دراساتمكافحة الإرهاب

الأزمة الخليجية وأبعاد الدور الليبي.بقلم رشا السيد عشري

اقرأ في هذا المقال

  • الدعم العسكري التركي والقطريبالرغم من اتهام حفتر تركيا بدعم "الإرهاب" من خلال إبرام علاقات مع جماعة "أنصار الشريعة"، في بنغازي وكتيبة 17 فبراير المسلحة، التي تحالفت مع أنصار الشريعة في مجلس شورى ثوار بنغازي"، منذ عام 2014 طالباً من الأتراك والقطريين مغادرة ليبيا، إلا أن الدور التركي كان نشطاً على صعيد الحراك الدبلوماسي، فمنذ عام 2014 كانت هناك لقاءات بين المبعوث التركي وحكومة الحاسي في طرابلس، فضلاً عن استقبال رئيس الوزراء التركي ورئيس مجلس النواب الليبي المنحل عقيلة صالح. وذلك للتقارب مع حكومة الغرب.

إعداد: رشا السيد عشري

المركز الأوروبي لدراسات مكافحة الإرهاب والإستخبارات ـ المانيا وهولندا

لم تكن ليبيا بمنأى عن أزمة الخليج التي اعتبرت فاعلاً رئيسياً في الحراك السياسي الليبي، فقد  كانت في مقدمة الدول الأفريقية التي أعلنت موقفها من قطر، حيث اتخذ قطبيها موقفين متناقضين حيال الأزمة، فحكومة شرق ليبيا “الحكومة المؤقتة” التي يرأسها عبد الله الثني وتتخذ من مدينة البيضاء شرق البلاد مقراً لها، يدعمها “الجيش الوطني الليبي” بقيادة اللواء المتقاعد خليفة حفتر المناهض للإسلاميين، والمدعومة من مصر والإمارات والسعودية أعلنت مقاطعتها لقطر.

حيث اتهم المتحدث باسم الجيش الليبي أحمد المسماري كلا من تركيا وقطر والسودان بدعم الإرهاب داخل ليبيا وسوريا. وقال “أن ليبيا أعلنت مقاطعة قطر قبل أن تعلن الدول العربية الأربع عن مقاطعتها، لافتًا إلى أن القيادة الليبية “لا تدعو لضرب الشعب القطري ولا تعادي الشعب القطري ولا التركي ولا السوداني، ولكننا نهاجم القادة”، على حد قوله.

كما أضاف أن تحالف جماعة الإخوان في ليبيا مع تنظيم القاعدة تسبب في دمار وخراب ليبيا. والتي كانت (أي الإخوان) على تنسيق كامل مع “القاعدة ” منذ عام 2012، واتفقت معها على أن تكون قوتها العسكرية في مواجهة قوات الجيش الوطني”.

أما حكومة الوفاق الوطني برئاسة فايز السراج والمعترف بها دولياً، والمدعومة من قطر وتركيا، قد أعلنت دعمها لقطر حيال الأزمة، يأتي ذلك في ظل الحرب التي تعج بها الدولة منذ سقوط القذافي، والتي وضعت الدولة الليبية على صفيح ساخن من الحرب الأهلية، وانتشار الجماعات الإرهابية والمسلحة، ناهيك عن حرب الحكومتين، التي لم تعترف كلاً منها بالأخر في ظل فشل مساعي المفاوضات للوصول لتسوية سلمية للنزاع الدائر للوصول لحكومة موحدة وجيش موحد للبلاد في ظل انتشار القاعدة وداعش والجماعات المسلحة المدعومة من الدول المتصارعة على الأرض.

