خاص ـ المركز الأوروبي لدراسات مكافحة الإرهاب والاستخبارات ـ ألمانيا وهولندا ECCI
الأمن الدولي ـ الترويكا الأوروبية، ما تأثير العقوبات الأوروبية على إيران؟
أعلنت رئيسة المفوضية الأوروبية، أورسولا فون دير لاين، أن الاتحاد الأوروبي اقترح، في 21 يناير 2026، حظر تصدير المزيد من تكنولوجيا الطائرات بدون طيار والصواريخ إلى إيران بعد حملة قمع ضد المتظاهرين. أوضحت فون دير لاين: “تقف أوروبا متضامنة تمامًا مع النساء والرجال الشجعان في إيران الذين يخاطرون بحياتهم للمطالبة بالحرية لأنفسهم وللأجيال القادمة. نقترح حظر تصدير المزيد من تقنيات الطائرات بدون طيار والصواريخ الحيوية”. تابعت فون دير لاين أن الاتحاد الأوروبي يستعد لفرض عقوبات أخرى على المسؤولين عن “القمع المستمر” للاحتجاجات التي هزت إيران. صرحت كايا كالاس، مسؤولة السياسة الخارجية في الاتحاد الأوروبي، لأعضاء البرلمان الأوروبي بأن إجراءات الطائرات بدون طيار والصواريخ “ستحد بشكل أكبر من قدرة إيران على تغذية روسيا في حربها ضد أوكرانيا”.
العقوبات السابقة على إيران
كان قد فرض الاتحاد الأوروبي بالفعل عقوبات على عدة مئات من المسؤولين الإيرانيين بسبب حملات القمع التي شنوها على حركات الاحتجاج السابقة ودعم طهران لروسيا. كما حظر التكتل تصدير مجموعة من المكونات إلى إيران، والتي يمكن استخدامها في تصنيع الطائرات المسيّرة والصواريخ في البلاد. وقد زودت إيران روسيا بطائرات مسيّرة هجومية استُخدمت في قصف البنية التحتية وأهداف مدنية أخرى في جميع أنحاء أوكرانيا. في أبريل 2024، وافق قادة الاتحاد الأوروبي على فرض عقوبات جديدة على منتجي الطائرات بدون طيار والصواريخ الإيرانية بسبب هجوم طهران غير المسبوق على إسرائيل في ذلك الوقت. تم تجديد العقوبات كل عام منذ ذلك الحين، وكان آخرها في 25 يوليو من العام 2025، عندما تم تمديدها حتى يوليو 2026.
ما مدى تأثير العقوبات على إيران؟
بالفعل كانت لتلك العقوبات تأثير على إمدادات إيران العسكرية لروسيا، يقول بيتر ويزمان، خبير الأسلحة وكبير الباحثين في برنامج نقل الأسلحة التابع لمعهد ستوكهولم الدولي لأبحاث السلام (SIPRI): “وصلت معظم الإمدادات الإيرانية بعد عام 2022 بقليل”. وذكرت وكالة بلومبيرغ أن هذه الإمدادات شملت مئات الصواريخ قصيرة المدى الموجهة بالأقمار الصناعية، ونحو 500 صاروخ قصير المدى آخر، ونحو 200 صاروخ أرض-جو. كما يُقال إن إيران زودت روسيا، العام 2025، بمنصات إطلاق صواريخ موجهة بالأقمار الصناعية.
تشير التقديرات إلى أن روسيا اشترت، في البداية، 6000 طائرة مسيّرة إيرانية، مع حق إنشاء مصنع خاص بها في عام 2023. وبحلول مارس 2025، بدأت روسيا مهاجمة أوكرانيا بنحو 1000 طائرة مسيّرة انتحارية من طراز “شاهد” الإيراني، والتي أُعيدت تسميتها لاحقًا إلى “جيران”. وتُعد هذه الطائرات نسخًا مُحسّنة بشكل ملحوظ من طائرات “شاهد”، من حيث الميكانيكا والملاحة. وبحسب ديفيد جليلوند، المدير الإداري لشركة أورينت ماترز للاستشارات، وزميل المجلس الألماني للعلاقات الخارجية، فإن إيران “على ما يبدو ليس لديها إمكانية الوصول إلى النموذج المتقدم الروسي، وهو أمر لافت للنظر في حد ذاته”.
