الإستخباراتدراسات

اغراض المراقبة البشرية والفنية وانواعها داخل اجهزة الإستخبارات. بقلم بشير الوندي

كتب، بشير الوندي، خبير في علوم الاستخبارات

المركز الاوروبي لدراسات مكافحة الارهاب والاستخبارات

مباحث في الاستخبارات (93)

مدخل

المراقبة هي وضع الهدف تحت الملاحظة سراً بغرض الحصول على معلومات ، أو مراقبته بصورة مكشوفة للحد من نشاطه , والمراقبة غير التجسس فالتجسس يتولاه المصدر ويكون في داخل ارض العدو واحياناً داخل تنظيمه وخلف خطوطه , لكن المراقبة تتم على العدو أي مقابل خطوطه .

والمراقبة ذراع خدمي يقدم خدمة إلى مفاصل جمع المعلومات بكل اذرعها , ولا يخلوا جهاز استخباري داخلي من مجموعة المراقبة والتعقيب التي تعمل بمختلف الطرق والغايات و الاتجاهات . فالمراقبة الاستخبارية على اشكال متعددة بحسب طبيعة المهمة والاهداف والادوات كما سنبين .

اغراض المراقبة

ان الاغراض الرئيسية من المراقبة الاستخبارية تتلخص بجمع المعلومات و رصد نشاط شبكات التجسس وخدمة العمليات الاستخبارية وتأكيد أو نفي المعلومات ومنع ارتكاب الحوادث أو القبض على مرتكبيها متلبسين والحد من نشاط هدف ما باشعاره انه مراقب .

كما تكون المراقبة -علنية او سرية- للإعلام المرئي والمسموع والمكتوب ووسائل التواصل الاجتماعي لدراسة التوجه العام لتفكير المجتمع والنخب , وهذه تسمى مراقبة شاملة او مجتمعية, كما ان هنالك المراقبة الصامتة – أي مراقبة النفس الطويل – والتي تعتبر ثروة معلوماتية , فعندما تكشف الاستخبارات وكرا او مثابة او مقرا سرياً او جاسوساً , فانها لاتهاجمه فوراً , وانما تضعه تحت المراقبة لكشف المزيد من العناصر والخيوط والحركة والخطط والمتورطين.

كما ان المراقبة مهمة في تجنيد الأشخاص لمعرفة وضعهم وخصوصياتهم وسلوكهم ونقاط القوة والضعف عندهم , وكذلك الامر في مراقبة المسؤولين الحكومين والقضاة وأصحاب المناصب والقيادات الأمنية والعسكرية وحساباتهم المصرفية وعوائلهم وحركتهم وعلاقاتهم كنوع من أنواع الحماية والتحصين , وهو امر ينطبق حتى على المصادر الاستخبارية حيث يجري مراقبتها بشكل سري لحمايتها .
تصنيفات المراقبة

تصنف انواع المراقبة تبعا الى عدة اتجاهات , فمن حيث الوضوح تكون اما سرية او علنية , اما من حيث الاسلوب فقد تتم عبر الافراد فتكون بشرية او ان تكون بواسطة الاجهزة الفنية والالكترونية كاجهزة التنصت والكاميرات وغيرها , اما من حيث مداها الزمني فقد تكون دائمية كما في مراقبة السفارات , او ان تكون مؤقتة لغرض عملياتي , اما من حيث الحركة فقد تكون ثابتة كالكشك امام هدف ثابت او ان تكون متحركة بحسب حركة الهدف .

الا ان ما نركز عليه هنا هما تصنيف المراقبة الى مراقبة بشرية ومراقبة تقنية .