لتأتي الأزمة القطرية لتزيد الوضع تعقيداً نتيجة انضمام أحد أطراف الأزمة الليبية إلى أحد أطراف الأزمة الخليجية ضد الطرف الأخر، بما يعطي صورة أكثر ضبابية على المشهد السياسي الليبي ويؤجل من فرص التفاوض والوصول لتسوية سياسية في ظل تصارع الدول الراعية لأطراف الأزمة. وذلك في ظل اشتداد العمليات العسكرية لفرض سيطرة أحد الحليفين على الأخر، خاصة بعد تقدم اللواء خليفة حفتر في بنغازي وإعلانه تحريرها بالكامل، وذلك في مقابل تحرير قوات البنيان المرصوص التابعة للمجلس الرئاسي مدينة سرت عام 2017 ووضعها تحت قبضتها، مع تطور المشهد ومعاودة ظهور تنظيم داعش في سرت في ذاك الوقت. من ثم تعتبر الأزمة القطرية عنصراً أساسياً في المعادلة الصفرية بين أطراف الأزمة الليبية.

في إطار ذلك صرح المشير خليفة حفتر عن الأزمة الخليجية بالقول “بأنه ليس مستغرباً من قيام بعض الدول العربية بقطع العلاقات الدبلوماسية مع قطر، مؤكداً أنه كان يجب القيام بذلك منذ سنوات، ومضيفاً بأن دولة قطر دعمت الإرهاب بالمال والسلاح وهددت الأمن القومي العربي بسبب تحالفها مع الإرهاب وتمويله” .

دلائل حكومة الشرق بدعم قطر للإرهاب

ترى العديد من الأوساط الليبية أن قطر ساهمت بشكل كبير في المؤامرة التي تم تنفيذها ضد ليبيا، ودورها في إسقاط معمر القذافي، وذلك بسبب رغبتها في أن تصبح القائد الجديد للدول العربية، بداية من دعمها للقرار 1973 الصادر عن مجلس الأمن، والقاضي بالسماح بإنشاء منطقة حظر جوي فوق ليبيا، حيث كشف مؤسس موقع ويكيليكس، جوليان أسانج، أن قطر دفعت 50 مليون دولار لأحد القيادات مقابل سرقة منظومة الجيش الليبي، كما أن تركيا ساومت الحلف الأطلسي الذي قام بعمليات عسكرية ضد الجيش الليبي وقت الثورة الليبية على الاشتراك في السوق الأوروبية المشتركة مقابل الاشتراك في حرب ليبيا. فضلاً عن دلائل أخرى وهي:

  1. تستند حكومة شرق ليبيا أيضاً إلى العديد من الدلالات حول دعم قطر للإرهاب في الدولة، وذلك بدعم ميليشيات ما يعرف بـ”سرايا الدفاع عن بنغازي”، التي هاجمت منطقة الهلال النفطي، وأتى على رأس ذلك عديد من الشخصيات والتنظيمات التي وصفتها الحكومة بأنها إرهابية ممولة من تركيا وقطر، في مقدمتها الإسلامي عبد الحكيم بلحاج زعيم فجر ليبيا، الذي لعب دوراً رئيسياً في الإطاحة بنظام معمر القذافي، ويعتبر من الشخصيات النافذة في الميليشيات التي كانت تسيطر على العاصمة طرابلس ومناطق من غرب ليبيا، والتي قدمت له دعماً سياسياً، وشخصيتان دينيتان بارزتان، هما مفتي ليبيا الشيخ الصادق الغرياني والداعية الإسلامي علي محمد الصلابي، فى حين نفت قطر هذه الاتهامات.

يذكر أن قطر في بداية الثورة اختلفت في توجهاتها عن الإمارات، حيث دعمت الأولى التيار الإسلامي الممثل في جماعة الإخوان المسلمين، منها الشخصيات الدينية سابقة الذكر من خلال الاتصالات الشخصية بين الجانبين، خاصة وأن هناك علاقات وثيقة بين على الصلابي ويوسف القرضاوي وبعض عناصر سابقون في «الجماعة الإسلامية الليبية المقاتلة» المرتبطة بـ تنظيم «القاعدة»، والذين خسروا الانتخابات الليبية، وظل استيائهم للعملية الانتخابية حتى ظهور برلمان طبرق وخليفة حفتر، الذي اتخذ الولاء المصري أساس له حتى أصبح هناك قطبين متصارعين بين قطر التي تدعم الجماعات الإسلامية ومصر والامارات التي تدعم الجماعات العلمانية، التي تمثلت في الجيش الوطني الليبي لتختلف عملية توازنات القوى بين الدول الكبرى، قد تبين معالمها بشكل أكبر مع الأزمة الخليجية.

