خاص ـ المركز الأوروبي لدراسات مكافحة الإرهاب والاستخبارات ـ ألمانيا وهولندا ECCI
الأمن الدولي ـ استراتيجية الدفاع الأمريكية، ماذا تعني لأوروبا؟
تدفع استراتيجية الدفاع الأمريكية الجديدة أوروبا إلى مواجهة متزايدة مع مخاوف تراجع الالتزام الأمريكي المباشر بأمن القارة، في وقت ترفع فيه واشنطن جرينلاند إلى مستوى القلق الأمني الداخلي الأساسي. ويعكس هذا التوجه رسالة واضحة مفادها أن الحلفاء الأوروبيين باتوا مطالبين بتحمل مسؤولية أكبر في الدفاع عن أنفسهم وعن محيطهم الإقليمي. وجاء في استراتيجية الدفاع الوطني، التي نُشرت في 23 يناير 2026، أن “على الرغم من أهمية أوروبا، إلا أن حصتها من القوة الاقتصادية العالمية تتضاءل وتتقلص. وعليه، فبينما ستواصل الولايات المتحدة انخراطها في أوروبا، يجب عليها وستفعل إعطاء الأولوية للدفاع عن أراضيها وردع الصين”. ويؤشر ذلك إلى تحول استراتيجي يعيد ترتيب الأولويات الأمريكية ويضع أوروبا أمام اختبار حقيقي لتعزيز قدراتها الدفاعية المستقلة.
أوروبا تمتلك القدرات التي تمكّنها من الدفاع عن نفسها
توضح الاستراتيجية أنه في أوروبا “سيأخذ الحلفاء زمام المبادرة” في مواجهة التهديدات التي تُعد “أقل خطورة” بالنسبة للولايات المتحدة، لكنها أكثر إلحاحًا بالنسبة للأوروبيين، على أن تقدم واشنطن “دعمًا حاسمًا ولكنه محدود”. وتؤكد الوثيقة أن أوروبا تمتلك القدرات الاقتصادية والعسكرية التي تمكّنها من الدفاع عن نفسها بفاعلية، مشيرة إلى أن أعضاء حلف الناتو من غير الولايات المتحدة يتفوقون على روسيا بفارق كبير من حيث الحجم الاقتصادي والقدرات الصناعية. وترى الاستراتيجية أن هذا التفوق يمنح أوروبا موقعًا قويًا لتحمل المسؤولية الأساسية عن الدفاع التقليدي للقارة، بما يعزز استقلالية القرار الأمني الأوروبي ويخفف العبء عن الولايات المتحدة، ضمن إطار شراكة استراتيجية متوازنة داخل الحلف.
أقرّ الكونغرس الأمريكي قانون ميزانية الدفاع في ديسمبر 2025، الذي على عكس استراتيجيتي الأمن القومي والدفاع، يعكس بشكل أوثق النهج التقليدي لأولويات الدفاع السابقة. وفيما يتعلق بوجود القوات الأمريكية في أوروبا، ينص القانون على ألا يقل إجمالي عدد القوات المتمركزة بشكل دائم تحت قيادة القيادة الأوروبية عن 76 ألف جندي لأكثر من 45 يومًا. وتشير التقديرات الأخيرة إلى أن أكثر من 80 ألف جندي أمريكي كانوا متمركزين في أوروبا. ومن أهم أولويات الولايات المتحدة، كما ورد في استراتيجية الدفاع المكوّنة من 34 صفحة، أن يلتزم حلفاؤها باتفاقية الناتو لزيادة الإنفاق الدفاعي بشكل كبير.
جرينلاند ذات أهمية استراتيجية
تركز الاستراتيجية بشكل لافت على جرينلاند، حيث تُدرج صراحةً الجزيرة القطبية الشمالية إلى جانب قناة بنما كأراضٍ تعتبرها الولايات المتحدة ذات أهمية استراتيجية يجب تأمينها لحماية مصالحها الوطنية الحيوية. ويشير البنتاغون إلى أنه سيقدم للرئيس “خيارات موثوقة لضمان وصول الجيش الأمريكي والتجارة إلى الأراضي الرئيسية من القطب الشمالي إلى أمريكا الجنوبية، وخاصة جرينلاند”، مؤكدًا أن “مبدأ مونرو سيظل محفوظًا في عصرنا”. ويتماشى هذا التوجه مع الخطاب الأخير للرئيس دونالد ترامب بشأن جرينلاند، والذي أثار قلقًا واسعًا في العواصم الأوروبية وأجج المخاوف من نوايا واشنطن طويلة المدى في القطب الشمالي، خاصة في ظل تصاعد المنافسة الدولية على الموارد والممرات البحرية الاستراتيجية في المنطقة.
استمرار الانخراط الأمريكي في الشؤون الأمنية الأوروبية بصيغة مختلفة
تستند استراتيجية الدفاع إلى استراتيجية الأمن القومي التي أصدرتها إدارة ترامب في ديسمبر 2025، والتي أعادت رسم أولويات السياسة الدفاعية الأمريكية من خلال اعتبار نصف الكرة الغربي، بدلًا من أوروبا، الساحة الرئيسية لحماية الأمن القومي الأمريكي. وبينما ذهبت الوثيقة السابقة أبعد في توجيه الانتقادات لمسار السياسات الأوروبية، فإن الاستراتيجيتين تتفقان على مبدأ أساسي يتمثل في استمرار الانخراط الأمريكي في الشؤون الأمنية الأوروبية، ولكن بصيغة مختلفة. إذ تقترن هذه المشاركة بتوقع واضح بأن يتولى الحلفاء الأوروبيون زمام المبادرة بشكل متزايد في مواجهة التهديدات الأقرب إلى حدودهم، بما يعكس توجهًا نحو إعادة توزيع الأعباء داخل التحالف وتعزيز الاعتماد الأوروبي على قدراته الذاتية.
