خاص ـ المركز الأوروبي لدراسات مكافحة الإرهاب والاستخبارات ـ ألمانيا وهولندا ECCI
الامن الدولي ـ “الترويكا الأوروبية”، تأثير الدعم الإيراني لروسيا على الاتفاق النووي
لا يقتصر أثر الدعم العسكري الإيراني لروسيا على موازين حرب في أوكرانيا فحسب، بل امتد ليعيد تشكيل مسار العلاقة بين طهران والعواصم الأوروبية، خصوصًا في ظل إعادة فرض العقوبات على إيران، وفشل مفاوضات إحياء الاتفاق النووي. فالاتحاد الأوروبي، الذي حاول الفصل بين الملف النووي والسلوك الإقليمي لإيران، بات ينظر إلى التعاون العسكري الإيراني الروسي باعتباره عاملًا مباشرًا في تصعيد سياسة العقوبات. ومع فرض بروكسل حزمًا متتالية من العقوبات على شركات طيران ومؤسسات لوجستية إيرانية بتهمة نقل طائرات مسيرة وصواريخ إلى روسيا، تتسع الفجوة السياسية بين الطرفين، وتتعثر فرص العودة إلى مسار تفاوضي مستقر حول الاتفاق النووي.
ترى طهران أن العقوبات الأوروبية تجاوزت إطار الاتفاق النووي وتحولت إلى أداة ضغط سياسية شاملة، ما يدفعها إلى توسيع شراكاتها الدفاعية والاقتصادية مع موسكو وبكين. وهكذا، يتحول الدعم العسكري في الحرب الأوكرانية إلى ورقة مساومة غير معلنة في صراع الإرادات بين إيران وأوروبا، عقوبات مقابل اصطفاف استراتيجي شرقًا، واتفاق نووي معلّق بين الطرفين.
إيران موردًا رئيسيًا للمعدات العسكرية لروسيا
يقدّم الدعم الأيراني لروييا مثالًا عمليًا على آلية فرض العقوبات الأوروبية؛ فبمجرد تأكيد نقل طائرات مسيرة وصواريخ إيرانية إلى روسيا، تحرّك الاتحاد الأوروبي سريعًا لفرض عقوبات على ثلاث شركات طيران إيرانية وشركتين للمشتريات، شملت تجميد الأصول، وحظر التعامل المالي، ومنع الهبوط في المطارات الأوروبية. وبذلك تحوّلت الأدلة الاستخباراتية على التعاون العسكري إلى قرارات عقابية اقتصادية مباشرة، في نموذج يوضح كيف تُترجم المخاوف الأمنية الأوروبية إلى أدوات ضغط مالية وتجارية.
كانت إيران موردًا رئيسيًا للمعدات العسكرية منذ بداية حرب أوكرانيا في فبراير 2025، ونقلًا عن مسؤول أمني غربي، فقد بلغت مبيعات الصواريخ الإيرانية إلى روسيا، بما في ذلك صواريخ الدفاع الجوي والصواريخ الباليستية، 2.7 مليار دولار منذ أكتوبر 2021. بينما لا تفصح موسكو علنًا عن حجم التجارة، وتنفي إيران تزويد روسيا بأي شيء. أكدت البعثة الدائمة لإيران لدى الأمم المتحدة في بيان صدر في مايو 2025: “طالما استمر الصراع بين الطرفين، ستمتنع إيران عن تقديم أي شكل من أشكال المساعدة العسكرية لأي من الجانبين”. ثمة أدلة تُخالف ذلك، ولا سيما استخدام روسيا الواسع النطاق لطائرات “شاهد” الإيرانية الهجومية بدون طيار في المراحل الأولى من الحرب الشاملة، لكن قيمة هذا الدعم تبدو الآن متضائلة إلى حد كبير.