  1. كما ضمت اللائحة كيانات مسلحة منها “سرايا الدفاع عن بنغازي”، بالإضافة إلى مؤسسات خيرية ومصرفية وشخصيات قطرية تتهمها الدول الأربع بتمويل “إرهابيين في ليبيا”. حيث كشفت اللجنة الوطنية لحقوق الإنسان في ليبيا التي طالبت المدعية العامة للمحكمة الجنائية الدولية والمفوض السامي لحقوق الإنسان بالأمم المتحدة بفتح تحقيق دولي حيال التدخل والدعم المالي والعسكري القطري للجماعات والتنظيمات الإسلامية المتطرفة في ليبيا، والتي تتمثل في مجلس شورى مجاهدي درنة» التابع لتنظيم القاعدة، و«مجلس شورى ثوار بنغازي» المتحالف مع تنظيم أنصار الشريعة و«سرايا الدفاع عن بنغازي» التابعة لتنظيم القاعدة والمرتبط بتنظيم أنصار الشريعة أيضاً. فضلاً عن نشرها صور وفيديوهات تقول إنها توثق لتدخلات وأدوار قطرية وتركية “مسلحة واستخباراتية” في ليبيا.

ازداد الوضع حدة بين حكومة الشرق والغرب خاصة بعد إعلان طرابلس عن تعزيزات “لتأمين العاصمة” خشية هجوم من خليفة حفتر نتيجة دعم الدول الأربع لاسيما مصر التي تقود عمليات ميدانية بين الحين والأخر على إثر هجمات إرهابية في الداخل المصري. وهو ما يعطي ظهيراً قوياً لقوات حفتر خاصة في ظل الدعم الروسي الإماراتي.

إذن فإن الوضع المعقد سياسياً وعسكرياً خاصة مع صدور بيان مجلس الرئاسة لحكومة الوفاق الوطني 10 يونيو 2017 يتهم حكومة الثني بـ”إجهاض كل بادرة للمصالحة الوطنية وحل الأزمة في ليبيا”. قد أدى إلى تعقيدات كبيرة في سير المفاوضات السياسية مع احتدام الصراع المسلح بين الدول الأربع من جانب، وتركيا وقطر من جانب أخر، ممثل في وكلائهم الليبيين على الأرض بما ينذر بوضع أسوأ من ذي قبل مع تعنت الأطراف المتصارعة في الوصول لتسوية سلمية تراعي استقرار الدولة الليبية، وذلك في ظل المساومات الروسية الأمريكية .

التكالب الدولي والمساومات بين الأطراف الخارجية قد زادت من التعقيدات السياسية في ظل تعنت الأطراف الليبية في تقديم حل سياسي لإقامة حكومة وحدة وطنية تهدف لاستقرار الدولة، هنا نجد أن الوضع الليبي مرتبط بشكل أكبر بالتوازنات الدولية ومدى قوة الحليف في استمرار الوضع القائم لتحقيق أكبر قدر من المصلحة والمنفعة بما يضمن استمرارية بقائه وإزاحة الطرف الأخر، فعوامل النفط والغاز فضلاً عن الموقع الليبي على البحر المتوسط واعتباره قائماً على سوقين هامين للطاقة هما أفريقيا وأوروبا، ناهيك عن قرب المسافة الليبية الأوربية، جعلت الأطراف الدولية سواء أكانت عربية أم أجنبية تتكبد عناء الحرب للسيطرة على هذه الموارد وضمان الاستقرار في دول الجوار في ظل التكالب والتصارع الذي فرض معه الدمار على الواقع الليبي.

موقف مصر

تعتبر مصر عنصر رئيسي في الحل الدبلوماسي في ليبيا. إلا أن الأمم المتحدة تتعامل مع الشركاء الليبيين لمصر باعتبار غير معترف بهم كالذين ساندوا وساطة الأمم المتحدة واعتبرتهم القاهرة من الجهاديين الذين تدعهم حكومة طرابلس، إلا أن الوضع قد تغير بعد ميل الولايات المتحدة والأوروبيين للاعتراف بحفتر داخل المعادلة السياسية بعد سيطرته على أجزاء واسعة من الأراضي الليبية منذ عام 2015.

