خاص ـ المركز الأوروبي لدراسات مكافحة الإرهاب والاستخبارات، ألمانيا وهولندا ECCI، وحدة الدراسات والتقارير “1”
الأمن الدولي ـ أوروبا بين قمة “ألاسكا” ومفاوضات ترامب ـ بوتين حول أوكرانيا
تتجه الأنظار نحو قمة ألاسكا المرتقبة بين الرئيس الأمريكي دونالد ترامب والرئيس الروسي فلاديمير بوتين، والتي يُنتظر أن تكون محطة مفصلية في مسار الحرب الأوكرانية المستمرة منذ أكثر من ثلاث سنوات ونصف. وبينما تتحضر واشنطن وموسكو لجولة تفاوضية جديدة، تتحرك أوروبا على خط موازٍ لتثبيت مبادئها وضمان عدم تجاوز مصالحها الأمنية والاستراتيجية في أي تسوية محتملة.
قبل أيام من القمة يوم العاشر من أغسطس 2025 ة، شهدت “تشيفينينغ هاوس” في بريطانيا اجتماعًا موسعًا ضم قادة أوروبيين بارزين: الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون، ورئيسة الوزراء الإيطالية جورجيا ميلوني، والمستشار الألماني فريدريش ميرتس، ورئيس الوزراء البولندي دونالد توسك، ورئيس الوزراء البريطاني كير ستارمر، والرئيسة التنفيذية للمفوضية الأوروبية أورسولا فون دير لاين، والرئيس الفنلندي ألكسندر ستوب، إلى جانب نائب الرئيس الأمريكي جي. دي. فانس وممثلين عن أوكرانيا.
البيان المشترك الصادر عن الاجتماع أكد على جملة من المبادئ:
- رفض أي حل دبلوماسي مفروض من الخارج، وضرورة أن تكون أوكرانيا طرفًا أساسيًا في تقرير مستقبلها.
- المصالح الأمنية لأوكرانيا وأوروبا غير قابلة للتفاوض، مع ضرورة تضمين الضمانات الأمنية في أي اتفاق.
- الخطوط الأمامية الحالية ليست حدودًا رسمية، ومبدأ عدم تغيير الحدود بالقوة ركيزة أساسية للنظام الدولي.
- وقف إطلاق النار شرط مسبق لبدء مفاوضات جوهرية، وليس نتيجة لها.
وفي موسكو، تمسكت روسيا بمطالبها المتمثلة في اعتراف أوكرانيا بضم مناطق لوهانسك ودونيتسك وزابوريجيا وخيرسون، إلى جانب شبه جزيرة القرم. كما نفت وجود قوات أوكرانية في منطقة كورسك، رغم تأكيدات كييف بعكس ذلك. الرئيس فولوديمير زيلينسكي رحب بالموقف الأوروبي، مؤكدًا أن أوكرانيا تدافع عن أمن القارة الأوروبية، وأن أي اتفاق سلام يجب أن يكون “عادلاً” ويعيد كامل الأراضي الأوكرانية. أما كبير موظفي الرئاسة، أندريه ييرماك، فقد شدد على أن وقف إطلاق النار ضروري، لكنه أضاف أن الخط الأمامي لا يمثل حدودًا، مؤكدًا رفض أوكرانيا لأي تسوية لا تشمل استعادة جميع أراضيها. أوكرانيا
المفاوضات الأمريكية – الروسية
تأتي هذه التطورات في ظل ترتيبات لعقد قمة ثنائية بين ترامب وبوتين في ألاسكا، بعد زيارة قام بها مستشار ترامب، ستيف ويتكوف، إلى موسكو، والتي وصفها ترامب بأنها حققت “تقدمًا كبيرًا”. وتشير تسريبات من البيت الأبيض إلى أن ترامب منفتح على عقد قمة ثلاثية تضم زيلينسكي، لكن الجانب الروسي يفضل بدء المفاوضات بشكل ثنائي. ووفقًا لمسؤول أمريكي، قد تتضمن الصفقة المحتملة “تبادلًا جزئيًا للأراضي” بما يحقق مكاسب للطرفين، من دون تحديد التفاصيل الجغرافية أو القانونية.
دور أوروبا
ـ وحدة في المبادئ مع تباين في التكتيكات : الدول الأوروبية مجتمعة ترفض تغيير الحدود بالقوة وتصر على ضمانات أمنية قوية، لكنها تختلف في مدى المرونة تجاه الحلول الأمريكية – الروسية التي قد تشمل تنازلات جغرافية.
ـ شريك أساسي لكن ليس القائد: واشنطن تدير المفاوضات المباشرة مع موسكو، فيما تسعى أوروبا لضمان عدم تهميشها عبر “إطار المبادئ” الذي يحافظ على مصالحها.
ـ التوازن الصعب بين الأمن والسلام: استمرار الحرب يرهق اقتصادات أوروبا، لكن القبول بتسوية على حساب أوكرانيا قد يشجع على تكرار انتهاك الحدود بالقوة في المستقبل.