“لم تعد روسيا تعتمد على الأسلحة الإيرانية”
تقول هانا نوت، رئيسة برنامج أوراسيا في مركز جيمس مارتن لدراسات منع الانتشار النووي، في 13 يناير 2026: “على الرغم من استمرار بعض عمليات نقل الطائرات المسيرة الإيرانية، على الأقل حتى العام 2025، وبعض التصاميم الأحدث للطائرات المسيرة التي كانت لا تزال تُنقل من إيران، أعتقد أننا تجاوزنا منذ فترة طويلة ذروة عمليات نقل الدفاع الإيراني إلى روسيا”. وقد تبنى روسلان سليمانوف، المحلل في مركز الاستراتيجيات الأوراسية الجديدة، وجهة نظر مماثلة قائلًا: “لم تعد روسيا تعتمد على الأسلحة الإيرانية كما كانت قبل أربع سنوات. يتم إنتاج طائرات شاهد المسيرة نفسها على الأراضي الروسية تحت اسم جيران، ونحو 90% من دورة إنتاج هذه الطائرات المسيرة موجودة بالكامل في روسيا، دون مساعدة إيرانية”.
قدمت إيران لروسيا التكنولوجيا والتدريب، ويقوم مصنع في ألابوغا بمنطقة تتارستان الروسية بإنتاج صواريخ جيران. بحسب أوكرانيا، تنتج روسيا نحو 5000 طائرة مسيرة بعيدة المدى من أنواع مختلفة شهريًا. ويشمل ذلك طائرة “جيران” الهجومية وطائرة “جيربيرا” المسيرة غير المزودة برأس حربي، والتي تُستخدم كطُعم لإغراق الدفاعات الجوية الأوكرانية.
إيران واصلت دعمها المادي لروسيا
صرح الجنرال كريستوفر كافولي، قائد القيادة المركزية الأمريكية آنذاك، أمام لجنة القوات المسلحة بمجلس الشيوخ الأمريكي في أبريل 2025، “أن إيران واصلت دعمها المادي لروسيا، حيث تبرعت بأكثر من 400 صاروخ باليستي قصير المدى ومئات الآلاف من قذائف المدفعية”. في مايو 2025، أفادت وكالة رويترز أن إيران سترسل منصات إطلاق صواريخ فتح-360، رغم نفي طهران ذلك. وكان المتحدث باسم البنتاغون، بات رايدر، قد صرّح سابقًا “أن صواريخ فتح-360 قد تم تسليمها”. تبع ذلك فرض عقوبات أمريكية على شركتي شحن روسيتين لتوصيلهما معدات طائرات بدون طيار وذخائر عبر بحر قزوين لاستخدامها في أوكرانيا.
وجاء في بيان: “تتخذ وزارة الخارجية اليوم إجراءات للحد من أنشطة إيران المزعزعة للاستقرار، بما في ذلك نقلها للصواريخ الباليستية إلى روسيا”. حذا الاتحاد الأوروبي حذوه بعد أيام بفرض عقوبات على ثلاث شركات طيران إيرانية وشركتين للمشتريات “في أعقاب عمليات نقل الصواريخ والطائرات بدون طيار الإيرانية إلى روسيا”. لكن لم ترد أي تقارير عن استخدام صواريخ فتح-360 في أوكرانيا. وأوضح نوت: “أن هذا قد يعود إلى عدم تسليم منصات إطلاق فتح-360 مطلقًا، أو إلى عدم حاجة روسيا لاستخدامها بعد أن كثفت إنتاجها المحلي واستلمت شحنات من كوريا الشمالية”.
أشار تقرير صدر في فبراير من العام 2025 عن معهد RUSI، وهو مركز أبحاث مقره لندن، إلى أن وزارة الدفاع الروسية تخطط لإنتاج حوالي 750 صاروخًا باليستيًا و560 صاروخ كروز في عام 2025. ومنذ ذلك الحين، قدمت الاستخبارات العسكرية الأوكرانية تقديرات أعلى للإنتاج. يؤكد نوت: “ربما لم يكن الروس بحاجة لاستخدام هذه الصواريخ الإيرانية”.
حجم الذخائر الإيرانية لروسيا
تشير التقديرات إلى أن إيران أرسلت كميات كبيرة من الذخائر والقذائف إلى روسيا منذ عام 2022. وقدّر تحقيق أجرته صحيفة وول ستريت جورنال في عام 2023 الأرقام بـ 300 ألف قذيفة مدفعية وحوالي مليون طلقة ذخيرة. أشارت غارات الطائرات الأوكرانية المسيرة عام 2025 إلى استمرار الإمدادات العسكرية. تم تحديد منطقة أوليا المطلة على بحر قزوين كمركز رئيسي لشحنات الإمدادات العسكرية الإيرانية. كشف تقرير صادر عن كلية كييف للاقتصاد العام 2025 عن كميات كبيرة من المتفجرات التي يتم نقلها بحرًا وبرًا من إيران وكوريا الشمالية. وأشار التقرير إلى أن الإمدادات الكورية الشمالية تشكل الآن 58% من واردات روسيا من المتفجرات.