ماذا عن الحرس الثوري الإيراني؟
أثارت الدعوات التي أطلقها القادة الأوروبيون لتصنيف الحرس الثوري الإسلامي الإيراني، وهو الفرع الرئيسي للقوات المسلحة في البلاد، كمنظمة إرهابية، جدلًا حول ما إذا كان لمثل هذه الخطوة أي تأثير حقيقي. دعت رئيسة البرلمان الأوروبي، روبرتا ميتسولا، إلى فرض عقوبات أشد على طهران وإدراج النظام الإيراني على قائمة المنظمات الإرهابية في الاتحاد الأوروبي. وتأتي هذه الخطوة بعد هانا نيومان، رئيسة وفد البرلمان المعني بالعلاقات مع إيران، التي كانت قد أيدت هذا التوجه في وقت سابق.
وقد أكد المعارضون، ومن بينهم بعض الدبلوماسيين الغربيين، باستمرار بأن تصنيف الحرس الثوري الإيراني لن يكون أكثر من مجرد لفتة رمزية. إلا أن هذا الادعاء ترفضه ريبيكا شونينباخ، وهي متخصصة مستقلة في مكافحة تمويل الإرهاب. تقول شونينباخ: “إن إدراج الحرس الثوري الإيراني سيوجه ضربة قوية للنظام”، مضيفة: “أن التأثير الأكثر مباشرة سيشعر به المؤسسات المالية المرتبطة بالحرس الثوري الإيراني، والتي لا تزال تعمل في أوروبا”. تابعت شونينباخ: “في ألمانيا وحدها، يوجد أربعة بنوك من هذا القبيل”.
إذا أقدم الاتحاد الأوروبي على تصنيف إيران كدولة إرهابية، فسيكون لدى هيئة الرقابة المالية الألمانية (BaFin) صلاحيات أوسع بكثير للتحرك ضد شبكة المؤسسات الإيرانية. وقد يحد ذلك من استخدام النظام للعملات المشفرة للتحايل على العقوبات، وذلك بدفع منصات التداول الكبرى إلى التعاون بشكل أوثق مع المحققين. تقول شونينباخ: “كما تم الكشف عنه مؤخرًا، قام النظام بتحويل مليار دولار من خلال منصتين فقط لتداول العملات المشفرة في المملكة المتحدة”. أضافت: “أن هناك عاملًا آخر يتمثل في أن السلطات ستمتلك أدوات قانونية أقوى لمواجهة التجنيد والتلقين من قبل المنظمات المرتبطة بالحرس الثوري الإيراني داخل الاتحاد الأوروبي”. كما أوضحت: “تعتبر مؤسسات مثل معهد المصطفى في برلين، وهو فرع من جامعة المصطفى في قم، وهي مدينة تقع في شمال شرق إيران، ذات أهمية خاصة هنا”.
وأكدت الخبيرة أن النظام الإيراني يستخدم هذه المؤسسات لتجنيد المؤيدين ونشر أيديولوجيته، كما أن النظام الإيراني يستخدم هذا الشكل من “القوة الناعمة” في دول أوروبية أخرى، وأن بعض المؤثرين المقيمين في أوروبا والمرتبطين بالحرس الثوري الإيراني قد اكتسبوا مئات الآلاف من المتابعين على وسائل التواصل الاجتماعي.
يقول بهنام بن طالبلو، المدير الأول لبرنامج إيران في مؤسسة الدفاع عن الديمقراطيات (FDD)، وهي مركز أبحاث مقره واشنطن، إن تصنيف إيران كدولة إرهابية من شأنه أن يعزز معنويات المتظاهرين الإيرانيين. أضاف طالبلو: “في هذا الوقت، حيث يحتج الإيرانيون في الشوارع ويُقتلون بالآلاف على يد النظام، فإن هذا من شأنه أن يرسل دفعة هائلة من الدعم للمتظاهرين الإيرانيين، وكذلك لمجتمع المعارضة الإيرانية الأوسع الذي يسعى إلى وصفة الحرس الثوري الإيراني منذ سنوات”.
