المركز الأوروبي لدراسات مكافحة الإرهاب والاستخبارات ـ ألمانيا وهولندا ECCI
الأمن الأوروبي ـ لماذا ينقسم الاتحاد الأوروبي حول العقوبات على روسيا؟
يواجه الاتحاد الأوروبي انقسامًا متزايدًا بشأن تشديد العقوبات على روسيا، مع تصاعد الخلاف حول جدوى حظر خدمات نقل النفط الروسي وتداعياته على أسواق الطاقة العالمية. وبينما تدفع بعض الدول نحو إجراءات أكثر صرامة، تتمسك أخرى بحماية مصالحها الاقتصادية وتجنب اضطرابات سوق النفط.
الاتحاد الأوروبي بات منقسمًا على توجيه ضربة اقتصادية لروسيا
أرادت بروكسل استبدال سقف أسعار النفط الروسي بآلية أكثر صرامة. لكن الاتحاد الأوروبي بات منقسمًا حول مدى قدرته على توجيه ضربة اقتصادية قوية لروسيا دون إحداث إرباك في سوق النفط العالمية، ولم يتوقع أحد في بروكسل أن تصل الأمور إلى هذا الحد. ففي فبراير من العام 2026، قدمت رئيسة المفوضية الأوروبية أورسولا فون دير لاين خطتها للحزمة العشرين من العقوبات الاقتصادية ضد روسيا، وكان التركيز منصبًا على خدمات الشحن البحري، حيث أعلنت التوجه لفرض حظر كامل على خدمات نقل النفط الخام الروسي لتقليل عائدات الطاقة لروسيا وتصعيب العثور على أطراف مشترية. وكانت هذه الخطوة فرصة لبروكسل لإغلاق ملف مفتوح منذ فترة طويلة. ففي عام 2022، حاول الاتحاد الأوروبي حظر خدمات النقل البحري للناقلات الروسية ضمن حظر الاستيراد، انطلاقًا من مبدأ أنه إذا توقف الاتحاد عن شراء النفط الروسي، فعليها الامتناع عن تقديم تسهيلات لنقله.ارتفاع معدلات التضخم وأسعار الطاقة، أبدت إدارة الرئيس الأمريكي السابق جو بايدن مخاوف من حدوث صدمات اقتصادية، وأقنعت الجانب الأوروبي بفرض سقف للأسعار بدلاً من الحظر الشامل، على أن تظل الخدمات متاحة وفق شروط محددة.
روسيا والالتفاف على العقوبات الغربية
استجاب الاتحاد الأوروبي لذلك المقترح، حيث حدد في ديسمبر 2022 سقفًا سعريًا قدره 60 دولارًا للبرميل، بالتنسيق مع دول مجموعة السبع. ومنذ ذلك الحين، واجه الاتحاد صعوبات في تطبيق هذه الآلية، حيث استخدمت موسكو “أسطول الظل” للالتفاف على الترتيبات الغربية وبيع النفط بأسعار أعلى، مدعومة بضعف نظام الإثباتات وتذبذب الأسعار وعدم مشاركة الصين والهند. ونتيجة لذلك، رأت بروكسل ضرورة الانتقال إلى مرحلة جديدة استبدالًا لسقف الأسعار بحظر تام لخدمات النقل البحري يشمل التأمين والخدمات المصرفية والنقل ورفع الأعلام، لتوجيه ضربة مباشرة لقطاع الطاقة الروسي. غير أن مجموعة من العوامل الداخلية والخارجية أدت إلى تغيير المسار، ليبقى هذا الحظر معلقًا وفي حالة جمود.فقد ربطت فون دير لاين الحظر بتوافق دول مجموعة السبع، وهو شرط صعب التحقيق، خاصة مع تغير الإدارة الأمريكية برئاسة دونالد ترامب الذي أظهر عدم اهتمام بالصيغ المعتمدة سابقًا. ورغم محاولة المسؤولين الأوروبيين التراجع عن اعتبار موافقة مجموعة السبع شرطًا مطلقًا، استمرت التحديات.
