خاص ـ المركز الأوروبي لدراسات مكافحة الإرهاب والاستخبارات ـ ألمانيا وهولندا ECCI
الأمن الدولي ـ “الترويكا الأوروبية”، ما تداعيات إنهاء إيران القيود المفروضة على تخصيب اليورانيوم؟
أعلنت إيران، في الذكرى السنوية للاتفاق النووي لعام 2015، إنهاء القيود المفروضة على تخصيب اليورانيوم، وأنها لم تعد ملزمة بقيود الاتفاق، لكنها تعهدت بالتزامها بالدبلوماسية، لتضع بذلك خطًا رسميًا تحت اتفاق كان يرمز في السابق إلى التعاون النادر بين طهران والقوى الكبرى في العالم. وفي بيان صدر في 18 أكتوبر 2025، بعد مرور عقد من الزمان بالضبط منذ توقيع خطة العمل الشاملة المشتركة في فيينا، أكدت وزارة الخارجية الإيرانية أن “جميع الأحكام، بما في ذلك القيود المفروضة على البرنامج النووي الإيراني والآليات ذات الصلة، تعتبر منتهية”. ولكن حتى مع إعلان طهران ما أسمته “يوم انتهاء الاتفاق”، فإنها اعتمدت لهجة متوازنة إلى حد كبير، مؤكدة أنها “تعبر بقوة عن التزامها بالدبلوماسية”.
دور فرنسا في الدبلوماسية النووية
يمثل هذا الإعلان نهاية مرحلة مضطربة في تاريخ إيران النووي. فقد أُشيد بالاتفاق الأصلي لعام 2015 باعتباره انتصارًا دبلوماسيًا صيغ بجهد بالغ على مدار عامين من المفاوضات بين إيران وست قوى عالمية: الصين، وروسيا، والولايات المتحدة، وبريطانيا، وألمانيا، والأهم من ذلك فرنسا، التي لعب دبلوماسيوها دورًا محوريًا في التوسط للتوصل إلى تسويات بشأن تخصيب اليورانيوم والتحقق منه. كانت باريس، تحت قيادة وزير خارجيتها آنذاك لوران فابيوس، تُعتبر واحدة من أصعب المفاوضين في محادثات فيينا، حيث أصرت على فرض قيود صارمة وإشراف لمنع أي بعد عسكري للعمل النووي الإيراني. وساعدت تلك الجهود في التوصل إلى الاتفاق النهائي الذي أقره مجلس الأمن الدولي لاحقًا من خلال القرار 2231.
لكن الاتفاق بدأ ينهار عام 2018، عندما انسحب الرئيس الأمريكي دونالد ترامب من الاتفاق وأعاد فرض عقوبات شاملة. وردًا على ذلك، تراجعت إيران تدريجيًا عن التزاماتها، فخصبت اليورانيوم بما يتجاوز بكثير الحد الأقصى البالغ 3.67% المتفق عليه بموجب الاتفاق. وبحسب الوكالة الدولية للطاقة الذرية، تقوم إيران الآن بتخصيب اليورانيوم إلى درجة نقاء 60%، أقل بقليل من درجة صنع الأسلحة، على الرغم من إصرار طهران على أن برنامجها النووي مدني بالكامل ويركز على الطاقة والأبحاث الطبية.
الموقف الأوروبي يعيد إشعال التوترات
جاءت الخطوة الهامة في سبتمبر 2025 عندما أعادت الأمم المتحدة، بمبادرة من فرنسا وبريطانيا وألمانيا، فرض عقوبات واسعة النطاق على إيران لأول مرة منذ عقد. وأدت هذه الخطوة فعليًا إلى إبطال الاتفاق النووي قبل انتهاء صلاحيته المقررة خلال أكتوبر 2025. وفي رسالة إلى الأمم المتحدة، وصف وزير الخارجية الإيراني عباس عراقجي الإجراء الأوروبي بأنه “غير مسؤول”، وادعى أنه مع انتهاء صلاحية خطة العمل الشاملة المشتركة أصبحت هذه العقوبات “باطلة ولاغية”.
اتهمت طهران القوى الأوروبية الثلاث بتقويض محاولة حديثة لاستئناف التعاون مع الوكالة الدولية للطاقة الذرية، وهي محادثات أفيد أنها كانت تجري بموجب إطار متفق عليه خلال العام 2025. وأكدت وزارة الخارجية أن “جهود إيران لإحياء التبادلات أُفشلت بسبب الإجراءات غير المسؤولة للدول الأوروبية الثلاث”. تفاقمت التوترات الدبلوماسية بسبب تداعيات الصراع الذي اندلع في يوليو 2025 بين إيران وإسرائيل، والذي شهد ضربات إسرائيلية على المنشآت النووية الإيرانية ورد فعل انتقامي عنيف من طهران. وفي أعقاب ذلك، علقت إيران تعاونها مع الوكالة الدولية للطاقة الذرية، قائلة إن الوكالة فشلت في إدانة الهجمات على بنيتها التحتية.