من ثم فإن الوضع الليبي على المستوى الدبلوماسي يظل مرهوناً بالدور المصري في ظل التوازي مع انخفاض بعثة الأمم المتحدة التي أوفدتها إلى ليبيا عام 2017، وتم النظر إليها في العديد من العواصم الغربية باعتبارها مفتاح التسوية الجديدة. خاصة وأن الأمن والاستقرار في ليبيا ينعكس على الوضع الأمني والاقتصادي المصري.

يأتي ذلك بعدما أثبتت مصر دورها العسكري في ضرب معاقل التنظيمات الإرهابية في درنة والتي تتمركز بها قيادات من فرع تنظيم “القاعدة”، وبعضاً من الموالين لتنظيم داعش، من ضمنها مقر قيادة “مجلس شورى مجاهدي درنة” الذي تم قصفه، وشمل القصف أيضاً معسكر “بشر” التابع لـه، حيث تتهم القاهرة هذه التنظيمات بتدريب إرهابيين يتسللون إلى مصر لتنفيذ اعتداءات إرهابية، وذلك مع تعزيز رقابة الجيش المصري على المثلث الحدودي مع ليبيا والسودان عند منطقة جبل العوينات في أقصى الجنوب الغربي “لضمان عدم تسلل أي متطرفين إلى الأراضي المصرية عبر تلك المنطقة”، إلا أنه مازالت العمليات الإرهابية تتوالى في الداخل المصري كان أخرها الهجوم المسلح على المصريين الأقباط في المنيا، والتي ثبت أن الفاعلين جماعات مسلحة قادمة من ليبيا.

حيث ردت القوات المسلحة للمرة الثانية بضرب معاقل المسلحين في الشرق الليبي بدعم من قوات خليفة حفتر، ثم تلا ذلك بعض العمليات الإرهابية ضد قوات الشرطة المصرية في أماكن متفرقة في المحافظات المصرية. من ثم أصبح الدور المصري سواء دبلوماسياً أو عسكرياً من أهم الأدوار التي يُعول عليها في مسار الأزمة الليبية، خاصة مع الدعم المصري لقوات حفتر عسكرياً ولوجستياً لتحقيق الأمن والاستقرار في ليبيا والقضاء على التنظيمات المسلحة والارهابية في الأراضي الليبية، وتمثل خطراً على الأمن القومي المصري.

يأتي ذلك في ظل تصدر القاهرة لاجتماع أطراف الأزمة الليبية في ديسمبر 2016 ونتج عنه “إعلان القاهرة” الذي تضمن العناصر الرئيسية لما يمكن أن يصبح خارطة طريق لإعادة الاستقرار في ليبيا، حيث دعت الأطراف الممثلة في مجلس النواب وحكومة طرابلس إلى الاتفاق علي تقليص مجلس الرئاسة من تسعة أفراد إلى ثلاثة ، والإسراع بالموافقة علي دستور جديد ، واجراء انتخابات برلمانيه ورئاسية في أوائل 2018. وبالرغم من رفض حفتر الجلوس مع سراج في القاهرة في/فبراير 2017، بالرغم من الضغط الشديد الذي مارسته مصر. إلا أنهما الاثنان اجتمعا في 2 مايو 2017 في أبو ظبي، وقد أشاد كل من مصر والامارات بهذا الأمر كدليل علي أن هناك اتفاقاً جديداً في تسوية الأزمة، إلا أن تطورات الأوضاع في الدولة وعدم الوصول إلى تسوية للأزمة السياسية نتيجة تعنت أطراف الصراع الداخلي قد زاد من توتر الأوضاع سياسياً وعسكرياً في عام 2019 لاسيما بعد الضربات العسكرية التي قام بها حفتر ضد الغرب الليبي الذي تسيطر عليه حكومة السراج.

