خاص ـ المركز الأوروبي لدراسات مكافحة الإرهاب والاستخبارات ـ ألمانيا وهولندا ECCI
الأمن الدولي ـ أين توجد أصول روسيا المجمّدة تحديدًا؟
أثار الجدل حول إصدار قرض تعويضات لأوكرانيا سؤالًا ملحًّا، أين توجد أصول روسيا المجمّدة؟. فعندما أوقف رئيس الوزراء البلجيكي بارت دو ويفر خطة في قمة الاتحاد الأوروبي في أكتوبر 2025 لإصدار قرض تعويضات بقيمة 140 مليار يورو لصالح أوكرانيا باستخدام الأصول المجمّدة للبنك المركزي الروسي، اشتكى من أنه يتعرض للتمييز. فالمشروع الطموح يعتمد فقط على الأموال المحتفظ بها لدى شركة “يوروكلير”، وهي مؤسسة إيداع أوراق مالية مركزية مقرها بروكسل، رغم أن حلفاء مجموعة السبع أعلنوا مرارًا أنهم يملكون نحو 300 مليار يورو من الأصول السيادية الروسية المجمّدة في مناطق اختصاصهم. بعد تصريحات دو ويفر في القمة التي لم تخرج بنتيجة، أشارت تقارير وتحليلات مستقلة أن بعض الدول الغربية تحتفظ بجزء من أصول البنك المركزي الروسي. وهذه الدول هي: فرنسا، ولوكسمبورغ، وألمانيا، وسويسرا، والمملكة المتحدة، والولايات المتحدة، وكندا، واليابان، وأستراليا. وجميعها تشارك في الجهود الدولية الرامية إلى إضعاف آلة الحرب الروسية وإنهاء حرب أوكرانيا.
جدل حول حجم الأصول الروسية المجمّدة
وفقًا لدراسة حديثة صادرة عن خدمة الأبحاث التابعة للبرلمان الأوروبي، تحتفظ لوكسمبورغ بما بين 10 و20 مليار يورو من الأصول السيادية الروسية. لكن وزيري المالية والخارجية في لوكسمبورغ قدّما رقمًا مختلفًا تمامًا في بيان مشترك، جاء فيه: “إن قيمة أصول البنك المركزي الروسي المجمّدة حاليًا في لوكسمبورغ تقلّ عن 10 آلاف يورو”. أما سويسرا، فقد أكدت أنها تحتفظ بـ 7.45 مليار فرنك سويسري، أي نحو 8 مليارات يورو، من الأصول السيادية الروسية المجمّدة في بنوك تجارية. وسويسرا ليست عضوًا في الاتحاد الأوروبي ولا في مجموعة السبع، لذلك ليست ملزمة بالمشاركة في مبادرة قرض التعويضات، لكنها تتابع العملية عن كثب. وجاء في بيان مجلسها الفيدرالي: “سيحدد المجلس موقفه آخذًا في الاعتبار القانون السويسري، بما في ذلك القانون الدولي، وأهداف السياسة الخارجية السويسرية، فضلًا عن الحفاظ على الاستقرار المالي لتجنب العواقب غير المقصودة على الأسواق المالية والعمليات المستقبلية للبنوك المركزية في النظام المالي الدولي”.
يُعتقد أن ألمانيا، تحتفظ بحصة محدودة من الأموال المجمّدة، وأكدت ألمانيا إنها لا تستطيع “الإفصاح عن حجم أو موقع أصول البنك المركزي الروسي” بسبب متطلبات حماية البيانات وقوانين العقوبات الأوروبية. أما فرنسا فرفضت التعليق على قيمة الأصول المحتفظ بها على أراضيها، وكان قد تحدث برونو لو مير وزير المالية السابق الفرنسي، عن تجميد 22.8 مليار يورو من أموال البنك المركزي الروسي.
تدعم لندن بقوة قرض التعويضات، إذ كتبت وزيرة الخارجية يفيت كوبر في صحيفة “ذا تايمز”: “حان الوقت الآن لعمل دولي لاستخدام الأصول السيادية الروسية المجمّدة لدعم أوكرانيا، لأن روسيا هي التي يجب أن تدفع ثمن الدمار الذي تسببه لأوكرانيا”. لكن من جهة أخرى، تثير الحكومة البريطانية التباسًا حول حجم الأصول التي تحتفظ بها. فبحسب مكتب تنفيذ العقوبات المالية (OFSI)، تم تسجيل 28.7 مليار جنيه إسترليني (حوالي 32.6 مليار يورو) من الأصول المجمدة نتيجة العقوبات المفروضة على روسيا منذ فبراير 2022. لكن في الواقع، هذا الرقم المتداول لا يشمل الأصول السيادية على الإطلاق. ورفضت الحكومة البريطانية تقديم رقم منفصل يخص الأصول السيادية.
