خاص ـ المركز الأوروبي لدراسات مكافحة الإرهاب والاستخبارات، ألمانيا وهولندا ECCI
الأمن الدولي ـ الترويكا الأوروبية ـ هل تتجه إيران نحو خفض تخصيب اليورانيوم لتفادي العقوبات؟
أفادت صحيفة التلغراف البريطانية أن إيران أعربت عن استعدادها لخفض نسبة تخصيب اليورانيوم بشكل كبير، في خطوة تهدف إلى تجنب إعادة فرض العقوبات التي تفرضها الأمم المتحدة. وتأتي هذه الإشارة في وقت تتزايد فيه الضغوط الدولية والإقليمية، لا سيما مع تصاعد التوترات بسبب مخاوف من احتمالية اندلاع مواجهة عسكرية مع الولايات المتحدة أو إسرائيل. ووفقًا لمسؤولين إيرانيين، فإن طهران باتت تدرك حجم التهديدات المحيطة بها، وتسعى إلى إعادة تقييم موقفها بشأن برنامجها النووي.
تحدث المسؤولون في تطور لافت عن استعداد القيادة الإيرانية لتقديم تنازلات مدروسة في سبيل تخفيف حدة التوترات الخارجية، وهو ما يشير إلى تغير في المزاج السياسي داخل دوائر صنع القرار. وقد أفاد مصدر مطّلع بأن الحكومة ذات التوجه الإصلاحي بقيادة مسعود ميداشيكيان تمارس ضغوطًا على التيار المحافظ داخل النظام من أجل كبح جماح البرنامج النووي وتفادي المزيد من العزلة الدولية والعقوبات الاقتصادية.
مساعٍ لإقناع القيادات بتقليص التخصيب
من أبرز المبادرات الجديدة، ما أعلنه علي لاريجاني، الذي تم تعيينه مؤخرًا أمينًا عامًا للمجلس الأعلى للأمن القومي الإيراني. فقد كشف عن نيته طرح خطة على مجلس الوزراء تقضي بخفض مستوى التخصيب من 60% إلى 20%، وهي خطوة مهمة من شأنها أن تفتح الباب أمام استئناف المفاوضات مع الدول الغربية.
نقلت التلغراف عن مسؤول إيراني رفيع أن لاريجاني “يبذل جهودًا لإقناع النظام بخفض التخصيب، ليس فقط لتخفيف العقوبات، بل لتجنب اندلاع حرب جديدة ستكون عواقبها كارثية”.
رغم أن الحرس الثوري الإيراني ما زال يبدي مقاومة لهذه التحركات، إلا أن لاريجاني أشار إلى وجود إشارات إيجابية من بعض دوائر القيادة العليا، التي باتت تميل إلى قبول مقترحات الدول الغربية واستئناف الحوار.
أجرى وزير الخارجية الإيراني، عباس عراقجي، سلسلة من الاتصالات الهاتفية مع نظرائه في فرنسا وألمانيا والمملكة المتحدة. وقد أسفرت هذه الاتصالات عن الاتفاق على عقد اجتماع قريب لبحث سبل منع إعادة فرض العقوبات، وتحديد آليات واضحة للتقدم في الملف النووي.
خلاف داخلي بين التيارات
غير أن الطريق نحو التهدئة ليس سهلًا، إذ تشهد الساحة الإيرانية انقسامًا حادًا حول كيفية التعامل مع الغرب والملف النووي. فبينما يدعو التيار الإصلاحي إلى التهدئة والدبلوماسية ووقف التخصيب كمدخل لرفع العقوبات وتحسين الأوضاع الاقتصادية، يتمسك المتشددون، المدعومون من بعض المؤسسات العسكرية والأمنية، بضرورة الحفاظ على البرنامج النووي كوسيلة ردع وكرمز للسيادة الوطنية.
تزداد الضغوط على المرشد الأعلى للثورة، علي خامنئي، حيث يجد نفسه اليوم أمام مفترق طرق حاسم: إما المضي قدمًا في مشروعه النووي الطموح، أو الاستجابة للمطالب الداخلية والخارجية التي تدعو إلى التراجع من أجل ضمان بقاء النظام واستقراره. تزداد هذه التحديات في ظل أوضاع اقتصادية صعبة، واحتجاجات اجتماعية متكررة، ومطالب شعبية بمزيد من الانفتاح على العالم.
صرح أستاذ علوم سياسية بارز في جامعة إيرانية في تعليق له على الوضع الراهن: “أن السيادة الإيرانية تمر بمرحلة حرجة، فمن الصعب الجمع بين إرضاء الداخل والتفاهم مع الخارج في آن واحد. فالظروف الاقتصادية والمعيشية لم تكن بهذا السوء منذ سنوات، وقد يكون خفض مستوى التخصيب مجرد مناورة سياسية لكسب الوقت وإعادة ترتيب الأوراق”.
النتائج
تبدو إشارات إيران إلى خفض مستوى تخصيب اليورانيوم بمثابة تحول تكتيكي أكثر منه استراتيجي، مدفوعًا بتصاعد الضغوط الاقتصادية والتهديدات العسكرية.
حكومة ميداشيكيان الإصلاحية تحاول استثمار هذا التوجه لتثبيت نهج تفاوضي جديد يخفف من عزلة طهران. ومع ذلك، تبقى العقبة الكبرى في الانقسام الداخلي بين الإصلاحيين والمتشددين، وخاصة مع استمرار الحرس الثوري في التمسك بخط متشدد يربط البرنامج النووي بالسيادة الوطنية والردع.
إذا نجحت حكومة ميداشيكيان في تمرير خطة لاريجاني بتقليص التخصيب إلى 20%، فقد تفتح نافذة جديدة لاستئناف المفاوضات مع الغرب، خاصةً إذا اقترنت بخطوات شفافة تسمح بإشراف دولي.
لكن في حال فشل المسار الدبلوماسي أو واجه تعطيلًا من المتشددين، فقد تعود الأزمة إلى نقطة الصفر، وربما تقود إلى تصعيد عسكري غير محسوب.
مستقبل الملف النووي الإيراني مرهون بقدرة القيادة الإيرانية على الموازنة بين الضغوط الدولية والاستحقاقات الداخلية، في ظل وضع اقتصادي مأزوم وشعب يطالب بالتغيير والانفتاح.
رابط مختصر..https://www.europarabct.com/?p=108188
