الإشتراك في نشرتنا الإخبارية المجانية

 

تابعنا على تويتر

تابعنا على فيسبوك

آخر المشاركات التلفزيونية

استطلاع رأي

هل المركز مصدر موثوق في البحث ؟

Loading ...

إسرائيل وإيران ـ تحولات النفوذ ومصادر التهديدات الإقليمية وانعكاساتها على لبنان

أغسطس 05, 2026

المركز الأوروبي لدراسات مكافحة الإرهاب والاستخبارات، ألمانيا وهولندا  ECCI

بقلم : د .عبد الرؤوف سنّو، مؤرّخ وباحث

إن مقارنة الخطر الإسرائيلي بالخطر الإيراني على القضية الفلسطينية والبلدان العربية ولبنان لا تكفي فيها مجرد سرد الوقائع، بل تقتضي معايير واضحة: طبيعة كل مشروع، جذوره الأيديولوجية، امتداده الجغرافي، وأدوات نفوذه. فالمشروع الإسرائيلي ارتبط بالقومية اليهودية وفكرة الدولة ذات الهوية اليهودية على أرض فلسطين، بينما ارتبط المشروع الإيراني بمزيج من القومية الإيرانية والمرجعية المذهبية الشيعية، وتقاطع المشروعان في فلسطين وسورية ولبنان، وفي منطقة الخليج العربية مؤخرا، حيث تحولت هذه الساحات إلى ميادين للتنافس على النفوذ.

وقد أعادت التحولات الكبرى منذ “طوفان الأقصى” (2023)، وسقوط نظام الأسد (2024)، والصراع الأميركي-الإسرائيلي مع إيران (منذ 2025)، طرح سؤال تهديدات الخطرين وحدودهما، في مرحلة إقليمية جديدة اتسعت فيها تداعيات الصراع لتطال معظم البلدان العربية.

ولا تعني المقارنة مساواة بين مشروعين مختلفين في النشأة والطبيعة والأهداف، بل فهم تأثير كل منهما في القضية الفلسطينية والنظام العربي. فإسرائيل مشروع قومي استيطاني نشأ قبل العام 1948، وتحوّل إلى قوة إقليمية عسكرية وتقنية متفوقة، تحركها نزعات توسعية، خصوصًا لدى اليمين الديني والقومي المتطرف. أما إيران فبنت منذ ثورتها (1979) مشروع نفوذ إقليمي يستند إلى عقيدة ولاية الفقيه وشبكة أذرع مسلحة خارج حدودها، مستفيدة من أزمات النظام العربي ووهنه.

والسؤال الأساسي يكمن في أن ليس أيّ طرف أكثر خطرًا من الآخر بصورة مطلقة، بل في طبيعة كل خطر ومراحله وأدواته وقدرته على التأثير في مستقبل فلسطين والدول العربية ولبنان. ووفقا لنظرية “الأمننة” (Securitization) لباري بوزان، فإن الخطر بناء خطابي وسياسي تصوغه النخب والشعوب وفقا لمصالحها ومخاوفها، لا معطى موضوعيًا ثابتًا. وتشترك الأطراف الثلاثة، العرب والإسرائيليون والإيرانيون، في توظيف آلية الخوف هذه وإن اختلف موضوعها: خوف عربي مركّب على قضية فلسطين المعلّقة، وعلى سيادات وطنية مهددة، وعلى عجز جماعي أمام قوتين إقليميتين أكثر تماسكاً، في ظل ابتعاد تركيا نسبيا عن الموضوع. وخوف إسرائيلي على إنجاز الدولة اليهودية؛ وخوف إيراني على عقيدة ونفوذ مهدَّدين وعلى إنجازاتها العسكرية والنووية. من هنا، تتساءل هذه الدراسة عن كيفية تصوير كل طرف لخطر الآخر، لا وقائع هذا الخطر فحسب.

أولا: من الصهيونية إلى طوفان الأقصى وتداعياته: مسار الخطر الإسرائيلي على فلسطين والعرب

يتتبع هذا المحور مسار الخطر الإسرائيلي عبر محطات متعاقبة: من الفكرة الصهيونية إلى المشروع السياسي القومي، فتهويد فلسطين والصراع العربي-الإسرائيلي وإجهاض أوسلو، وصولًا إلى مسار الاحتلال المستمر من انتفاضة الحجارة حتى طوفان الأقصى، قبل أن ننتقل إلى الخليج العربي والعراق وسورية واليمن ولبنان في مرمى إسرائيل والصراع الإقليمي.

