الآزهر:كيف يجنّد #الإرهابيون الشباب؟

الآزهر:كيف يجنّد #الإرهابيون الشباب؟
مجتمع و صحة  علماء الأزهر يتحدثون لـ”العين”.. كيف يجنّد الإرهابيون الشباب؟
.

يجلس أمام شاشة حاسوبه يئسًا أو هربًا.. يتنقل بين حساباته على مواقع التواصل الاجتماعي.. فيتعثر في إحدى المقاطع، التي يضعها صديقه على صفحته.. يثيره الفضول ليسمع ما يقوله أحدهم عن “العمليات الاستشهادية”.. لا يصدق نفسه إذ أن هناك من يفتيه “انتحر ولك الجنة”.. يخفت ضوء غرفته ويضغط على مزيد من المقاطع المتصلة، فينتهي منها جميعًا وقد سلم أفكاره لذلك التفسير ليبدأ بعدها رحلة البحث عن التنفيذ.مشهد مُكرر، تختلف تفاصيله، من شاب إلى آخر، فبين العثور على فتاوى يروجها إرهابيون على المواقع الإلكترونية، وبين نقاش ينتهي بإرسال صديق أو جار لمقطع يحتوي على أحد تلك الفتاوي.. يهز شباب كُثر رؤوسهم لا شعوريًا، ويوافقون على الفتوى التي تخلصهم من مشكلاتهم الحياتية، وتضمن لهم الحور العين.. دون أن ينتبهوا أنهم وقعوا في “مصيدة التحريف”.”مصيدة التحريف”مصيدة التحريف، كما وصفها علماء أزهريون لبوابة “العين” الإخبارية، تستهدف الشباب المسلم، الجاهل بالعلوم الشرعية، ولا يعرف تفسير الآيات القرآنية، ما يدفعه لتصديق أي فتوى تعتمد على ظاهر الكًلِم، دون تدبر أوجه التفسير، وربطها بغيرها من آيات القرآن الكريم.وتنتشر عشرات المقاطع، التي تروج لفكرة العمليات الانتحارية، بدعوى أنها “استشهادية”، ويحث فيها المتحدثون ممن تُذيل أسماؤهم بألقاب تضفي عليه صبغة الإفتاء مثل “الشيخ” و”العالم” و”مولانا”، الشباب المسلم، على القيام بعمليات انتحارية، يستهدفون بها عدو الله ورسوله، في إشارة إلى من يدين بغير دين الإسلام، على حد زعمهم.

 

ومن بين هذه التحريفات، فيديو لمنظر الجماعات الإرهابية والمطلوب أمنيا وجدي غنيم، يفسر فيه قول الله تعالى من سورة التوبة (إن الله اشترى من المؤمنين أنفسهم وأموالهم بأن لهم الجنة يقاتلون في سبيل الله فيَقتلون ويُقتلون..)، محرفًا الآية بدعوى استخدام “تقديم وتأخير” لتصبح (يُقتلون ويَقتلون)، مستكملًا: يعني أنا مت وبعدين قتلت.. طب إزاي حد يَقتل بعد ما يموت؟ فكر كويس.. العمليات الاستشهادية.. أضع الحزام الناسف ثم أدخل فأموت إذن أنا قُتلت ثم قَتلت!!.ورغم مرور أكثر من 3 سنوات على بث هذا المقطع غير أنه تم تداوله مجددًا بين شباب الإخوان والسلفيين في الفترات الأخيرة، والتي تشهد فيها مصر حربًا ضد الإرهاب، وصلت أشدها الأسبوع الماضي، بمقتل نحو 47 شخصًا وإصابة العشرات في تفجيرات نفذها انتحاريون بكنيستي طنطا والإسكندرية فصلت بينهما ساعات معدودة.

