خاص ـ المركز الأوروبي لدراسات مكافحة الإرهاب والاستخبارات ـ ألمانيا وهولندا ECCI
استراتيجية أمن أوروبا 2026 ـ الدفاع والرقائق الإلكترونية والأمن السيبراني
تعمل المفوضية الأوروبية على نشر استراتيجية أمنية جديدة خلال العام 2026، متخلية عن البوصلة الاستراتيجية المشابهة للغاية وغيرها من الأفكار الحديثة، مما يوضح مرة أخرى إنتاج وثائق جديدة بدلًا من تطوير الخطط نفسها. وأكدت رئيسة المفوضية أورسولا فون دير لاين أن الهدف من الاستراتيجية هو فهم “التغيرات الجيوسياسية من أجل تقديم استجابة مناسبة”. إن وصف الاستراتيجية بهذه المصطلحات يُذكّر بالبوصلة الاستراتيجية للاتحاد الأوروبي، التي كان من المفترض تحديثها عام 2025. وقد اعتُمدت هذه البوصلة في عام 2022، وهي تُقدّم تحليلًا للتهديدات والبيئة المحيطة، إلى جانب الإجراءات اللازمة، لمنح الاتحاد الأوروبي استقلالًا استراتيجيًا تحت قيادة ما يُسمى بـ”اللجنة الجيوسياسية”.
لكن الاستراتيجية الجديدة ستتجاوز مجرد الدفاع، كما صرّح المتحدث باسم المفوضية توماس رينييه، مضيفًا أنها ستشمل “قطاعات استراتيجية أخرى”، بما في ذلك الرقائق الإلكترونية والأمن السيبراني والمواد الخام. وتابع: “نحن بحاجة إلى إضفاء الطابع الرسمي على كل هذا في استراتيجية أمنية أوروبية لتقليل اعتمادنا على الآخرين، وأن نكون أكثر استقلالية، وأن نكون مستعدين في هذا السياق الجيوسياسي المتغير”. إن استراتيجية الأمن الاقتصادي، والبوصلة الاستراتيجية، واستراتيجية صناعة الدفاع الأوروبية، والورقة البيضاء وخارطة الطريق للاستعداد لعام 2030، ومبدأ الأمن الاقتصادي، هي قائمة غير شاملة للمخرجات الحديثة التي تتداخل بشكل كبير في المجالات التي ذكرها رينييه. في كل مرة، تُطرح هذه الخطط على أنها خطط طويلة الأجل واستشرافية ستوجّه تحركات التكتل خلال السنوات الخمس إلى العشر القادمة. لكن عمرها الافتراضي لا يقترب أبدًا من هذه المدة.
البحث عن الاستراتيجية المثالية
كانت ميزة البوصلة الاستراتيجية هي أن الذراع الدبلوماسي للاتحاد الأوروبي، وهو جهاز العمل الخارجي للاتحاد الأوروبي (EEAS)، حصل على تأييد قادة الاتحاد الأوروبي، وبالتالي اكتسب ملكيتها. أكد جوزيب بوريل، كبير الدبلوماسيين في الاتحاد الأوروبي آنذاك، في ذلك الوقت: “إنها وثيقة مملوكة للدول الأعضاء، ومن خلال التوقيع عليها، فإنهم يلتزمون بتنفيذها”. سبقت نشر تلك الوثيقة أشهر من المناقشات، على خلفية حرب أوكرانيا ومقاومة توسع حلف الناتو. ولا تزال دول الاتحاد الأوروبي منقسمة حول كيفية معالجة العديد من القضايا الرئيسية، ولا سيما، على سبيل المثال لا الحصر: انسحاب الولايات المتحدة من أوروبا، وهيمنة الصين على سلاسل التوريد، والاستثمار الأجنبي في البنية التحتية الحيوية، ودعم أوكرانيا.
إن إصدار فون دير لاين لوثيقة بقيادة المفوضية واضح، ولن تعيقها قيود 27 نقاشًا سياسيًا وطنيًا. ومع ذلك، إذا أرادت وضع أهداف وتحقيقها، على سبيل المثال من خلال تحديد نسبة معدات الدفاع التي سيتم شراؤها في أوروبا، فإنها تحتاج إلى موافقة عواصم الاتحاد الأوروبي، لأنها الجهات المسؤولة عن تحقيق هذه الأهداف. ناهيك عن أن تمويل الاتحاد الأوروبي ينفد مع اقتراب نهاية دورة الميزانية، مما يحد من قدرة المفوضية على القيام بذلك بمفردها لتنفيذ الاستراتيجيات والخطط الكبرى الجديدة.
الضغط السياسي من بعض دول الاتحاد
وبسبب هذه القيود تحديدًا، يجب على المفوضية دائمًا الاستماع إلى دول الاتحاد الأوروبي عند صياغة استراتيجياتها. ففي عام 2025، أرجأت المفوضية الأوروبية صياغة كتابها الأبيض للدفاع لإتاحة الفرصة للحكومة الألمانية الجديدة لتحديد موقفها. كما تم تخفيف مسودة متأخرة من الوثيقة في اللحظات الأخيرة لحذف عباراتها الحادة الأولية ضد الصين قبل نشرها. ولا تقتصر الجهات الفاعلة التي يتعين على رئيس المفوضية أخذها في الاعتبار على الدول فقط، بل قد يدور نقاش حاد بين المفوضين أنفسهم. كما أن هناك المديريات العامة للمفوضية التي ترغب بدورها في أن تنعكس سياساتها في الاستراتيجيات. وبالنظر إلى التشابه مع الوثائق السابقة والمهلة القصيرة، فمن الصعب توقع أي شيء آخر غير إعادة صياغة ما كُتب بالفعل.
النتائج
يتجه الاتحاد الأوروبي نحو إطلاق استراتيجية أمنية جديدة في عام 2026، في محاولة لإعادة صياغة رؤيته للأمن والدفاع في بيئة دولية تتسم بالاضطراب والتنافس الجيوسياسي المتسارع. غير أن هذا التوجه يعكس في جوهره استمرار نهج بروكسل في إنتاج وثائق استراتيجية متلاحقة، بدلًا من تطوير الأدوات التنفيذية للخطط السابقة، ما يثير تساؤلات حول قدرة الاتحاد على تحويل الطموحات النظرية إلى سياسات عملية مستدامة.
الاستراتيجية الجديدة لن تقتصر على الدفاع التقليدي، بل ستمتد إلى قطاعات حيوية مثل الرقائق الإلكترونية والأمن السيبراني والمواد الخام، في إشارة إلى إدراك أوروبي متزايد بأن الأمن لم يعد عسكريًا فقط، بل اقتصاديًا وتكنولوجيًا بالدرجة نفسها. هذا التوسع المفاهيمي قد يمنح الاتحاد إطارًا أشمل للاستقلال الاستراتيجي، لكنه في المقابل يوسع نطاق الالتزامات في وقت تعاني فيه المؤسسات الأوروبية من محدودية الموارد المالية وتباين أولويات الدول الأعضاء.
من المحتمل أن يبقى في الانقسام الداخلي بين العواصم الأوروبية. فبينما تدفع المفوضية نحو رؤية مركزية للأمن الأوروبي، تحتفظ الدول الأعضاء بحق القرار النهائي في قضايا الدفاع والتمويل، ما قد يحوّل الاستراتيجية الجديدة إلى وثيقة توافقية عامة تفتقر إلى آليات إلزامية. كما أن الضغوط السياسية من قوى كبرى داخل الاتحاد، وفي مقدمتها ألمانيا وفرنسا، ستحدد إلى أي مدى يمكن لبروكسل فرض أجندتها الأمنية.
من المتوقع أن تفرض التطورات الخارجية، مثل تراجع الالتزام الأمريكي بأمن أوروبا وتصاعد التنافس مع الصين وروسيا، واقعًا يدفع الأوروبيين نحو تعاون أوثق، حتى لو بشكل تدريجي. وعليه، فإن مستقبل الاستراتيجية الأمنية الأوروبية سيتوقف على قدرتها في الانتقال من مرحلة التخطيط المتكرر إلى مرحلة التنفيذ الفعلي، وإلا ستبقى جزءًا من سلسلة وثائق طموحة تعكس القلق الأوروبي أكثر مما تعكس القوة الأوروبية.
رابط مختصر.. https://www.europarabct.com/?p=113919