من ثم فإن المحور الخليجي المصري يعتبر من أهم الأطراف التي تسعى حكومة الشرق لتوطيد العلاقات ، في إطار السعي لتمكين المشير خليفة حفتر من إحكام القبضة العسكرية والجيش الوطني للسيطرة على كامل التراب الليبي، خاصة في ظل وضوح الدور القطري التركي التي تحاول أن توغل نفوذها في ليبيا بدعم حكومة طرابلس المعترف بها دولياً، سواء عسكرياً أو مادياً، مع فرض مساومات مع كل من الولايات المتحدة الأمريكية والشركاء الأوروبيين، في ظل وعود تركيا بحماية الحدود الأوروبية من المهاجرين عن طريق ليبيا لاسيما إيطاليا. من ثم انعكس هذا الوضع على التوجه نحو دعم حكومة فايز السراج لقطر ضد المقاطعة.

خلفيات الموقف المصري في مكافحة الإرهاب

لم تكن أسباب الأمن القومي المصري فقط هي سبباً في دعم جيش خليفة حفتر، وإن كانت هي الأساس، إلا أن هناك العديد من العوامل الأخرى التي كانت سبباً في دعم مصر وتصدرها للوضع الليبي، تمثلت في ثلاث أهداف هامة ما بين أمنية واقتصادية وأيديولوجية.

  1. فيما يتعلق بالأمن:

تسعى مصر لمحاربة التنظيمات الإرهابية كتنظيم القاعدة وداعش والجماعة المتأسلمة في الداخل الليبي لما له من أثار جمة على الأمن القومي المصري نتيجة سهوله الاختراق للحدود المصرية الطويلة مع ليبيا منذ 2011 ، التي تمتد 1,115 كيلومتر، والتي تسهل تهريب المخدرات والأسلحة والجماعات الإرهابية، والتي أثرت على الأمن والاستقرار في الداخل المصري، من ثم فهي تسعى لتجنب تفكك الدولة الليبية.

  1. وفيما يتعلق بالاقتصاد:

تخطط شركات النفط المصرية لاستئناف العمليات في ليبيا، بما في ذلك استيراد الهيدروكربونات علي نطاق واسع، وتوسيع الاستثمار في شركات النفط الليبية، وتصدير العمالة المصرية، حيث انخفض عدد المصريين المقيمين العاملين في ليبيا انخفاضاً كبيراً بحوالي 750 ألف، بعدما كان يقدر عددهم بحوالي 2 مليون من المصريين الذين كانوا يقيمون في ليبيا قبل الإطاحة بالقذافي، بما يشكل عبئاً كبيراً على الاقتصاد المصري وتزايد نسب البطالة في المجتمع، ومن ثم فإن عودة الاستقرار الليبي من شأنه يعمل على رجوع العمالة ويعزز من الدور الاقتصادي المصري.

  1. الأيديولوجية:

يعتبر الوضع الليبي بؤرة للصراع على النفوذ والدول من خلال وكلائهم على الأرض ومن ثم تزايد الجماعات المسلحة وجماعات الاسلام السياسي، وعلى رأسها جماعة الإخوان المسلمين يشكل تهديداً على الوضع المصري الداخلي، فبعد الإطاحة بالحكومة المصرية بقياده جماعة الاخوان المسلمين في 2013، كان هناك تخوف إذا ما كسبت الاخوان والجماعات الاسلامية الأخرى موطئ قدم أقوي في ليبيا، فان البلاد قد تصبح ملاذا أمنا للإخوان المصريين (مثل تركيا وقطر)، ومن ثم التأثير أيديولوجياً على عقول الشباب المصري بالداخل باستخدام ورقة الدين كما كان في السابق لمناهضة الوضع الاجتماعي والدفع بالقيام بأعمال تهدد الأمن والاستقرار كنوع من الثأر السياسي وإلحاقه بالدين، ناهيك عن طرق أخرى لجذب الولاء لتلك الحركات، وهو ما يشكل تهديداً للأمن القومي المصري.