اولاَ المراقبة البشرية

وهي على نوعين ثابتة ومتحركة , وكلتاهما تحتاجان الى مهارات وملكات , فالثابتة منها كما في مراقبة السفارات والهيئات او مراقبة وكر ارهابي او شركة يشتبه بانها غطاء لعمل استخباري معادي وغيرها .
وتختلف المراقبة الثابتة عن الاخرى المتحركة , في ان الثابتة تعتمد على مراقبة مبنى او كيان بمختلف اهدافه المتحركة (الاشخاص ) , ويزيد من استخدام تقنيات التجسس كالناظور والكاميرا واجهزة التسجيل ولايحتاج لوسائط النقل الا نادراَ, بينما المراقب المتحرك (المعقِّب)يتعقب شخص محدد بصرياً وتكون استخداماته للتقنيات محدودة وانما قد يستخدم وسائط النقل , كما ان مهمته في التهديف بالمراقبة على هدف متحرك اكثر صعوبة وتعقيد .

ويعتبر عمل الرصد في الاستخبارات العسكرية او الميدانية بمثابة المراقبة البشرية , حيث يقوم الراصد بدور توجيه النار وتحديد الأهداف وتصحيح القصف مستخدما الناظور الليلي والنهاري , وغالبا ما تقوم جيوش العدو بقتل الراصد عند أسره انتقاماً بسبب الإضرار التي سببها لهم والخسائر التي اوقعها عليهم من خلال توجيه النار الذي يقوم به.

مهارات عنصر المراقبة البشرية

لابد من توافر صفات دقيقة في عنصر المراقبة سواء كانت مراقبته ثابتة او كانت متحركة بملاحقة الهدف , لان المهام الملقاة على عاتقه ليست هينة , فعدا عن المخاطر التي قد يتعرض لها , فان اكتشاف الهدف الى انه مراقب يعني افلاته ربما الى الابد مما يترتب عليه خسائر استخبارية جسيمة , لذا لابد من ان يتحلى بصفات ذاتية عدا عن التدريب العالي , فلابد ان تكون له المقدرة على التكيف في محيط المراقبة ومعرفة المنطقة وعادات سكانها وان يتحلى باللياقة البدنية والذكاء والملاحظة والذاكرة البصرية والصبر والهدوء وسرعة البديهة والتحلي بروح الفريق وان لاتكون له علامة مميزة .

ويتم اختيار عنصر المراقبة من الرجال والنساء ممن لا يثير شكلهم أي انتباه ويفترض غالبا أن يكونوا من الشباب وبملابس عادية ومن ضمن المجتمع بلا أي تمييز, كما يجب ن يتقن عنصر المراقبة قيادة الدراجة والسياره والمناوره واجتياز الموانع واستخدام اجهزة الاتصال.
ولابد من تكيف عنصر المراقبة مع دوره التمثيلي المرسوم له كبائع كشك او سائق تكسي او عامل نظافة او بائع صحف او متسول , وغيرها من الاعمال التي تتطلبها مهمة المراقبة .

أليات المراقبة المتحركة الراجلة

المراقبة الراجلة أصعب أنواع المراقبة ولابد منها عندما يستخدم الهدف قدميه في التنقل ,و لابد لعنصر المراقبة للهدف المتحرك ان يتقن مع فريقه لغة اشارة متفق عليها تبين للاخرين وضع الهدف كـما يخبرهم بلغة الاشارة ان الهدف مسلح او انه وقف او تحرك باتجاه معين يسارا ويمينا او ان مراقبته قد انكشفت او ان الهدف قد ركب وغير ذلك , شريطة ان تكون الاشارات بحركات طبيعية ومألوفة ولاتقبل اللبس كربط الحذاء او خلع البلوزة او مسك الجريدة باليسار او اليمين وغيرها من الاشارات البسيطة القاطعة .

كما لابد ان يتوقع فريق المراقبة ان تطول مراقبتهم فلابد ان تكون لياقتهم عالية وملابسهم غير متشابهة وتتناسب مع محيطهم وان تكون ساعاتهم موقتة بشكل دقيق وان تكون احذيتهم مريحة للمشى الطويل لساعات , وان تتوافر لديهم للطواريء قلم وورقة ونقود وان يحضروا انفسهم الى ان لايحتاجوا الى طعام او حمام لساعات, وان لايحملوا ممنوعات وان يحملوا اوراقهم الثبوتية .