أكد نوتي أن قذائف ورصاص كوريا الشمالية قد فاقت الإمدادات الإيرانية من حيث الحجم، كما قدّر الأوكرانيون عام 2025 أن 50% من إجمالي الذخيرة التي استخدمتها روسيا في أوكرانيا كانت من كوريا الشمالية. تابع نوتي: “لذا، أعتقد أنه بمجرد أن أصبحت كوريا الشمالية مصدرًا رئيسيًا للإمدادات الدفاعية لروسيا، لم تعد هناك حاجة على الأرجح للحصول على ذخيرة إيرانية”.
النتائج
أثر الدعم العسكري الإيراني لروسيا بشكل مباشر وغير مباشر على مسار مفاوضات الاتفاق النووي مع الغرب، إذ حول التعاون العسكري بين طهران وموسكو الملف النووي من مجرد قضية تخص الطاقة والتقنية النووية إلى أداة استراتيجية متعددة الأبعاد. فالتحويل المستمر للأسلحة والطائرات المسيرة والصواريخ من إيران إلى روسيا خلال حرب أوكرانيا دفع الاتحاد الأوروبي والولايات المتحدة إلى ربط العقوبات على إيران بممارساتها العسكرية، وليس فقط بسلوكها النووي.
توسع نطاق العقوبات الأوروبية نتيجة لذلك، لتشمل شركات الطيران والمشتريات اللوجستية الإيرانية، ما أدخل ضغوطًا اقتصادية وسياسية إضافية على طهران. وقد أعادت هذه الضغوط تشكيل الموقف الإيراني في المفاوضات، إذ رأت إيران أن هذه العقوبات تجاوزت إطار الاتفاق النووي وتحولت إلى أداة ضغط شاملة، مما دفعها إلى تعزيز شراكاتها الدفاعية مع روسيا والصين ورفض التنازلات النووية السهلة.
أصبح الدعم الإيراني لروسيا في أوكرانيا عاملاً مزعزعًا للتوازن بين أوروبا وطهران، إذ صعّب إحياء الاتفاق النووي في ظل مخاوف من استمرار إيران في نشاطاتها العسكرية غير المرتبطة بالملف النووي. وقد أظهر هذا الوضع أن الملف النووي لم يعد منعزلًا عن السياسة الإقليمية والعسكرية لإيران، وأن أي جهود لإحياء الاتفاق يجب أن تأخذ في الاعتبار سلوك طهران في الصراعات الإقليمية والدولية، بما فيها الحرب في أوكرانيا.
من المرجح أن تظل العلاقات الإيرانية مع الترويكا الأوروبية في مرحلة من التوتر النسبي خلال العام 2026، إذ سيستمر الصراع بين طهران وبروكسل ولندن وباريس على خلفية الملف النووي والدعم العسكري الإيراني لروسيا، بالإضافة إلى قمع إيران لللاحتجاجات المناهضة للنظام. العقوبات الاقتصادية التي فرضتها أوروبا رداً على نقل الطائرات المسيرة والصواريخ إلى موسكو ستستمر في إحداث فجوة سياسية، ما يجعل الثقة المتبادلة هشّة.
من المحتمل أن تحاول الترويكا الأوروبية الحفاظ على قنوات دبلوماسية محدودة مع إيران لتفادي انهيار البلوماسية الكاملة مع إيران، خصوصًا في ظل الاهتمام الأوروبي بوقف انتشار الأسلحة النووية وضبط الاستقرار الإقليمي. ومع تصاعد التعاون الدفاعي والاقتصادي لطهران مع روسيا والصين، من المرجح أن تعتمد أوروبا على سياسة مزدوجة، ضغوط جديدة عقابية لتقييد النشاط العسكري الإيراني، مع إبقاء مسارات الحوار مفتوحة لإبرام اتفاق نووي جديد مستقبليًا، مع احتفاظ كل طرف بورقة الضغط على الآخر.
رابط مختصر.. https://www.europarabct.com/?p=113705