يُعتقد أن اليابان تحتفظ بما بين 25 و30 مليار يورو من الأصول السيادية الروسية، وهو رقم لم تؤكده طوكيو رسميًا. ويدّعي دو ويفر أن اليابان وحدها تحتفظ بـ 50 مليار يورو. أكدت الحكومة اليابانية: “لا تكشف حكومة اليابان عن تفاصيل الأصول السيادية الروسية الموجودة في اليابان، بما في ذلك قيمتها أو مواقعها. لذلك نمتنع عن التعليق على ذلك”. وفي سبتمبر 2023، ذكرت صحيفة “أكسيوس” أن فريق عمل عالمي يُعرف باسم “النخب الروسية والوكلاء والأوليغارشيين” (REPO) قد اكتشف ما يقدر بنحو 5.06 مليارات دولار (4.41 مليارات يورو) من الأصول السيادية الروسية الموزعة عبر النظام المصرفي الأمريكي.
أعلنت الشرطة الملكية الكندية (RCMP) أن كندا “جمّدت فعليًا” 185 مليون دولار كندي (114 مليون يورو) من الأصول الروسية، ومنعت معاملات بقيمة 473 مليون دولار كندي (291 مليون يورو)، لكن “يورونيوز” لم تتلق أي توضيح حول ما إذا كان جزء من هذه الأموال يخص البنك المركزي الروسي، ما يجعل من الصعب التمييز بينها. وأستراليا، التي تمتلك مبالغ أقل، رفضت أيضًا تقديم أي تفاصيل.
يقول فرانسيس بوند، وهو باحث أول في شركة “ماكفارلينز” القانونية المتخصصة في العقوبات الدولية: “لا توجد أرقام دقيقة، وهذا أمر يجب التأكيد عليه. قد تكون لدى الدول فكرة عامة عن حجم الأصول داخل نطاقها، لكن لا توجد رقابة عامة كافية. ولهذا يدور النقاش على هذا النحو الواسع”. وأضاف: “لم نشهد من قبل اقتراحًا كهذا. إنه ردّ على وضع يُنظر إليه على أنه استثنائي وغير مسبوق. ولهذا فإن المخاطر القانونية والمالية والسياسية مرتفعة جدًا، لأننا ببساطة لا نملك خارطة طريق توضح كيف سيتطور هذا الوضع”.
غياب الشفافية في الأصول الروسية يربك مشروع قرض التعويضات الأوروبي
يتناقض غياب الشفافية في الغرب بوضوح مع الوضوح البلجيكي، تنشر “يوروكلير” بانتظام تقارير عن الأصول السيادية الروسية، وتوضح تركيبتها حسب العملة وتحدّث الأرباح الناتجة عنها، ما يتيح لصنّاع السياسات والمستثمرين والصحفيين والمحللين الوصول إلى هذه البيانات. ومع ذلك، فإن “يوروكلير” باعتبارها مؤسسة إيداع مركزية، تخضع لمعايير أكثر صرامة من الشفافية والرقابة مقارنة بالبنوك الخاصة التي تُعد السرية فيها مبدأً أساسيًا لحماية العملاء. لا تستطيع دول مجموعة السبع تقديم تفاصيل دقيقة حول الأصول السيادية الروسية التي تسيطر عليها، وهو تقصير واضح في سياق قرض التعويضات المقترح.
المفوضية الأوروبية، التي صاغت المقترح الطموح لقرض الـ140 مليار يورو، تجنبت مرارًا الإجابة عن سؤال ما إذا كانت ستبحث عن أصول خارج نطاق “يوروكلير”. وحاول الدكتور شيمون زاريبا، الباحث في المعهد البولندي للشؤون الدولية (PISM)، تحديد موقع وقيمة أصول البنك المركزي الروسي بدقة، لكنه واجه العديد من العقبات. وأوضح: “خلال مناقشاتنا غير الرسمية مع ممثلين عن بعض دول مجموعة السبع والاتحاد الأوروبي، لم نتلق أي معلومات تفسر سبب عدم إتاحة البيانات حول الحجم الدقيق للأصول للعامة”. وأضاف الباحث: “أنه يشكك في الحجة القائلة بأن كشف الأرقام الدقيقة قد يعرض الشركات الغربية التي ما زالت تعمل في روسيا لخطر مصادرة ممتلكاتها من قبل الكرملين، وهو احتمال أشار إليه دو ويفر”. وأوضح: “في النهاية، روسيا تعرف تمامًا أين كانت أموالها مودعة قبل اندلاع الحرب، ومتى تم تجميدها، ومن هم أصحاب الممتلكات الخاصة التي يمكن استهدافها”. ومن العقبات المتكررة في تتبع هذه الأموال التمييز النادر بين الأصول السيادية، أي احتياطات البنك المركزي الروسي، وبين الأصول الخاصة للأفراد الروس الخاضعين للعقوبات مثل الأوليغارشيين ورجال الأعمال.
رابط مختصر.. https://www.europarabct.com/?p=111342