يواصل الأوروبيون ضمان تقديم مساعدات عسكرية ومالية واسعة النطاق لأوكرانيا. وسيواصلون العمل بشكل وثيق مع ترامب والولايات المتحدة والرئيس الأوكراني فولوديمير زيلينسكي والشعب الأوكراني. ويؤكد رؤساء الدول والحكومات أنه لا يمكن تحديد مسار السلام بدون أوكرانيا. وجاء في البيان “لأوكرانيا حرية تقرير مصيرها”. وكتب الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون على مواقع التواصل الاجتماعي التاسع من أغسطس 2025: “لا يمكن تحديد مستقبل أوكرانيا دون مشاركة الأوكرانيين، الذين يكافحون من أجل حريتهم وأمنهم منذ أكثر من ثلاث سنوات”. وأضاف: “سيكون الأوروبيون جزءًا من الحل، لأن أمنهم على المحك”.
النتائج
احتمال انخراط أوروبي أوسع بعد القمة: في حال التوصل لاتفاق، ستسعى أوروبا للعب دور الضامن الأمني عبر الناتو أو اتفاقيات دفاعية مباشرة مع أوكرانيا.
احتمال الانقسام الأوروبي: أي تسوية تشمل تبادل أراضٍ قد تخلق شرخًا بين المعسكر المتشدد (بولندا، البلطيق، بريطانيا) والمعسكر البراغماتي (ألمانيا، فرنسا، إيطاليا).
تأثير على النظام الأمني الأوروبي: القبول بواقع فرضته القوة العسكرية قد يقوّض الثقة في ترتيبات الأمن الأوروبية ويدفع لسباق تسلح جديد.
الموقف الأوكراني كعامل ضاغط: تمسك كييف بكامل أراضيها يضع أوروبا أمام خيار دعم هذا الموقف أو الدفع نحو حل وسط لإنهاء الحرب. أوكرانيا
السيناريوهات المحتملة
ـ شراكة أوروبية كاملة في المفاوضات : في هذا السيناريو، تنجح أوروبا في تثبيت موقعها كطرف رئيسي في صياغة أي اتفاق محتمل بين واشنطن وموسكو. هنا، يشارك الاتحاد الأوروبي ليس فقط في وضع الإطار العام للتسوية، بل أيضًا في آليات التنفيذ، سواء عبر الضمانات الأمنية أو عبر إرسال قوات مراقبة وحفظ سلام على الأرض الأوكرانية. أوكرانيا
يعمل هذا السيناريو على تعزيز وحدة الموقف الأوروبي وضمان حماية المصالح الأمنية على المدى الطويل، إضافة إلى تعزيز نفوذ أوروبا كقوة جيوسياسية مستقلة نسبيًا. لكن التحدي الأكبر يكمن في أن هذا الدور يتطلب موافقة أمريكية ـ روسية، وهو أمر قد يُجبر بعض الدول الأوروبية على تقديم تنازلات في ملفات أخرى، مثل العقوبات أو التعاون الاقتصادي مع موسكو.
ـ سيناريو قبول أوروبي مشروط في هذا الاحتمال، تكتفي أوروبا بلعب دور “حارس المبادئ”، أي التأكيد على خطوطها الحمراء (رفض تغيير الحدود بالقوة، وضمان سيادة أوكرانيا)، لكنها تقبل عمليًا بالصفقة التي يتم التوصل إليها بين ترامب وبوتين، مقابل الحصول على بعض الضمانات الأمنية أو الاقتصادية.
هذا السيناريو يحمي أوروبا من العزلة السياسية ويحافظ على شكل من أشكال الوحدة الداخلية، لكنه يقلل من تأثيرها الفعلي على تفاصيل التسوية. المخاطرة هنا هي أن أوكرانيا قد تشعر بخيانة نسبية، ما قد يضعف الثقة بين كييف وبروكسل، ويفتح المجال لتقارب أوكراني أكبر مع الولايات المتحدة على حساب الاتحاد الأوروبي. أوكرانيا
ـ سيناريو الانقسام الأوروبي الداخلي: قد يكون هذا هو السيناريو الأخطر على المدى القريب، إذ ينقسم الموقف الأوروبي إلى معسكرين: المعسكر الشرقي المتشدد بولندا، دول البلطيق، بريطانيا الذي يرفض أي تنازل جغرافي لموسكو، ويصر على استعادة أوكرانيا كامل أراضيها. المعسكر الغربي البراغماتي ألمانيا، فرنسا، إيطاليا الذي يفضل وقف الحرب حتى لو عبر تسوية تعترف ببعض الأمر الواقع على الأرض. هذا الانقسام سيُضعف قدرة أوروبا على التحدث بصوت واحد، ما يمنح واشنطن وموسكو حرية أكبر في فرض شروطهما. والأسوأ أن غياب الموقف الموحد قد ينتج عنه اتفاق هش، يحمل في طياته بذور إعادة التصعيد مستقبلاً.
قمة ألاسكا بين ترامب وبوتين قد تشكل لحظة فارقة في تحديد شكل النظام الأمني الأوروبي خلال العقود القادمة. أوروبا تجد نفسها أمام اختبار صعب: الحفاظ على وحدة موقفها ودعم أوكرانيا، أو الانزلاق نحو تسوية سريعة قد تؤدي إلى تهديد طويل الأمد لأمن القارة. نجاح الأوروبيين في فرض أنفسهم كشريك أساسي وضامن أمني لأي اتفاق سيكون مفتاحًا لضمان سلام مستدام، فيما الفشل في ذلك قد يترك القارة أمام واقع استراتيجي هش، محفوف بمخاطر التصعيد والسباق نحو التسلح.