الباب مفتوح للمحادثات
بالنسبة للكثيرين في طهران، لم يكن التوقيت الرمزي لإعلان 18 أكتوبر 2025، الذي جاء تحديدًا بعد عقد من إبرام الاتفاق، مصادفة، بل كان بمثابة رسالة تحدٍ وتذكير بما كان ممكنًا في السابق من خلال التفاوض. رغم الخطابات، يبدو قادة إيران حريصين على ترك الباب مفتوحًا لاستئناف المحادثات. ولا تزال عبارة “الالتزام بالدبلوماسية” تتردد في التصريحات الرسمية، مما يوحي بأنه على الرغم من أن خطة العمل الشاملة المشتركة قد تكون قد انتهت، إلا أن روح الحوار – تلك السمة المميزة لاتفاق فيينا لعام 2015 – لم تختفِ تمامًا. ولكن يبقى أن نرى ما إذا كانت فرنسا وشركاؤها الأوروبيون سوف يقبلون هذا العرض من طهران. لقد وضعت باريس نفسها منذ فترة طويلة في موضع الناقد للتقدم النووي الإيراني، وفي الوقت نفسه بمثابة جسر محتمل للعودة إلى المحادثات.
النتائج
يُمثل إعلان إيران عن إنهاء القيود المفروضة على برنامجها النووي نقطة تحول مفصلية في مسار العلاقات الدولية حول ملفها النووي. فبعد عشر سنوات من اتفاق 2015، الذي شكل أبرز إنجاز دبلوماسي بين طهران والقوى الكبرى، تبدو المنطقة أمام مرحلة جديدة من الغموض والتوتر المحتمل. يأتي القرار الإيراني في وقتٍ يتسم بتصاعد الاستقطاب الجيوسياسي، خصوصًا مع اشتعال الصراع الإقليمي مع إسرائيل، وعودة المواجهة المفتوحة بين محورَي الغرب وروسيا، ما يجعل الملف النووي الإيراني أكثر ارتباطًا بالتوازنات الاستراتيجية العالمية منه بمجرد قضية تخصيب يورانيوم.
التحرك الفرنسي اللافت، عبر قيادة الجهود الأوروبية لإعادة فرض العقوبات، يشير إلى رغبة باريس في استعادة زمام المبادرة بعد سنوات من الجمود. لكن هذا الموقف، رغم طابعه القانوني، يعمّق الخلاف بين أوروبا وإيران، ويحدّ من فرص إحياء أي صيغة تفاوضية جديدة. ومع ذلك، تحاول فرنسا أن توازن بين الحزم والوساطة، مستندة إلى تاريخها في محادثات فيينا، وهو ما قد يسمح لها بلعب دور الوسيط بين واشنطن وطهران إذا عادت الظروف الدولية إلى مسار أكثر هدوءًا.
أما إيران، فبرغم خطابها، تُبقي على لغة الدبلوماسية ضمن حساباتها. فالإصرار على “الالتزام بالدبلوماسية” يعكس إدراك القيادة الإيرانية أن الصدام المباشر مع أوروبا سيؤدي إلى عزلة أعمق وربما إلى إعادة تفعيل آليات ضغط أكثر صرامة. ومن المرجح أن تسعى طهران إلى مقايضةٍ جديدة، ربما عبر وساطات إقليمية، تتيح لها الحفاظ على مكاسبها النووية مع تخفيف القيود الاقتصادية.
من المتوقع أن يشهد عام 2026 محاولات متعددة لإطلاق مسار تفاوضي جديد، قد لا يحمل اسم “خطة العمل الشاملة المشتركة”، لكنه سيبنى على إرثها الدبلوماسي. ستلعب فرنسا دورًا محوريًا في هذا المسار إلى جانب الاتحاد الأوروبي، فيما ستراقب واشنطن التطورات بحذر. ومع استمرار الأزمات الإقليمية، يبقى الخيار الدبلوماسي هو الأداة الوحيدة الممكنة لتجنب صراع جديد في الشرق الأوسط قد يعيد المنطقة إلى أجواء ما قبل 2015، ولكن ضمن واقع دولي أكثر هشاشة وتعقيدًا.
رابط مختصر.. https://www.europarabct.com/?p=110754