القتال في الإسلام.. استثنائي

العالم الأزهري، محمد زكي بدر، أمين اللجنة الدعوية بالأزهر الشريف يوضح لبوابة “العين” الإخبارية أن القتال في الإسلام استثنائي وليس أصلًا، وإنما الأصل في الإسلام هداية جميع خلق الله، مستدلًا على ذلك بقوله تعالى في سورة إبراهيم “كتاب أنزلناه إليك لتخرج الناس من الظلمات إلى النور بإذن ربهم إلى صراط العزيز الحميد”، وقوله تعالى في سورة الأنبياء “وما أرسلناك إلا رحمة للعالمين”، وفي سورة الأعراف: يا أيها الناس إني رسول الله إليكم جميعا.وأضاف العالم الأزهري: الدعوة لله تكون بالكلمة الطيبة وبالأخلاق الفاضلة، والتفسير هنا خاطئ لأن الجهاد مشروع في الإسلام لصد العدوان.. أي يقتلون من قاتلهم، ويقتلون في سبيل الله دفاعًا عن الحق ودفاعًا عن البلد ودفاعًا عن العرض والمقدسات والأعراض، وعند العدوان عليهم، ولا يمكن تفسير الآيات بمعزل عن البقية.

وتابع: لا يوجد أية أو حديث يُؤمر فيه بالعدوان على خلق الله وإنما الذي ورد في القران كيف ندعو إلى الله بالحكمة والموعظة الحسنة ولا يكون الجهاد أو القتال إلا في سبيل الله ابتغاء مرضاة الله.من نفس الزاوية يقول الدكتور محمود الهباش قاضي قضاة فلسطين، ومستشار الرئيس الفلسطيني للشؤون الدينية والعلاقات الإسلامية لـ “العين”: الآيات القرآنية لا تُفسر مجزّأة ولا تؤخذ بمعزل عن غيرها من الآيات.. لا يمكننا تسليم فهم آية من القران بمعزل عن فهم آيات أخرى لأن القرآن وحدة موضوعية واحدة.وتابع: الجهلاء يفعلون ذلك وينسبون للقرآن ما ليس فيه، ويقعون في استنباطات واستنتاجات خاطئة، ويصدرون ذلك التحريف للشباب، بطريقة غوغائية لا يمكن أن تنسب للعلماء، وبالتالي هؤلاء هم ليسوا علماء ولا يوثق بكلامهم.

“يَقتلون ويُقتلون”.. ما التفسير؟

يفسر الشيخ محمد زكي بدر قوله تعالى (إن الله اشترى من المؤمنين أنفسهم وأموالهم بأن لهم الجنة يقاتلون في سبيل الله فيَقتلون ويُقتلون..).. المراد هنا يقتلون عدو الله دفاعًا عن أوطانهم ودينهم.. يقتلون من؟ العدو الذي أغار عليهم.واستدل العالم الأزهري على ذلك بقول الله تعالى في سورة الأنفال (يا أيها الذين آمنوا إذا لقيتم الذين كفروا زحفا فلا تولوهم الأدبار)، وقوله تعالى في نفس السورة (يا أيها الذين آمنوا إذا لقيتم فئة فاثبتوا واذكروا الله كثيرا لعلكم تفلحون).وتابع: أما أي تفسير آخر، فهو تفسير خاطئ ومحرف كتفسير بني إسرائيل.

بُعد أخر شدد عليه أمين اللجنة الدعوية: الله يقول (وقاتلوا) وليس (اقتلوا) أي أن هناك من يقتلنا ويصوب القتال نحونا وجعل الغاية نبيلة وهي في سبيل الله، أي الذين يقاتلونكم يعني المعتدين.. أما من يفجر نفسه بحزام ناسف أو قنبلة في يده فيقتل نفسه ويقتل الآخرين فهؤلاء ضل سعيهم في الحياة الدنيا وهم يحسبون أنهم يحسنون صنعًا.الدكتور عبد الفتاح العواري أستاذ التفسير وعلوم القرآن وعميد كلية أصول الدين بجامعة الأزهر بالقاهرة (حكومية) قال لـ”العين”: هذا تفسير إن دل فيدل على جهل القائل به وعدم معرفته بدلالة اللغة، لأن الآية الكريمة تبين فضل المجاهدين في سبيل الله ممن وقع على بلادهم اعتداء وعلى أوطانهم عدوان.