أسباب دعم حكومة طرابلس لقطر وتركيا

  1. الدعم العسكري التركي و القطري

بالرغم من اتهام حفتر تركيا بدعم “الإرهاب” من خلال إبرام علاقات مع جماعة “أنصار الشريعة”، في بنغازي وكتيبة 17 فبراير المسلحة، التي تحالفت مع أنصار الشريعة في مجلس شورى ثوار بنغازي”، منذ عام 2014 طالباً من الأتراك والقطريين مغادرة ليبيا، إلا أن الدور التركي كان نشطاً على صعيد الحراك الدبلوماسي، فمنذ عام 2014 كانت هناك لقاءات بين المبعوث التركي وحكومة الحاسي في طرابلس، فضلاً عن استقبال رئيس الوزراء التركي ورئيس مجلس النواب الليبي المنحل عقيلة صالح. وذلك للتقارب مع حكومة الغرب.

الدعم العسكري التركي الذي أكده الحقوقيون من خلال المعارك المسلحة التي دارت في برك الشاطئ بين الجيش الليبي والمليشيات المسلحة المدعومة من تركيا وقطر خاصة منذ عام 2014. أثبتت التدخل التركي في ليبيا، فضلاً عن دعم للمليشيات المسلحة، حيث شهد مطار معيتيقة أربع رحلات طيران يومياً من وإلى إسطنبول، لنقل الأسلحة وغيرها لحكومة طرابلس والقوات الخاصة بها، وقد عززت تركيا من وجودها العسكري أيضاً منذ سقوط القذافي، بزعم حماية الأتراك في مصراته، وبعض مدن ليبيا من الحرب المستعرة، حيث بدأ التدخل العسكري بقذف 30 دبابة تابعة لها على قوات القذافي، لتتولي عمليات الدعم بعد ذلك كإرسال طائرات تحمل معونات لطرابلس.

  1. الدعم العسكري والمادي القطري للمليشيات المسلحة

تدعم قطر المليشيات المسلحة والجماعات الإسلامية مثل جماعة فجر ليبيا، والتي صنفتها هيئة الإذاعة البريطانية في17 فبراير بأنها ”أكبر وأفضل المجموعات المسلحة في شرق ليبيا، فضلاً عن تنظيم قطر دورات عسكرية في الاستطلاع وإدارة العمليات لبعض أفراد الجماعات المسلحة التابعة للمجلس الرئاسي في أواخر 2011، جنبا إلى جنب مع جماعة تنظيم أنصار الشريعة في المدينة، والتي أعلنت مسؤوليتها عن العديد من عمليات الاغتيال والسيارات المفخخة. وتمويل مجلس شورى ثوار بنغازي 2014 بالأسلحة والعتاد. فضلاً عن العديد من اللقاءات الدبلوماسية بين أمير قطر وحكومة طرابلس. وهو ما يعطي ثقل لحكومة طرابلس واستمرارية قواتها في المواجهة مع قوات حفتر .

  1. دعمت قطر أيضاً رئيس المجلس الوطني الانتقالي محمود جبريل معظم فترة الثورة، والذي رأى أنه من الأسهل تنسيق العمل من الدوحة بدلاً من بنغازي، معقل المتمردين. كانت أشكال المساعدة غير العسكرية حاسمة، والتي تضمّنت أكثر من 400 مليون دولار من المساعدات المالية، وإمدادات المياه، والغاز للتدفئة، والسلع الأساسية، والمساعدة في بيع النفط الليبي وتسويقه من الموانئ الشرقية الخاضعة إلى سيطرة الجماعات المسلحة. كما أشار تقرير لجنة الخبراء الخاصة بليبيا (1 يونيو/حزيران 2017) إلى تمويل قطر أسلحة قدّرت بأربعين طناً تم تسليمها في 2011 بمعرفة الجيش التونسي (فقرة 111)، مما شكل انتهاكاً لحظر السلاح المفروض على ليبيا (القراران 2095 و2174).

تداعيات الأزمة على الأوضاع الليبية

تركت الأزمة الخليجية العديد من التداعيات على الوضع الليبي في ظل تعقيد المشهد السياسي.