تداعيات التصعيد العسكري في الشرق الأوسط
أدى التصعيد العسكري في الشرق الأوسط وإغلاق مضيق هرمز إلى ارتفاع أسعار النفط، مما أضعف الحماس لفكرة الحظر الشامل. وقادت دول مثل اليونان ومالطا وقبرص التوجه الرافض للحظر بحجة حماية صناعات الشحن لديها ومنع انتقال الأعمال إلى منافسين خارجيين. وفضلًا عن ذلك، أبدت هذه الدول الاستعداد لممارسة حق الفيتو ما لم يتم التوصل إلى اتفاق في إطار مجموعة السبع، مما أدى في النهاية إلى إرجاء تفعيل الحظر لأجل غير مسمى. وفي الحزمة الحادية والعشرين من العقوبات، تخلت المفوضية عن تقديم اقتراح الحظر وأعادت التركيز على آلية سقف الأسعار. وفي ظل هذا الواقع، تطالب دول مثل السويد وفنلندا ودول البلطيق وبولندا بالمضي قدمًا في فرض الحظر لتجفيف منابع التمويل، بينما تصر دول أخرى على الاستثناءات لضمان مصالحها التجارية في مجال الشحن والغاز الطبيعي المسال. ويحذر محللون من أن الحظر المفاجئ قد يرفع أسعار النفط عالميًا، داعين بدلاً من ذلك إلى فرض رقابة صارمة على سقف الأسعار الحالي لمنع الالتفاف عليه بصورة فعالة.
تصدعات في الجبهة الأوروبية
كشفت المفاوضات الفوضوية بشأن العقوبات عن تصدعاتٍ في الجبهة الأوروبية الموحدة في مواجهة روسيا، لقد تشكلت الجولة الجديدة من عقوبات الاتحاد الأوروبي ضد روسيا تحت وطأة سلسلةٍ من تهديدات استخدام حق النقض (الفيتو)، إذ سعت الدول الأعضاء إلى حماية مصالحها الوطنية. أما الحزمة النهائية، التي جرى تخفيفها بشكلٍ ملحوظٍ، فقد كشفت عن تصدعاتٍ متزايدةٍ داخل التكتل. بالنسبة لبروكسل، يُمثل الاتفاق الذي تم التوصل إليه في يوليو من العام 2026 بشأن حزمةٍ جديدةٍ من العقوبات ضد روسيا محطةً أخرى في الجهد الجماعي الرامي إلى تقويض المحرك الاقتصادي الذي يدعم التهديد الروسي واسع النطاق لأوكرانيا. وقالت رئيسة المفوضية الأوروبية أورسولا فون دير لاين: “في وقتٍ بنت فيه أوكرانيا زخمًا عسكريًا، تواصل عقوباتنا إضعاف الأسس الاقتصادية للمجهود الحربي الروسي”.
أضافت الممثلة العليا للشؤون الخارجية والسياسة الأمنية كايا كالاس: “إننا نضرب بوتين في أكثر الأماكن إيلامًا: نقطع شرايين التمويل التي يعتمد عليها لمواصلة حربه”. إلا أن الاتفاق وربما بصورةٍ أكثر دلالةً، المفاوضات الشاقة التي سبقته كشف عن تصدعاتٍ متزايدةٍ في الوحدة السياسية التي تستند إليها أكثر أنظمة العقوبات طموحًا في تاريخ الاتحاد الأوروبي. كما أثار تساؤلاتٍ أوسع حول حجم التضحيات التي باتت الدول الأعضاء، بعد دخول الحرب عامها الرابع، مستعدةً لتحملها من أجل مواصلة الضغط على الكرملين.