وتتم المراقبة الراجلة اما بفرد واحد وهذا الامر يتطلب مراقب ذو لياقة عالية وقابلية الحدس , او ان تكون بفردين الاول يسير خلف الهدف والثاني يسير خلف الاول او بموازاته في الجانب الثاني من الشارع ويتصلان بالبصر والاشارة ويستبدلان عند الضرورة اماكنهم , وقد تكون المراقبة بثلاث اشخاص وهي الطريقة الغالبة , بحيث يسير الاول خلف الهدف بمسافة كافية ويسير الاخران بجانبيه يسيطرا على اتجاه الهدف , وفي حال دخول الهدف لمحل او مطعم يدخل عنصر واحد فيما يراقب الاخران مخارج المكان , واذا استخدم الهدف سيارة او ركب باص فيصعد واحد من الفريق معه (ان كان باص) ويلحقه الاخران بسيارة مجهزة منفصلة , اما في حال تعود الهدف على خط سير ثابت فيتم تقسيم خط السير بين عناصر الفريق , ويتصل عناصر الفريق بينياً بلغة الاشارة او باجهزة الاتصال , وفي بعض الحالات (للاهداف المهمة ) تستخدم الطائرات المسيرة لخدمة فريق المراقبة .

وفي كل الاحوال يجب ان يتجنب المراقب النظر الى عيني الهدف مباشرة , وان يكون بينه وبين الهدف شخص او عدة اشخاص وان لايلفت اليه الانظار , وان يستغل مرايا السيارات وزجاج الواجهات لمراقبة الهدف وان تكون لديه ملكة التنبؤ بخطوة الهدف القادمة والتهيؤ لاية حركة مفاجئة من الهدف .

ثانياً المراقبة التكنلوجية

وهي مراقبة تستعين بالتكنلوجيا بالدرجة الاساس , وهي متنوعة ومتعددة , وقد تستخدم التكنلوجيا بشكلها العام لمسح المدن والأماكن الحساسة والحدود والجو , كما تستخدم لمراقبة هدف معين من خلال زرع هذه التكنلوجيا في بيته او مكتبه او عجلته او وسائله الشخصية.فقد سهلت التكنلوجيا الكثير من أعمال المراقبة للأهداف واخرجتها من حاله المراقبة القريبة او المطاردة , إلى مراقبة أكثر أمناً وسرية وتجنب كشف المراقبة, وهي لاتحصى ومنها .

الحساسات:توضع في أماكن محددة لتغطي مساحة كحساسات الحريق .

أنظمة السماح بالمرور عبر المنافذ: (access control system) هي أنظمة توضع على مداخل الأماكن ذات الأهمية القصوى أو الخطرة، لمنع دخول أي دخيل غير مرغوب فيه، وهي على انواع منها مايتطلب شفيرة معينة ومنها انظمة بصمة العين والملامح.

الرادارات :وتكون ضمن منظومة مزودة بكاميرات سواء لكشف الطيران او لمراقبة الحدود.

كاميرات المراقبة :وهي على انواع متعددة باختلاف الاحجام والدقة وقابلية التصوير الليلي وهي في تطور مستمر , وتستخدم الدول المتقدمة عشرات الالوف منها في الشوارع والمنعطفات والابنية حتى ان المواطن الراجل قد تلتقط له قرابة 70 صورة يومياً(احصائية مدينة لندن).

الكاميرات الحرارية:تعمل على مسافات بعيدة وفي أماكن ذات تضاريس صعبة وخصوصًا الغابات والتلال.

الطائرات المسيرة وطائرات التجسس المعقدة :بمعداتها الرقابية التي تحمل كاميرات او اجهزة استشعار للاتصالات .

كابلات الألياف الضوئية الحساسة: تعمل على التقاط أي اهتزاز مهما كان مصدره، وترسله إلى جهاز يحدد أحداثيات المكان الصادر عنه الإهتزاز , هذا النظام يتكامل مع نظام كاميرات فيتم توجيه الكاميرا الأقرب إلى المكان المقصود، ويستعمل عادةً لمراقبة الحدود.

