المركز الأوروبي لدراسات مكافحة الإرهاب والاستخبارات ـ ألمانيا وهولندا ECCI
الأمن الأوروبي ـ كيف تحصل روسيا على التكنولوجيا الأوروبية ذات الاستخدام المزدوج؟
استطاعت روسيا استخدام دول ثالثة بوصفها محطة وسيطة لاستيراد تقنيات وسلع حساسة أوروبية وبريطانية، رغم العقوبات الأوروبية المفروضة منذ بدء حرب أوكرانيا في فبراير من العام 2022. ويثير ذلك تساؤلات بشأن فعالية الرقابة على سلاسل التوريد في ظل تنامي الشراكات التجارية دول خارج اوروبا.
سلع أوروبية ذات استخدام مزدوج وصلت إلى روسيا عبر الهند
تُظهر بيانات جديدة ترصد حجم التجارة، وتمت مشاركتها مع موقع بوليتيكو، أن شركات الدفاع والأمن الروسية تستخدم سلاسل التوريد في الهند لاستيراد آلاف السلع المرتبطة بالأمن والتي صنعت أصلاً في أوروبا. علاوة على ذلك، يحذر الباحثون من أن الاتفاقيات التجارية الأخيرة التي أبرمتها نيودلهي مع المملكة المتحدة والاتحاد الأوروبي قد تزيد خطر تعريض صادرات السلع الحساسة والسلع ذات الاستخدام المزدوج لسلاسل التوريد الصناعية المرتبطة بروسيا في شبه القارة الهندية. صرّح ديفيد فينيو، كبير مسؤولي الاستخبارات في شركة ستريدر تكنولوجيز والرئيس السابق لجهاز المخابرات الأمنية الكندية، بأن الاتفاقيات التجارية الجديدة بين أوروبا والمملكة المتحدة والهند تتيح فرصًا اقتصادية هامة، لكنها تتطلب أيضًا من الحكومات والشركات النظر بواقعية إلى المشهد التنافسي جنباً إلى جنب مع هذه الفرص. قام باحثو شركة ستريدر بتتبع 50 ألف سلعة خاضعة للرقابة أو حساسة من دول ثالثة تم توجيهها إلى روسيا عبر الهند منذ بدء حرب أوكرانيا في فبراير من العام 2022.
ما هو حجم التجارة؟
قامت الشركة بتحليل بيانات الجمارك باستخدام رموز المنتجات الموحدة عالميًا لتحديد المنتجات الأوروبية الصنع التي تم تصديرها لاحقًا من الهند إلى روسيا، كاشفةً حجم التجارة لأول مرة. وشملت هذه المنتجات الإلكترونيات، والآلات، والأجهزة الدقيقة، ومعدات النقل، والمعادن، والمكونات الكهربائية المتقدمة. بين فبراير من العام 2026 وبداية عام 2025، تُظهر البيانات زيادة حادة في صادرات السلع الحساسة أو ذات الاستخدام المزدوج من الهند إلى روسيا، والتي مصدرها المملكة المتحدة (+180 بالمائة)، وسويسرا (+131 بالمائة)، والسويد (+455 بالمائة)، وفرنسا (+98 بالمائة) مقارنة بالسنوات الثلاث التي سبقت هجوم موسكو. لا تزال أحجام صادرات السلع ذات المنشأ الألماني كبيرة، على الرغم من انخفاض حجم التجارة.
توصل الباحثون إلى أن ألياف الكربون ذات المنشأ الفرنسي وصلت العام 2025 إلى شركة روسية مصنفة ضمن المجمع الصناعي العسكري الروسي. وتُستخدم ألياف الكربون في صناعة الطيران والفضاء، والطائرات المسيّرة، والصواريخ، وغيرها من المنتجات الدفاعية، ويُزوّد هذا المستورد العديد من الشركات الخاضعة للعقوبات. تتعرض المكونات ذات المنشأ الأوروبي أو البريطاني أيضًا لخطر التجميع في الهند لتحويلها إلى منتجات نهائية تمهيدًا لشحنها لاحقًا إلى روسيا. وتؤكد المشاريع المشتركة لشركة روستيك الدفاعية المملوكة للدولة مع شركاء هنديين ضمن مبادرة “اصنع في الهند” التي تتبناها نيودلهي حجم هذا الخطر. كما أن عددًا متزايدًا من معاملات السلع الحساسة المصدّرة من الهند إلى روسيا كان مصدره الأصل الولايات المتحدة، واليابان، وكندا، وأستراليا.
علاقات تاريخية
تؤكد هذه النتائج أدلة متزايدة على أن الهند أصبحت قناة مهمة لدخول التكنولوجيا الأوروبية الحساسة إلى روسيا على الرغم من العقوبات. وقال نيكولاس فينتون، المدير المشارك لبرنامج أوروبا وروسيا وأوراسيا في مركز الدراسات الاستراتيجية والدولية: “هذا أمر رأيناه باستمرار منذ عام 2022، ومن المرجح أن نستمر في رؤيته”. وفي تقرير حديث صدر عن المركز، حدد فينتون والمشاركون معه في التأليف الهند كمورد محتمل للإلكترونيات الحيوية إلى روسيا بناءً على مراجعة بيانات الجمارك. وأوضح فينتون أن العلاقات بين روسيا والهند تعود إلى علاقات الهند مع الاتحاد السوفيتي إبان الحرب الباردة. وتظل الهند واحدة من أكبر عملاء الأسلحة لروسيا، بينما تعتمد موسكو بشكل متزايد على سلاسل التوريد التصنيعية الهندية للمساعدة في دعم مجهودها الحربي. وأضاف فينتون: “عندما ننظر إلى أنظمة الأسلحة الروسية والمسيرات التي تم الاستيلاء عليها، ويقوم الأوكرانيون بفتحها، نجد كل هذه المكونات الغربية بداخلها”.
دعم المجهود الحربي الروسي
تخاطر الصادرات الأوروبية بدعم المجهود الحربي الروسي بدرجة أكبر. ومع توسع الشركات الأوروبية في التصنيع والتوريد داخل الهند، يحذر المحللون من أن ضبط هذا التحدي قد يصبح أكثر صعوبة مستقبلًا أصبح بإمكان الشركات الآن التداول بموجب أحكام الاتفاق التجاري بين المملكة المتحدة والهند والذي دخل دخل حيز التنفيذ في 15 يوليو من العام 2026، مع توقع التصديق على الاتفاق التجاري الجديد بين الاتحاد الأوروبي والهند في أواخر العام 2026 أو أوائل العام 2027. ومع نظر الشركات المتزايد إلى الهند كمركز تصنيعي، فإن الشراكات الدفاعية بين الهند من جهة، والمملكة المتحدة والاتحاد الأوروبي من جهة أخرى، تعمل كذلك على تعميق سلاسل توريد المنتجات الأمنية والمنتجات ذات الاستخدام المزدوج في شبه القارة. منذ حرب أوكرانيا في فبراير من العام 2026، عملت موسكو على توسيع سلاسل توريد منتجاتها الدفاعية وذات الاستخدام المزدوج في الهند. وفي ديسمبر 2022من العام ، استضاف اتحاد الصناعة الهندي شركات روسية في مجالات النفط والغاز، والتطوير الجوي، والتعدين، والخدمات المالية، والاتصالات، والأسمنت ذات التطبيقات المزدوجة العسكرية والمدنية في ثلاث بعثات تجارية على الأقل إلى نيودلهي ومومباي.
إمكانية روسيا من الوصول إلى التقنيات الحساسة
إن المنظومات الصناعية نفسها التي تجذب الاستثمارات الغربية تمنح روسيا كذلك إمكانية الوصول إلى التقنيات الحساسة. وقال فينيو: “تظهر أبحاثنا أن روسيا تستغل العديد من المنظومات التصنيعية والبحثية والتكنولوجية ذاتها للحفاظ على إمكانية الوصول إلى القدرات الحيوية والتهرب من العقوبات”. ويجد تقرير شركة ستريدر أن سياسة “اصنع في الهند” التي تتبعها نيودلهي تجعل توجيه المكونات ذات المنشأ الغربي عبر وسطاء هنديين أكثر سهولة. وجاء في التقرير: “كلما عمقت الهند دورها كمركز تصنيع عالمي، فإن غموض سلاسل التوريد المعقدة والمتعددة الولايات القضائية سيزيد عبء إنفاذ القوانين على الشركات الأوروبية”. ويحذر المحللون من أن تشديد إجراءات الإنفاذ لن يكون بسيطًا إطلاقًا، نظرًا لتعقيد سلاسل التوريد العالمية وانتشار التقنيات ذات الاستخدام المزدوج.
تقول كاتيا بيجو، وهي زميلة أبحاث أولى في برنامج أوروبا بمركز تشاتام هاوس: “إن قمع هذا الأمر معقد جدًا. سلاسل التوريد معقدة للغاية، والمزيد من السلع له استخدام مزدوج، وتستمر الشركات في إيجاد طرق جديدة للتهرب من الكشف والإنفاذ”. وأضافت بيجو أن أوروبا ليس لديها رغبة كبيرة في اتخاذ موقف أكثر صرامة مع الهند في الوقت الذي تسعى فيه إلى تنويع التجارة وسلاسل التوريد بعيدًا عن الصين. وأوضحت أن الإنفاذ الفعال يتطلب تبادل معلومات استخباراتية وتعاونًا أشد قربًا بين الحكومات والشركات، متابعةً: “هذا يتطلب موارد كبيرة غير متوفرة حاليًا على نطاق واسع”. وقال فينتون إن الشركات البريطانية والأوروبية تحتاج إلى أن تكون صارمة تمامًا في فحص الموردين والعملاء. وأردف: “بوضوح، هذا أمر صعب ويتطلب تنسيقًا. ولهذا السبب فإن التنسيق بين الحلفاء والشركاء هنا يعد أمرًا حاسمًا استراتيجيًا”.
رابط مختصر. https://www.europarabct.com/?p=121850
*حقوق النشر محفوظة إلى المركز الأوروبي لدراسات مكافحة الإرهاب والاستخبارات

