خاص ـ المركز الأوروبي لدراسات مكافحة الإرهاب والاستخبارات ـ ألمانيا وهولندا ECCI
يريد الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون أن يحقق توازنًا دبلوماسيًا كبيرًا في 22 سبتمبر 2025، من خلال جمع عدة دول غربية للاعتراف بدولة فلسطينية، لكنه لا يزال بعيدًا كل البعد عن تحقيق اختراق حقيقي في غزة. فحدود ما يمكنه تحقيقه في الجمعية العامة للأمم المتحدة واضحة؛ فلن تنضم دول أوروبية كبرى، مثل ألمانيا وإيطاليا، إلى مبادرته، وهناك احتمال ضئيل بأن تنجح جهوده في إقناع الرئيس الأمريكي دونالد ترامب أو رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو بإنهاء الحرب.
الفكرة الكبرى في نيويورك هي الإعلان عن اعتراف فرنسا، والمملكة المتحدة، وبلجيكا، والبرتغال، ولوكسمبورغ، ومالطا، وأندورا، وأستراليا، وكندا بالدولة الفلسطينية. ووصف مسؤول فرنسي هذا الاعتراف بأنه “نصر دبلوماسي” لباريس.
الهدف النهائي لماكرون هو إظهار وجود ثقل عالمي موازن لدعم ترامب لحرب إسرائيل على غزة، وتكثيف الضغط من أجل السلام. وتُقارن هذه المبادرة بالفعل بتحدي فرنسا في عهد جاك شيراك للوقوف في وجه الولايات المتحدة بشأن غزو العراق عام 2003 وهو موقفٌ عبّر عنه خطابٌ تاريخيٌّ في الأمم المتحدة.
هناك، بالطبع، دافع سياسي داخلي قوي. يدرك القادة الأوروبيون حاجتهم إلى تأييد موجة الاحتجاجات الشعبية إزاء الحرب، التي تتزايد مع تصاعد أعداد القتلى في غزة. وقد وجدت مؤسسة “يوجوف” لاستطلاعات الرأي أن الدعم الشعبي لإسرائيل في أوروبا الغربية يتراجع إلى أدنى مستوياته التاريخية.
ما مدى تأثير ماكرون فعليًا؟
الفرنسيون يُقرّون بأن الاستعراضات والإيماءات الكبيرة في نيويورك لن تُحدث فرقًا فوريًا في الأزمة الإنسانية المتفاقمة في غزة، بينما تتقدم الدبابات الإسرائيلية بضراوة في هجوم بري. لن تتراجع إسرائيل ولا الولايات المتحدة بسبب ماكرون. وعلاوة على ذلك، فإن محاولة الرئيس الفرنسي لإظهار جبهة مشتركة تكشف عن مدى انقسام أوروبا الغربية، خاصة عندما تتعامل دول الاتحاد الأوروبي وحلف شمال الأطلسي بحذر شديد مع ترامب بسبب حرب أوكرانيا.
لن تشارك ألمانيا، وإيطاليا، واليونان، وهولندا في المؤتمر. ولن يحضر المستشار الألماني فريدريش ميرز، إذ يواجه مخاوف أكثر إلحاحًا في بلاده. أما رئيسة الوزراء الإيطالية جورجيا ميلوني، فقد أصرت على أنها لا تؤيد الاعتراف بدولة فلسطينية “قبل إقامتها”، وستصل بعد يوم من فعالية ماكرون.
لحظة فاصلة في العلاقات الأوروبية مع إسرائيل
كان الخطر، بحسب دبلوماسي أوروبي طلب عدم الكشف عن هويته بسبب حساسية الموضوع، هو أن “إسرائيل سوف تتنازل عن بعض الأرضية” مع تصاعد الضغوط الدولية ضدها. لكن الدبلوماسي أقرّ بأن الأمر لا يبدو أن هذه المغامرة تؤتي ثمارها: “لا يبدو أن ذلك سيحدث. الولايات المتحدة تدعم إسرائيل، وهي تُسرّع عمليات الضم في الضفة الغربية”.
أشار دبلوماسي آخر إلى أنه ما دامت إسرائيل تحظى بدعم “حليفتها الولايات المتحدة بقبابها الحديديةفإن ذلك لن يغيّر شيئًا”. لكن بالنسبة للعديد من المراقبين، فإن مساعي ماكرون لا تتعلق بالتأثير الفوري بقدر ما تتعلق بخلق لحظة فاصلة في العلاقات الأوروبية مع إسرائيل.
تقول كريستينا كوش، الخبيرة في شؤون الشرق الأوسط في مؤسسة مارشال الألمانية للأبحاث: “إن أوروبا تشعر بالقلق إزاء دورها في الهولوكوست، ولم تتخذ سوى خطوات رمزية صغيرة ضد إسرائيل، حتى لو كان الأوروبيون غير مرتاحين لكيفية تعامل إسرائيل مع الفلسطينيين”. مضيفةً: “لكن التطورات التي حدثت خلال العامين 2023 و2024، وفي خلال العام 2025، أدت إلى إدراك أن الأمور لا يمكن أن تستمر على هذا النحو”.
ترى كوش: “أن خطوة المفوضية الأوروبية خلال سبتمبر 2025 نحو فرض عقوبات ورسوم جمركية على إسرائيل تُمثّل هذا التغيير الجذري في عقلية أوروبا. تابعت كوش: “إنه أمر غير مسبوق، عادةً ما تُتخذ التدابير التجارية فقط ضد دول مثل ميانمار أو بيلاروسيا”.
تحت الضغط
حاولت الولايات المتحدة وإسرائيل إفشال الهجوم الدبلوماسي الفرنسي قبل مؤتمر ماكرون حول فلسطين،فرفضت واشنطن في أغسطس 2025 منح رئيس السلطة الفلسطينية محمود عباس تأشيرة للسفر إلى الولايات المتحدة لحضور الاجتماع السنوي للأمم المتحدة. وتطرح إسرائيل مجموعة من التدابير ضد فرنسا، ويبذل رئيس الوزراء نتنياهو وكبار مساعديه محاولة في اللحظة الأخيرة لإقناع ماكرون بربط الاعتراف الفرنسي بالدولة الفلسطينية بالإفراج عن الأسرى الإسرائيليين المتبقين الذين تحتجزهم حركة حماس.
صرح مسؤول إسرائيلي، شريطة عدم الكشف عن هويته للحديث عن قضية حساسة: “إذا كان ترامب سيربط الاعتراف بإطلاق سراح الرهائن، فإن إسرائيل قادرة على قبول ذلك”. بالنسبة لفرنسا، فإن رد الفعل العنيف هو دليل على أن جهودها الدبلوماسية تؤتي ثمارها، وأن إسرائيل والولايات المتحدة أصبحتا معزولتين بشكل متزايد. يقول كريم أميلال، سفير فرنسا السابق لدى البحر الأبيض المتوسط: “لن يتغير الوضع كثيرًا بالنسبة لسكان غزة. لكننا نشهد تحولًا في التحالفات. هناك إسرائيل والولايات المتحدة ضد معظم الدول الأوروبية، بما في ذلك ألمانياوالديناميكية الحالية ستزيد من عزلتهم”.
انقسام أوروبي واضح
إن قائمة المشاركين في مؤتمر ماكرون حول فلسطين ليست كافية من حيث الزعماء الأوروبيين. سيحضر المؤتمر 22 سبتمبر 2025 رئيس الوزراء الإسباني بيدرو سانشيز، ورئيس الوزراء البلجيكي بارت دي ويفر، ورئيس الوزراء البرتغالي مارسيلو ريبيلو دي سوزا، بالإضافة إلى قادة من لوكسمبورغ ومالطا. وسيلقي كلٌّ من الكندي مارك كارني، والأسترالي أنتوني ألبانيز كلماتٍ هامةً في المؤتمر.
في إشارة إلى هشاشة العزم الأوروبي على الوقوف في وجه الولايات المتحدة وإسرائيل، وجدت أغلبية الزعماء الأوروبيين الآخرين، حتى أولئك الذين يتشابهون معهم في التفكير، أسبابًا لتجنب مؤتمر ماكرون. يحاول رئيس الوزراء البريطاني كير ستارمر التوفيق بين الضغوط من حزبه وتجنب استهجان ترامب، الذي قام بزيارة ودية إلى حد كبير إلى المملكة المتحدة.
من غير المتوقع أن يحضر ستارمر اجتماع الأمم المتحدة، وسيتركه لنائب رئيس الوزراء ديفيد لامي، ووزيرة الخارجية إيفيت كوبر. لن يحضر المستشار الألماني ميرز أيضًا، وسيُرسل بدلًا منه وزير خارجيته يوهان فادفول. رسميًا، يعود غياب ميرز إلى شؤون داخلية تتطلب اهتمامه، مثل المناقشات البرلمانية حول الميزانية الوطنية للعام 2026.
قال مسؤول يوناني رفيع المستوى إن التوقيت غير مناسب: “نحن نؤيد تمامًا قيام دولة فلسطينية. ومع ذلك، نعتقد أن الاعتراف الأحادي الجانب في الوقت الراهن لا يُسفر عن أي نتائج إيجابية”. ربما يتمكن ماكرون من محو الانقسامات بين الأوروبيين من خلال خطاب حماسي ومؤتمر مصمم بعناية، لكن الانقسامات مهمة عندما يتعلق الأمر باتخاذ الإجراءات.
لم يكن هناك دعم كافٍ بين دول الاتحاد الأوروبي لإقرار عقوبات أو تعريفات جمركية ضد إسرائيل، حيث يتطلب الأمر الأخير أغلبية مؤهلة للموافقة عليه، لكن هذا قد يتغير. فوفقًا لدبلوماسيين في بروكسل، إذا اتخذت إسرائيل خطواتٍ كضمّ أراضٍ في أعقاب مؤتمر ماكرون حول إقامة الدولة، فقد تُقرر دول الاتحاد الأوروبي التي عارضت أي إجراءاتٍ على مستوى الاتحاد ضد إسرائيل، ولا سيما ألمانيا، تغيير موقفها.
رابط مختصر.. https://www.europarabct.com/?p=109662
