى برلين إلى تعزيز دورها كوسيط بين إسرائيل والدول العربية، مستفيدة من علاقاتها المتوازنة مع الطرفين. ومع ذلك، ستظل نجاحات هذه المقاربة مرهونة بتطورات الميدان وبمدى استعداد الحكومة الإسرائيلية للتجاوب مع مسار سياسي حقيقي يقود إلى حل الدولتين.
رابط مختصر.. https://www.europarabct.com/?p=112440