ردع الصين في منطقة المحيطين الهندي والهادئ
تتبع الولايات المتحدة نهجًا يتجنب المواجهة المباشرة مع الصين. وقد تجلّى ذلك بوضوح في الاجتماع الذي جمع الرئيس الأمريكي والرئيس الصيني شي جين بينغ في كوريا الجنوبية أواخر أكتوبر 2025، حيث أكد ترامب على علاقاته الجيدة مع بكين، واتخذ لهجة أكثر تصالحية في النزاع التجاري. في الوقت نفسه، توضح الحكومة الأمريكية استراتيجيتها الدفاعية؛ فهي تسعى لردع الصين في منطقة المحيطين الهندي والهادئ بالقوة، لا بالمواجهة. وينصب التركيز على توازن القوى في هذه المنطقة، التي تُعدّ ذات أهمية بالغة للولايات المتحدة كمركز تجاري. وتعتبر الولايات المتحدة الصين ثاني أقوى دولة في العالم بعد الولايات المتحدة. ويتسم وصف الصين بالواقعية وعدم التوجه نحو التصعيد؛ فالولايات المتحدة لا ترغب في الهيمنة عليها، وفي الوقت نفسه لا ترغب في أن تُهيمن عليها. وتتزايد قوة بكين.
روسيا تعد تهديدًا يمكن السيطرة عليه
على عكس الصين، تعتبر الولايات المتحدة روسيا “تهديدًا يمكن السيطرة عليه” بالنسبة لأعضاء الناتو الشرقيين. وتُلقي الولايات المتحدة بالمسؤولية الرئيسية عن دعم الدفاع عن أوكرانيا على عاتق الأوروبيين. وبينما يجب إنهاء حرب أوكرانيا، تؤكد الولايات المتحدة أن المسؤولية الرئيسية عن ذلك تقع على عاتق الأوروبيين. يُزعم أن موسكو عاجزة عن تحقيق الهيمنة في أوروبا. وسيكون من المثير للاهتمام متابعة رد فعل الرئيس الروسي فلاديمير بوتين على هذا الزعم. وتؤكد الولايات المتحدة أن الدول الأوروبية الأعضاء في حلف الناتو أقوى من روسيا، إذ تزعم أن الاقتصاد الألماني وحده يفوق نظيره الروسي بكثير. ويشير التقرير إلى أن الحرب في أوكرانيا تُظهر امتلاك روسيا احتياطيات عسكرية وصناعية ضخمة، فضلًا عن امتلاكها أكبر ترسانة نووية في العالم.
النتائج
تعكس استراتيجية الدفاع الأمريكية الجديدة ملامح مرحلة انتقالية في بنية الأمن الدولي، تضع أوروبا أمام واقع استراتيجي مختلف عمّا اعتادت عليه منذ نهاية الحرب الباردة. فالإشارة الواضحة إلى تقليص أولوية الدفاع عن القارة، مقابل التركيز على الداخل الأمريكي ومنطقة المحيطين الهندي والهادئ، تعني أن الضمانة الأمنية الأمريكية لم تعد مطلقة كما في السابق، بل مشروطة بتقاسم أوسع للأعباء.
تجد أوروبا نفسها مضطرة إلى تسريع بناء قدراتها الدفاعية المستقلة، سواء عبر زيادة الإنفاق العسكري أو تعزيز الصناعات الدفاعية المشتركة أو تطوير هياكل قيادة أكثر استقلالية داخل الناتو وخارجه. في المقابل، يفتح التركيز الأمريكي على جرينلاند والقطب الشمالي بابًا جديدًا للتنافس الجيوسياسي في منطقة مرشحة لتصبح إحدى ساحات الصراع الكبرى خلال العقد المقبل، بفعل ذوبان الجليد وتزايد أهمية الممرات البحرية والموارد الطبيعية.
هذا التطور قد يفرض على أوروبا إعادة تعريف علاقتها الأمنية مع واشنطن، خصوصًا الدول الإسكندنافية ودول البلطيق، التي ستجد نفسها في تماس مباشر مع هذه التحولات. أما على مستوى التوازنات العالمية، فإن انتقال مركز الثقل الأمريكي نحو ردع الصين يعزز احتمالات تشكّل نظام دولي متعدد الأقطاب، تتحمل فيه القوى الإقليمية مسؤوليات أكبر في محيطها الجغرافي. وبالنسبة لروسيا، فإن وصفها بـ”التهديد القابل للاحتواء” قد يدفع موسكو إلى اختبار حدود هذا الاحتواء، سواء عبر الضغط العسكري غير المباشر أو توسيع نفوذها في مناطق فراغ القوة.
سيعتمد استقرار أوروبا على مدى قدرتها على التحول من شريك أمني يعتمد على الولايات المتحدة، إلى فاعل قادر على إدارة أمنه الذاتي ضمن شراكة متوازنة. وإذا نجحت في ذلك، فقد تشهد القارة ولادة منظومة دفاعية أوروبية أكثر استقلالًا. أما إذا تعثرت، فقد تدخل مرحلة جديدة من هشاشة الردع وتزايد المخاطر الأمنية.
رابط مختصر.. https://www.europarabct.com/?p=114140