اجهزة مراقبة الاتصالات والايميلات : وتتم بها مراقبة اتصالات الشخص للهاتف المحمول – وحتى الأرضي – من خلال زرع لاقطات , وأيضا مراقبة حسابات الشخص على وسائل التواصل وخرق ايميلاته.

اجهزة الGPS : وهي اجهزة تحدد مسار العجلات ويتم الصاقها بطرق فنية في عجلة الشخص المطلوب مراقبته , ومنها انواع متطورة متناهية الصغر تصدر اشارات تبين موقع الهدف ويمكن زرعها في ازرار القميص او في القلم او الساعة وغيرها من الاماكن.

الأقمار الصناعية التجسسية : وهي الأكبر والاوسع في مجال المراقبة وهي تمسح الأرض من السماء كل ساعة وكل دقيقة وتثبت المتغيرات والحركة والتنقلات .

اجهزة التنصت : بانواعها الثلاث سواء كانت التنصت المهدف بنبرة الصوت , او النقطوي برقم الهاتف , او القاموسي من خلال رصد الكتروني لكلمات ملقمة محددة تعتبر تعبيراً عن محادثة خطرة .
وقد تكون أضخم عمليه مراقبة عالمية هي التنصت على الاتصالات , والتي تتم في كل ثانية , وتعترض أجهزه الاستخبارات المحترفة يوميا ملايين المكالمات والرسائل النصية ناهيك عن الإيميلات ووسائل التواصل في شبكه النت , وهي بحق اكبر عملية مراقبة تشهدها البشرية ولازالت تنكر بشكل رسمي ولا يعترف بها أحد ولكنها تتم لضرورات الأمن الوطني.

وفي الحقيقة , ان كل من يستخدم التكنلوجيا في اتصالاته فهو تحت المجهر ويسهل اصطياده ان كان هدفا للاجهزة الاستخبارية , لذا لا يقترب كبار عناصر الإرهاب وكبار الزعماء والقادة السياسيين وكبار الضباط ورجالات المافيات العالمية من تكنلوجيا الاتصالات ويخشوها لأنهم يعرفون أن اقترابهم يساوي على الأقل الاختراق والمراقبة والموت في أي وقت تقرره الاستخبارات.

وفي المحصلة , لاتقف الاجهزة التجسسية الالكترونية عند حد , فهي في تطور مستمر ووصلت الى حدود متناهية الدقة والصغر كما في الذبابة الالكترونية وسواها كثير , وهي تؤدي دورًا مهمًا في مساعدة العنصر البشري للحفاظ على الأمن والسلامة العامة، لكنها في أي حال لا يمكن أن تكون بديلًا عنه.

الخلاصة

المراقبة على عدة انواع بحسب حالاتها وبحسب الهدف ونوعه وحركته , الا انها لاتخلو من ان تكون احد امرين اما بشرية او تقنية , وحتى التقنية منها لاتستغني عن المتحكمين بالتكنلوجيا , بل ان اعظم الاجهزة الاستخبارية واكثرها حيازة على التكنلوجيا , فانها تقر بالدور المحوري للعنصر البشري في العمل الاستخباري , الا ان هذا الاقرار لاينفي الافاق الواسعة التي فتحتها التقنيات والتي بات فيها كل فرد منا مراقب بشكل ما , ولو اننا استخدمنا بعض مفردات تلك التكنلوجيا في المراقبة لوفرنا الكثير من الدماء العزيزة علينا والتي فر فيها الجناة بكل سهولة دونما رصد او مراقبة .ان عهد التطور التقني لاينتظر احدا , فلابد من مواكبة التطورات التقنية لحفظ امن بلادنا ….والله الموفق.

*حقوق النشر محفوظة الى المركز الاوروبي لدراسات مكافحة الارهاب والاستخبارات

الوسوم

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى