لماذا تتخوّف أوروبا من ” المتطرفين” الخارجين من السجون؟

لماذا تتخوّف أوروبا من ” المتطرفين” الخارجين من السجون؟

المركز الأوروبي لدراسات مكافحة الإرهاب والإستخبارات ـ المانيا وهولندا

المتطرفونَ “الخارجونَ من السجونِ” خَطَرٌ داهِمٌ يُهدِّدُ أوروبا

مرصد الأزهر ـ 26 مارس 2018 ـ بعدَ أنْ ضربَ الإرهابُ العديدَ من دولِ العالمِ وعلى رأسها دول القارّة العجوز، أمسَت المخاطرُ تؤرّقُ أمنَ تلك الدول وتُهددُ استقرارَها، وباتت الأجهزةُ الأمنية تواجه تحدّيًا تِلْوَ الآخَر، فبعد “العائدين” من داعش، تستعد دوائرُ مكافحةِ الإرهاب الأوروبية لمواجهة خطرٍ آخَرَ يتمثَّلُ في “الخارجينَ” من السجون بعد انقضاءِ مُدَدِ عقوباتِهِم، في تُهَمٍ كانت تتعلقُ بأعمالِ إرهاب.

وتلك هي مشكلةٌ إضافية تقعُ على عاتق الأجهزة الأمنية، لاسيما بعد تَزايُد وتيرة الاستقطاب والتطرف، وأعمال العنف داخل السجون، ويكمُنُ الخطرُ الدّاهِم في أنَّ السجن يتحوّل إلى مكانٍ مُحتمَل للمساهمة في نشر الأفكار المتطرفة، فلربما تحوّل الكثيرونَ ممَّن يقضون عقوباتِهم داخل السجون، بين عشيّةٍ وضحاها، إلى متطرفين.

ولكنَّ السؤالَ الذي يطرح نفسَهُ الآنَ؛ لماذا تتخوّف أوروبا من الخارجين من السجون؟ هل لأن السجون قد باتت “حاضنةً” للتَّطَرُّفِ؟ وإذا كان الأمر كذلك، فماذا قدَّمَت تلك الدول للقضاء على أسبابِ التَّطَرُّفِ داخلها؟ وهل تَمَّ تأهيلُ السجناء نفسيًّا وفكريًّا وسلوكيًّا للتعامل بسلامٍ مع المجتمع المحيط، ممّا يضمن إعادة اندماجهم بين مُكَوِّنات النسيج المجتمعي؟ أم أنها سَعَتْ لعزلِهِم أملًا في تَجَنُّبِ انتشارِ الفكرِ المُتطرِّفِ بينَ السُّجناء الآخَرين؟

لا ريبَ أنَّ الدولةَ الفرنسية سَعَتْ بعد هجماتِ عام 2015م الإرهابية لمكافحةِ التَّطَرُّفِ العنيف، ودَعَتْ إلى الحذر واليقظة مع إعلان الطوارئ بالسجون، حيثُ وقعَ العديدُ من حالات الاعتداء ضد القائمين عليها؛ ما دفع الحكومة الفرنسية للعمل على احتواء ذلك التهديد من خلال  “خُطّةٍ شاملة” لإدارة تلك السجون، تَهدِفُ إلى الوقاية من التَّطَرُّفِ داخلها، حيث إنَّ نسبة 15% من المتطرفين كانوا قد قَضَوْا بالفعل فترةَ احتجازٍ في السجن قبل وقوعِهِم في بَراثِنِ التَّطَرُّفِ.

ويَزدادُ خطرُ تَخَطّي الفكر المتطرف إلى الفعل المتطرف عندما يمرُّ الشخصُ المتطرف أولًا بالسجن، وهو الأمر الذي أظهرت صحتَهُ الاعتداءاتُ الأخيرة ضد ثلاثةٍ من مراقبي السجون في  سجن منطقة “فيندان لو فاي” بضاحية “نور با دي كاليه”، على بُعْدِ 30 كم جنوب مدينة “ليل”، شمال فرنسا، على يد متطرف بالسلاح الأبيض في سِجن، في 11 من يناير 2018م.

جديرٌ بالذِّكْرِ؛ أنَّ هذا السِّجن يضمُّ حوالَي مائةٍ من السُّجناء، بعضُهُم متطرفون خَطِرون؛ كالألماني “كريستيان غانزارسكي”، الذي نفَّذَ الهجومَ على مراقبِي السِّجن، بشفرةِ حلاقةٍ ومِقَصّ، وهو يقضي عقوبةَ سَجْنٍ 18 عامًا، ومن المُقَرَّر أنْ يُنْقَل إلى هذا السِّجن صلاحُ عبد السلام، المُشتبَهُ به الرئيسُ في اعتداءاتِ 13 نوفمبر 2015م، في باريس، بعد محاكمتِهِ في “بروكسل”، في إطار التحقيق حولَ تبادُلٍ لإطلاقِ النارِ خلال هربه داخل العاصمة البلجيكية في مارس 2016م.

كما تَهدِفُ الخُطّةُ أيضًا إلى تحديدِ طبيعةِ كلِّ إرهابيٍّ وسجينٍ، وتحليل شخصياتِهِم حتى يمكن التعامل معهم داخل السجن وخارجه عند الخروج، ومن ثَمَّ متابعتهم.وحَسَبَ مصادرَ حكوميةٍ، فإنَّ “الخُطّة الشاملة” الجديدة تعمل على مضاعفة إجراءاتها التقويمية، وإعادة النظر في القطاعات التأديبية، ومناطق العزل الانفرادي للمحتجَزين شديدي الخطورة، مع تعزيز رعاية السجناء الذين أوْشَكوا على الخروج من محبسِهِم، لا سيّما وَضْعهم بأماكنَ مفتوحةٍ، وهذه الإجراءات هي وليدةُ حالةٍ مُتَتابعة من الفشل.

خطرٌ دائِمٌ يُطْلَقُ سراحُهُ:

سيوضَعُ هؤلاء المتطرفون “الخارجون” من السجون، خلال الأشهر والسنوات القادمة، على قوائمِ الأشخاص الذين يُمَثِّلونَ خطرًا، والدائمين في دائرة الاشتباه، وسيظلون في نفس درجة خطورة “العائدين” من القتال ضمنَ صفوفِ تنظيمِ داعش بسوريا والعراق، أو الخلايا النائمة، أو الذئاب المنفردة، الذين يَخشى المُحَقِّقون من تفعيلِهِم كقنابلَ موقوتةٍ يمكنُ انفجارُها في أيِّ لحظةٍ، وتنفيذهِمِ هجماتٍ إرهابيةً في أيِّ مكانٍ داخل القارّة العجوز.

ومن جانِبِهِ، صَرَّحَ أحدُ مسئولي مكافحةِ الإرهابِ لوكالة الأنباء الفرنسية قائلًا: “ننتظرُ خروجَ أولِ دفعةٍ من المُدانين بارتكابِ أعمالٍ إرهابية في ربيع هذا العام”، مضيفًا: أنَّ هؤلاء السجناء الذين قَضَوْا مدّةَ عقوبتِهِم “يُمَثِّلونَ تهديدًا محتمَلًا ومُقلِقًا، يجب علينا أخْذُه على مَحْمَل الجِدِّ”.

وأَوْضَحَ: أنه قد تَمَّت إدانةُ نحو 500 شخصٍ في فرنسا، خلال العَقْدِ الماضي، وتَمَّ الحُكْمُ عليهم بالعديدِ من العقوبات المُشَدَّدة؛ بتهمة “التآمُر الإجرامي والانتماء إلى شبكةِ مجرمِين على صلةٍ بارتكابِ أعمالٍ إرهابيةٍ”، وسيُطلَقُ سراحُهُم من الآنَ وحتي عام 2020م، أَضِفْ إلى هؤلاء السجناء نحوُ 1500 سجينٍ بتهمٍ عاديّة يُشتبَه في تطرُّفهم بدرجاتٍ متفاوتة، وهم على اتّصالٍ مع السجناء المُدانين في قضايا تتعلق بالإرهاب.

إطلاقُ سَراحِ “شريف كواشي” كان سببًا في ارتكابِ هجومٍ إرهابيٍّ:

حتي وإن كان بعضُهُم قد أظهر أنه طوى صفحةَ الإرهابِ كــــ”شريف كواشي” منفِّذ الهجوم الدامي على صحيفة “شارلي إيبدو”، والذي أسفر عن اثني عشر قتيلًا، في 7 يناير 2015م، بالشراكة مع أخيه “سعيد كواشي”.

سُجن “شريف كواشي” في عام 2005م و2006م؛ للمشاركة في “خليّة” متخصصة في إرسالِ مقاتلين للعراق، وقد أُدينَ في عام 2008م، ولكن أُطْلِقَ سراحُهُ واختفى عن أعينِ السلطات المختصة، وحصل الأخوانِ على بنادق “كلاشينكوف”؛ ليُنَفِّذوا جريمتهم في صباح 7 من يناير 2015م، ضد صحيفة “شارلي إيبدو” الساخرة.

ويؤكّد “إيف تروتيجون”، المُحَلِّل في مجالِ مكافحة الإرهاب في وزارة الخارجية الفرنسية (DGSE)؛ أنه “بحلول عام 2020 /2021م، سيخرج من السجون مئات المتطرفين، الأمر الذي سيُمَثِّل مشكلةً حقيقية”؛ لذا “يجب علينا الحذر تُجاهَ المُطْلَقِ سراحُهم من السجون بتهمٍ تتعلق بالإرهاب، وكذلك تُجاهَ “العائدين” من داعش؛ لأننا لا نملك أيَّ وسيلةٍ لتقويم درجة خطورة هؤلاء الأشخاص، وكذلك لا نملك أيَّ وسيلةٍ لمعرفة تَخَلّيهم عن فكرِهِم المُتَشَدِّد”.

قطاعاتُ تقويمِ التَّطَرُّفِ:

منذ عامٍ، تَمَّ افتتاحُ قطاعات تقويم التَّطَرُّفِ بالسجن في ثلاثة سجون بمنطقة “إيل-دو-فرانس”، والهدف منها: الوقوف على مستوى خطورة المُحتجَزين على ذِمّةِ قضايا تتعلقُ بالإرهاب، وبمُضيِّ عامٍ، مُرِّرَ على هذه القطاعات نحوُ 180 محتجَزًا، وفي هذه السنة الواحدة تَمَّ تصنيفُ نحو 90 محتجَزًا لأسبابٍ تتعلّقُ بالإرهاب بمستوى “خطر”.

وبعدَ أربعةِ أشهرٍ من المقابلات مع الأخصائيين النفسيين ورجال الدّين، تَمَّ وضْعُ هؤلاء المحتجَزين قَيْدَ العَزْلِ في مراكزِ إقامةٍ جَبْريّة في كافّة أنحاء فرنسا، بينما تَمَّ تسكينُ الآخَرين مراكزَ الاعتقال التقليدية، ولكن في غُرَفِ حجزٍ انفراديةٍ، وتحتَ رقابةٍ مُشَدَّدة.

وضعُهُم تحتَ المراقبَةِ:

كما يرى “إيف تروتيجون”، أنَّ الحَلَّ الوحيدَ هو: “البدء في متابعة العمل على شبكات المعلومات والتواصل؛ مَن يُقابِلون؟ مَن يُهاتِفون؟ ماذا يقولون؟ ما الرسائل النصية التي يَتَلَقَّوْنها؟ من أجل التحقق من اتصالاتهم (…) كثيرًا ما يقال: إنَّ السِّجنَ هو مدرسةُ الجريمةِ وخليّةٌ للتَّطَرُّفِ”.

ومن جانبِهِ، يؤكِّدُ “آلان جرينارد”، المتخصص في العلوم الإسلامية، والمُحاضِر في جامعة “لييج”؛ أنه “من النادر وجودُ إصلاحٍ داخل السجون، بالنسبة لشخصٍ يحمل منظومةً فكريّة تُضيف إليه، بالإضافة إلى التزامه الإجرامي، بُعْدًا آخَرَ”.

سُجناءُ لمْ يتِمّ تأهيلُهُم:

في هولاند، دافع المحامي “أندريه سيبرجيتس”، عن العديدِ من المتطرفين المُشتبَه بهم، وحُكِمَ عليهم بالسجن ثم أُفرِجَ عنهم مؤخرًا، ويؤكِّدُ “أندريه سيبرجيتس”؛ أنه “لم يُشارِك أيٌّ من موكّليه في برنامجٍ لإعادةِ التأهيل”، وأضاف: أنَّ “خطرَ إعادةِ التَّطَرُّفِ (الوقوع في التَّطَرُّفِ مرةً ثانية) لا يزال قائمًا (…) كما أنَّ شروطَ إطلاقِ سراحِهِم غالبًا ما تتضمن الالتزام بارتداءِ أَساورَ إلكترونيّةٍ تسمح بالمراقبة عن بُعْدٍ، فضلًا عن اتّصالهم بإمامٍ مُعَيَّنٍ من قِبَلِ الحكومةِ، بالإضافة إلى خضوعِهِ لضابط مراقبة”.

تَرَدّي أوضاعِ السجونِ الفَرَنْسيَّةِ :

شهدت وضعيّةُ السجونِ الفرنسية تأزُّمًا في السنوات الأخيرة جعلَ المنظماتِ الحقوقيّةَ تَدُقُّ ناقوسَ الخطرِ وَسطَ تَصاعُدِ الغضبِ والحركاتِ الاحتجاجية للعاملين فيها؛ فشهادات المسجونين عن أوضاعهم داخل السجون تتركُ الانطباعَ بأنَّ الحياةَ داخلها أصبحت لا تُطاق.فعلى سبيل المثال: “إيريك إسنيادي”، سجينٌ قضى 30 سنة من حياتِهِ خلفَ القضبانِ، ليتحوّل بعد خروجه إلى ناشطٍ من أجل تحسين أوضاعها، هذا السجين شهد 54 انتقالًا من سِجْنٍ لآخَرَ.

واستقرّ في أكثرَ من ثلاثين سِجنًا منها لبعض الوقت، ويُعَبِّرُ عن الوضع في السجون الفرنسية قائلًا: “قرّرتُ وأنا في السِّجن الكفاحَ من أجل الحصول على حقوقي وتحسين ظروف معيشتي، لكني لم أكن أريدُ الخروجَ من السجن مُعَوَّقًا”، مضيفًا: أنَّ “السجونَ اليوم هي انعكاسٌ للحياة في مجتمعٍ يتدهور، وبالتالي: فكلُّ شيءٍ فيها يتدهور بنفس الوتيرة”، وكان “إيريك إسنيادي” محظوظًا؛ لأنه لم يعرف ظاهرة اكتظاظ السجون الحاليّة، التي يتقاسم على إثرها أربعةُ مساجينَ زنزانةً لا تزيد مساحتها عن عشرةِ أمتارٍ مُرَبَّعة … ولعِدّةِ سنواتٍ أيضًا”.

ويرى “المرصدُ”؛ أنَّ تأهيلَ وإعادةَ إدماجِ المتطرفين داخل السجون أمرٌ مُعَقَّدٌ للغاية، يتطلّب تَضافُرَ كافّةِ الجهود، وكذلك العديد من التدابير التي من أهمها: ضرورة إعادة التأهيل الفكري والأيديولوجي والديني، إلى جانب التأهيل النفسي والسلوكي، مع الأخذ في الاعتبار الدوافع العامّة؛ كالتهميش الاقتصادي والاجتماعي، بالإضافة إلى العمل على الدَّعْمِ النفسي وبَثِّ الثقة في النفس لديهم، وتنمية قدراتهم العقلية والعَمَليّة.

كما يُشَدِّدُ “المرصدُ” على ضرورةِ تدريبِ وتأهيلِ القائمين على السجون، خاصّةً الذين يتعاملون مباشرةً مع السجناء؛ لتزويدهم بالمهارات اللازمة لكيفية التعامل معهم، ولِلَفْتِ أنظارهم إلى أنَّ السِّجنَ مكانٌ للتأهيل وإعادة الإدماج والإصلاح، وليس فقط للعقاب وسَلْب الحريات، مع ضرورة تدريبهم على الحوار والخطاب الديني الذي يجب أن يُستخدَم في التواصل مع السجناء داخل السجن.

كما يجب أن تعمل إدارة السجون؛ من خلال الاستعانة بالأئمة المتخصصين، على تصحيح المفاهيم الخاطئة المُترسِّخة لدى السجناء المتطرفين؛ الأمر الذي سيدفعهم إلى تَخَلّيهم عن مواقفهم وأفكارهم المتشددة، وتعمل كذلك على الإشراف على مسابقةٍ ثقافية تدور حول إعدادِ الأبحاثِ والدراساتِ المُفَنِّدَةِ للفكرِ المتطرف.

رابط مختصر :https://wp.me/p8HDP0-bAC

شارك المقال
Share on Facebook
Facebook
Share on Google+
Google+
Tweet about this on Twitter
Twitter
Share on LinkedIn
Linkedin
اخر المقالات