  1. انحياز حكومة الوفاق الوطني في الغرب لقطر في مقابل انحياز حكومة الشرق والبرلمان وحفتر للدول الأربع قد وضع طريقاً مسدوداً في المفاوالأراضي الليبضات بين الطرفين في ظل سيطرة كل منها على أجزاء من ية في مقابل الأخرى مع استمرار الدعم العسكري.
  2. دخول أطراف دولية كفرنسا في التقريب بين السراج وحفتر ثم ايطاليا في ظل تصارع الدول الأربع وقطر على تولي زمام الأمر وهو ما ينحي الأطراف المحلية ودول الجوار جانباً أمام الأطراف الدولية التي تسعى لإزاحة الأولى عن المشهد تعظيماً لمصالحها.
  3. تصاعد العمليات المسلحة خاصة في أماكن السيطرة على النفط مع امتداد الدعم العسكري لحكومة الشرق في مقابل الدعم الدولي لحكومة الغرب بما ينذر بمزيد من تصاعد العنف واستمرار عمليات الاقتتال، حيث حذرت المؤسسة الوطنية للنفط في ليبيا عام 2017، السلطات المتمركزة في شرق البلاد من استغلال الأزمة الدائرة بين عدد من الدول العربية وقطر “كذريعة للقيام بتصدير النفط بشكل غير شرعي”. وقد جاء بيان المؤسسة بعد أن هددت الحكومة والبرلمان في شرق ليبيا بوقف عمليات جلينكور التي ترتبط بعقد مع مؤسسة النفط الليبية لتحميل النفط من ميناء مرسى الحريقة بشرق ليبي.

خلاصة القول

لم تكن قطر هي الوحيدة المسببة للحرب أو عدم الاستقرار الليبي وإنما الدول الأجنبية وعلى رأسها الولايات المتحدة الأمريكية والشركاء الأوروبيين وتركيا وإيران ودخول روسيا المعترك أيضًا من أهم أسباب توتر الأوضاع الليبية، واستمرارية الحرب والتعقيد في السياسيات بين الدول والتصادم في المصالح للدرجة التي يمكن القول معها بفشل المساومات كالوضع السوري والعراقي لتستمر المواجهات المسلحة وتصبح الحرب هي سيدة الموقف على الساحة السياسية والأمنية في البلاد، خاصة وأن هناك أكثر من 300 ميليشيا مسلحة ذات حراك نشط في شوارع ليبيا.

ليزيد الوضع تأزماً مع احتدام الأزمة القطرية التي لم تصل إلى الأن لتسوية بين الدول تحول دون توتر الوضع على الساحة الليبية، والذي أعلن بدوره على لسان المتحدث العسكري “المسماري” بأنه سيطر على 90% من الأراضي الليبية فمن المحتمل أن يقود عملية عسكرية واسعة النطاق بدعم دول المقاطعة لضرب الجماعات المسلحة وقوات البنيان المرصوص التابعة للمجلس الرئاسي (طرابلس ومصراته وسرت) وهو ما يزيد من اشتعال الحرب وتصاعد المواجهة خاصة وأن الطرف الأخر مازالت لديه القوة العسكرية التي تدعمها قطر وتركيا وبعض الدول الأجنبية باعتبار أنها معترف بها دولياً.

كما لا يمكن التغافل عن الحراك الدولي كالولايات المتحدة وفرنسا وايطاليا والتي قد تتخذ مسارات مختلفة لتنحي الفرقاء المحليين من دول الجوار حتى لا ينعكس بالسلب على مصالح الدول الأجنبية في ظل صراع المصالح، وتعنت أطراف الأزمة الليبية على الوصول لتسوية من شأنها تدعم الاستقرار وتضم الفرقاء الليبيين في حكومة واحدة.

من ثم لابد من الضغط على الفرقاء السياسيين وهم أطراف الأزمة، التي لديها نفوذ على الفصائل المختلفة في ليبيا أن تدفع أكثر نحو تسوية سياسية، بضغطهم على الجماعات المسلحة بنزع أسلحتهم وانضمامهم إلى معسكرات الجيش الليبي واستبعاد الجماعات المحسوبة على المنظمات الإرهابية والتي قتلت الكثير من الشعب الليبي.