اليونان تستخدم حق النقض الفيتو
فاليونان، التي تمتلك أكبر أسطولٍ تجاريٍ في العالم، استخدمت حق النقض للضغط على بقية الدول الأعضاء من أجل إعادة صياغة الحظر الكامل على الغاز الطبيعي المسال الروسي، بما يسمح باستمرار خدمات الشحن خارج سوق الاتحاد الأوروبي بعد الموعد النهائي المحدد في الأول من يناير 2027. وكان السفراء قد عارضوا في البداية إعادة فتح تشريعٍ سبق أن تم الاتفاق عليه بالإجماع. ورأى بعضهم أن الخطوة مدفوعةٌ بمصالح تجاريةٍ، مشيرين إلى الدور البارز لشركة “ديناغاز” اليونانية، وهي شركة شحنٍ كبرى تشارك في نقل الغاز الطبيعي المسال الروسي. كما لم يمر مرور الكرام أن الحكومة اليونانية وشركة “ديناغاز” استخدمتا حججًا متطابقةً تقريبًا للمطالبة بالإعفاء. ورغم الانتقادات، تمسكت أثينا بموقفها وأبقت على الفيتو حتى وافقت الدول الأعضاء الأخرى، بعد مواجهة طريقٍ مسدودٍ، على منح استثناءٍ على مضض. ونتيجةً لذلك، سيُسمح بنقل الغاز الطبيعي المسال الروسي إلى عملاء خارج الاتحاد الأوروبي في المستقبل المنظور، ولكن وفق شروطٍ معينةٍ.
أعربت وزيرة الخارجية السويدية ماريا مالمر ستينرغارد عن استيائها. وقالت في توبيخٍ غير مباشرٍ: “تشكل عائدات الطاقة جوهر تمويل روسيا للحرب، كما أن التكلفة التي تتحملها أوروبا لا تُقارن بالثمن الذي يدفعه الشعب الأوكراني يوميًا”. لكن اليونان لم تكن الدولة الوحيدة التي مارست نفوذها. فقد هددت بلغاريا، في ظل الحكومة الجديدة برئاسة رئيس الوزراء رومين راديف، علنًا باستخدام الفيتو ضد الحزمة بأكملها ما لم يُرفع اسم البطريرك كيريل، رئيس الكنيسة الأرثوذكسية الروسية، ومؤسس شركة “لوك أويل” فاغيت أليكبيروف من القائمة السوداء المقترحة. وفي النهاية، تم حذف الاسمين. كما اعترضت البرتغال وألمانيا على القيود المفروضة على سمك القد وسمك البولك الروسيين، محذرتين من احتمال إلحاق الضرر بصناعتيهما المحليتين. وبعد عدة جولاتٍ من المشاورات، تم إسقاط الإجراءات المتعلقة بقطاع المصايد. وعارضت فرنسا وإيطاليا اقتراحًا يقضي بتقييد وصول الجنود الروس إلى منطقة شنغن. وتم تخفيف حظر الدخول مرارًا حتى تحول في نهاية المطاف إلى “أساسٍ قانونيٍ” ذي تأثيرٍ عمليٍ محدودٍ للغاية.
حققت النمسا انتصارًا سياسيًا بعد موافقة الدول الأعضاء على النظر في طلبها المثير للجدل برفع العقوبات عن شركة “راسبيريا”، المدرجة على القائمة السوداء، للمساعدة في تعويض خسارةٍ بلغت 2.1 مليار يورو تكبدها بنك “رايفايزن إنترناشونال” في روسيا. وعلى عكس العام 2025، عندما تم رفض الطلب بشكلٍ قاطعٍ، وعد سفراء الاتحاد الأوروبي هذه المرة النمسا بإيجاد حلٍ في مرحلةٍ لاحقةٍ، بعدما شعروا بإمكانية مواجهة فيتو جديد.
رابط مختصر.. https://www.europarabct.com/?p=122317
*حقوق النشر محفوظة إلى المركز الأوروبي لدراسات مكافحة الإرهاب والاستخبارات