وتابع العالم الأزهري: أما وأن هؤلاء الجهلاء يفسرون الآية الكريم بأنها تمثل من يقوم بالعمليات الانتحارية فهذا من أبطل الباطل، فمن يقوم بالعمليات الانتحارية ضد الأوطان أو يتحالف مع عدو الوطن لينفذ أجندته الخارجية فهذا خائن لله ولرسوله ومحارب لله ورسوله وليس من الشهادة في شيء.ومفسرًا المقصود (يَقتلون ويُقتلون)، يقول العواري: الإرهابيون يروجون إلى أن المقصود هنا شخص واحد، لكن نقول لهم إن الآية تتحدث عن صنفين، صنف يُقتل وصنف يقتل.. وهذا واضح من قوله (وقاتلوا) والمقاتلة هي مفاعلة تستلزم طرفين، طرف يقتلون الأعداء دفاعًا عن النفس وطرف يُقتلون بأيدي الأعداء.

متفقًا مع تفسير العالمين الأزهريين، قال الدكتور محمود الهباش لـ “العين”: “يَقتلون” ليس مقصود بها يقتلون كل من واجههم سواء كافر أو غير كافر، وإنما يقتلون من يريد قتلهم ومن يريد العدوان عليهم.. الآية واضحة وقاتلوا في سبيل الله الذين يقاتلونكم وليس مقصود كل إنسان أو مخالف.

إثم الانتحاري.. على من؟

يشدد الشيخ محمد زكي بدر أن من يقتل نفسًا بغير حق، ظنًا منه أنه جهاد في سبيل الله، آثم وإثمه على من علمه، لأن الله يقول “ولا تقتلوا أنفسكم إن الله كان بكم رحيما ومن يفعل ذلك عدوانا وظلما فسوف نصليه نارا وكان ذلك على الله يسيرا”.. هذا لمن قتل نفسه فما بالنا بمن قتل غيره.وذكر الشيخ الجليل حديثا في صحيح بخاري في “باب إثم من قتل ذميا بغير جرم”: من قتل معاهدا لم يرح رائحة الجنة وإن ريحها توجد من مسيرة أربعين عاما.. قائلًا: هنا الحديث واضح من يخرج على صاحب عهد يروعه ويقصد سفك دماءه فلن يدخل الجنة.

من جانبه، يرى الدكتور عبد الفتاح العواري، أن الإثم هنا إما عن جهل أو مغالطة بهدف “التغرير بالشباب المسلم.. وتزيين الانتحار له ووعده بحورية تنتظره وجنة عرضها السماوات والأرض”، وهذا تأويل باطل، وإثمه على الشاب الذي لم يبحث عن تفسير الآيات ولم يتبين، وكذلك الإرهابيين الذين يستغلون جهل الشباب بالعلوم الشرعية.

مصير الانتحاري

ينقل الشيخ محمد زكي بدر ، حديثًا عن النبي قال فيه: “من تردى من جبل فقتل نفسه فهو في نار جهنم، يتردى فيه خالدا مخلدا فيها أبدا، ومن تحسى سما فقتل نفسه فسمه في يده يتحساه في نار جهنم خالد مخلدا فيها أبدا، ومن قتل نفسه بحديدة، فحديدته في يده يجأ بها في بطنه في نار جهنم خالد مخلدا فيها أبدا.”وتابع: على غرار ذلك من قتل نفسه بحزام ناسف أو قنبلة.. في نار جهنم خالد مخلدًا فيها أبدا.. فأولئك محاربون لله ورسوله.من نفس الزاوية، يقول الدكتور عبد الفتاح العواري: الشهادة تقع لمن يقف مدافعا عن وطنه ودينه وأمته لصد العدوان وليست الشهادة أن أقوم بعمليات انتحارية ضد أنفس معصومة بريئة. ومن يقول إن فلان كافر نقول له قولًا فصلًا: علة القتال ليس الكفر وإنما دفع العدوان.

العين

اخر المقالات