وبالرغم من احتمالية نجاح المساعي الفرنسية في التثبيت على بنود الاتفاق التي تم التأكيد عليها بين حفتر والسراج بوساطة الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون، وما إن كانت ذات جدية في تحقيق تلك التسوية، إلا أنها وصلت إلى نفس الطريق المسدود، لتغلب مصالح الطرفين (المحلية) والقوة الدولية عليها ويكون لهم اعتبارات أخرى تتعلق بإعلاء المصالح على حساب أمن واستقرار الدولة، وهو ما تشهده الأزمة الليبية في المرحلة الحالية.

رابط مختصر:https://www.europarabct.com/?p=51188

*حقوق النشر محفوظة للمركز الأوروبي لدراسات مكافحة الإرهاب والإستخبارات ـ المانيا و هولندا

الباحثة رشا السيد عشري

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

مراجع

  1. مفتاح الحل في ليبيا: قطر والإمارات، البيت الخليجي للدراسات والنشر، 22-11-2015

http://gulfhsp.org/ar/posts/935/  

  1. بين فيشمان ، الأزمة القطرية على شواطئ المتوسط (الليبية) ، منبر ليبيا، 15 يوليو 2017.

http://www.minbarlibya.com/?p=7578

  1. مجدي سمير ، التدخل التركي في ليبيا.. بين المزاعم والدلائل، دوت مصر، 2015.

http://bit.ly/2vfRk0F

  1. زهير الشاعر، أبعاد الأزمة الخليجية، أمد للإعلام، 06/06/2017

https://www.amad.ps/ar/Details/176869

  1. منصف السليمي، ليبيا “عدسة مكبرة” تكشف خفايا الصراع بين أطراف أزمة قطر، دويتشه فيلله، 14.06.2017.

http://bit.ly/2s3uEOh

  1. البيان، تحرّك لمحاكمة قطر على 6 سـنوات من الإرهاب في ليبيا، البيان، 2 يونيو 2017.

http://www.albayan.ae/one-world/arabs/2017-06-02-1.2964878

  1. أ ف ب، الأمم المتحدة تتهم الإمارات بانتهاك حظر تصدير الأسلحة إلى ليبيا، فرانس 24، 10/06/2017 .
  2.  http://bit.ly/2tlicZe
  3. وحدة الدراسات الاقتصادية، أموال موجهة .. كيف تزايد النفوذ الإماراتي في المنطقة العربية؟، مركز البديل للتخطيط والدراسات الاستراتيجية، ۲ يوليو، ۲۰۱۷.

http://bit.ly/2vRIe7l

  1. مركز كانيغي، قطر والربيع العربي، مركز كانيغي لدراسات الشرق الأوسط ، 2014.

http://carnegie-mec.org/2014/09/24/ar-pub-56730

  1. أبو الفضل الإسناوي، لقاء خاص لـ”السياسة الدولية” و”الأهرام” مع العقيد المسماري حول الأبعاد الميدانية والسياسية للأزمة الليبية، السياسة الدولية، 18 يوليو 2017 .

http://bit.ly/2tL1guE

  1. سبوتنيك نيوز، بن هامل عن تسريبات “ويكيليكس”: قطر صاحبة الدور الأكبر في سقوط ليبيا، سبوتنيك نيوز، 30. 11. 2016.  http://bit.ly/2w83g0Q
  2. نص اتفاق باريس بين السراج وحفتر، 218tv ، 27/7/ 2017.

http://bit.ly/2uUFgRR

  1. Adel Abdel Ghafar & Mattia Toaldo, Does the road to stability in Libya pass through Cairo?, European Council on foeign relations , 05th June, 2017.

http://www.ecfr.eu/article/commentary_does_the_road_to_stability_in_libya_pass_through_cairo_7294

  1. خيري عمر، دول جوار ليبيا وأزمة الخليج، العربي الجديد، 19 يونيو 2017.

http://bit.ly/2haIMBS

 

 

الوسوم

مقالات ذات صلة

إغلاق