كان قد أدرج الاتحاد الأوروبي الحرس الثوري الإيراني ضمن نظام العقوبات المتعلقة بأسلحة الدمار الشامل، ويخضع ضباط الحرس الثوري الإيراني حاليًا لنظام العقوبات الأوروبية العالمية المتعلقة بحقوق الإنسان. إلا أنه لا يزال هناك اختلاف في الآراء داخل الكتلة بشأن إدراج المنظمة ككل. ومع ذلك، فإن إدراجها في القائمة سيعيق بشكل أكبر قدرة الحرس الثوري الإيراني على القيام بعمليات في جميع أنحاء أوروبا، كما قال طالبلو. يوضح طالبلو: “إن ذلك سيجمع بين الأدوات القانونية والأمن القومي لمنع النظام من استخدام أوروبا كمكان لشن عمليات إرهابية، وتمويل العمليات الإرهابية، والتجنيد، والتأكد من وجود ترابط بين سياسات الاتحاد الأوروبي الأخرى تجاه إيران”.
النتائج
تتجه سياسة الاتحاد الأوروبي تجاه إيران نحو مرحلة أكثر صرامة خلال عامي 2026 و2027، في ظل تزايد القناعة داخل المؤسسات الأوروبية بأن أدوات الضغط السابقة لم تعد كافية لكبح سلوك طهران داخليًا وخارجيًا.
من المرجح أن تتوسع حزمة العقوبات لتشمل قطاعات مالية وشبكات لوجستية مرتبطة بالحرس الثوري الإيراني، خاصة إذا استمر الدعم العسكري الإيراني لروسيا، وتصاعدت الهجمات بالطائرات المسيّرة ضد أوكرانيا. وسيضع ذلك دولًا أوروبية مترددة سابقًا أمام اختبار حقيقي بين الحفاظ على قنوات دبلوماسية محدودة مع طهران، أو الانضمام إلى خط أكثر تشددًا تقوده دول مثل ألمانيا وفرنسا وهولندا.
من المحتمل أن يدفع تشديد العقوبات إيران إلى توسيع اعتمادها على مسارات التفاف بديلة، عبر العملات المشفرة، والشركات الوهمية، وشبكات تهريب التكنولوجيا من دول ثالثة. إلا أن التطور المتوقع في التنسيق الاستخباراتي والمالي داخل الاتحاد الأوروبي سيجعل هذه المسارات أكثر كلفة وأقل فاعلية. كما أن إدراج الحرس الثوري الإيراني على قائمة المنظمات الإرهابية، إذا تحقق، سيمنح الأجهزة الأمنية الأوروبية أدوات قانونية غير مسبوقة لملاحقة شبكات التجنيد والدعاية المرتبطة بطهران داخل أوروبا.
من المتوقع أن يشكل الموقف الأوروبي الأكثر حدة عنصر دعم معنوي للحركات الاحتجاجية، لكنه لن يكون عاملًا حاسمًا بمفرده ما لم يترافق مع ضغوط اقتصادية مؤثرة فعلًا على موارد النظام. وفي حال استمرت طهران في تسليح موسكو بوتيرة مرتفعة، فإن ذلك سيُبقي الملف الإيراني مرتبطًا عضويًا بالحرب في أوكرانيا، ما يجعل أي تهدئة أوروبية-إيرانية أمرًا مستبعدًا في المدى القريب.
يتجه الاتحاد الأوروبي استراتيجيًا إلى مقاربة تعتبر إيران ليس فقط ملفًا نوويًا أو حقوقيًا، بل فاعلًا أمنيًا عابرًا للحدود. وإذا ترسخت هذه المقاربة، فإن السنوات المقبلة قد تشهد انتقال أوروبا من سياسة الاحتواء إلى سياسة الردع المنظم تجاه طهران، مع ما يحمله ذلك من تصعيد محسوب في أدوات الضغط السياسية والاقتصادية والأمنية.
رابط مختصر.. https://www.europarabct.com/?p=114014