أ) إسرائيل وفلسطين: من الخطر الأيديولوجي إلى تنفيذ المشروع السياسي القومي

لم يبدأ إدراك العرب لخطورة المشروع الإسرائيلي مع إعلان قيام إسرائيل (1948)، بل تشكّل تدريجيًا منذ ظهور الحركة الصهيونية أواخر القرن التاسع عشر، القائمة على فكرة أن فلسطين وطن مخصص لليهود (“أرض بلا شعب، لشعب بلا دولة”)، استنادًا إلى مرتكزات دينية وأيديولوجية تحولت لاحقًا إلى مشروع استيطاني سياسي منظم، بدعم من دول كبرى أرادت حلّ “المسألة اليهودية” على حساب شعب عربي.

وقد شكّل مؤتمر بازل (1897) نقطة التحول إلى المشروع السياسي المنظم، حين أسس تيودور هرتزل المنظمة الصهيونية العالمية بهدف إقامة وطن قومي لليهود بضمانة دولية. ومع الحرب العالمية الأولى وتقاسم بريطانيا وفرنسا إرث الدولة العثمانية، تحوّلت فلسطين إلى مجال للتنافس الاستعماري، وبلغ هذا المسار ذروته مع تصريح بلفور (1917) الذي أعلنت فيه بريطانيا دعمها لإقامة “وطن قومي لليهود” في فلسطين، متجنبًا الاعتراف بالفلسطينيين كشعب صاحب حقوق قومية، مكتفية بوصفهم “طوائف غير يهودية”. ولم تكن هذه السياسة منفصلة عن حسابات استراتيجية بريطانية تتعلق بحماية طريق الهند وقناة السويس وتأمين نقطة ارتكاز موالية في المشرق العربي.

وعشية قيام دولة إسرائيل، انتقل مركز الثقل في الدعم الدولي من بريطانيا إلى الولايات المتحدة التي تبنت المشروع الصهيوني بوضوح بعد مؤتمر بلتيمور (1942). وتُوّج هذا المسار بإعلان قيام دولة إسرائيل (1948) بعنف ابادة جماعية مارستها المنظمات الصهيونية المسلحة تجاه الفلسطينيين، على مساحة تجاوزت بكثير ما خصصه قرار التقسيم الأممي رقم 181 (1947) للدولة اليهودية.

ولم ينظر العرب حينها إلى قيام إسرائيل كخسارة لفلسطين وحدها، بل كبداية مشروع يهدد التوازن العربي والإقليمي برمّته؛ فترسّخ في الوعي العربي أن دولة يهودية مسلحة ومدعومة غربيًا في قلب العالم العربي لن تقتصر آثارها على الفلسطينيين. ولذلك دخلت الجيوش العربية حرب العام 1948 بالرغم من حداثة استقلال دولها وضعف استعدادها العسكري، مدفوعة بإدراك أن سقوط فلسطين لن يكون نهاية الصراع مع الصهيونية، بل بدايته.

ب) من تهويد فلسطين إلى الصراع العربي-الإسرائيلي وإجهاض مسار أوسلو 1993

لم يكن التحول الأهم في مسار الصراع عسكريًا فقط، بل ارتبط بترسّخ شعور عربي وفلسطيني بأن إسرائيل حققت مكاسبها الاستراتيجية عبر الحرب كما عبر مسارات السلام: فتفوقها العسكري المدعوم من القوى الكبرى، فرض وقائع جديدة على الأرض، بينما سمحت الاتفاقات السياسية اللاحقة بتثبيت هذه المكاسب، من دون التزام كامل بتعهداتها، ولا سيما إنهاء الاحتلال ووقف الاستيطان منذ 1967. وهكذا ترسخ الاعتقاد بأن إسرائيل تستخدم الحرب حين تخدم أهدافها، والسلام حين يحقق لها قبولًا إقليميًا، من دون تنازلات جوهرية في القضايا الأساسية.

بعد “النكبة”، انتقل العرب إلى مواجهة غير متكافئة مع إسرائيل عبر ما عُرف بـ”الصراع العربي-الإسرائيلي”. وقد أظهرت “حرب الاستقلال”، كما تذكر الروايات الإسرائيلية الرسمية، جاهزية المؤسسات اليهودية لإقامة دولة عميقة بغطاء ومساعدات دولية، وجيش وتعليم وتقنية متقدمة، بينما افتقر الفلسطينيون والدول العربية المحيطة إلى تنظيم مماثل بعد عقود من الاستعمار والانتداب والتخلف والجهل.

وتوالت المحطات: هدنة (1949) كاعتراف بحدود الأمر الواقع دون اعتراف عربي بحدود نهائية؛ حرب السويس (1956) حين شكّلت إسرائيل رأس حربة استعمارية؛ ثم حرب (1967) التي أدت إلى احتلال سيناء والضفة الغربية والقدس الشرقية والجولان، محوّلة النزاع من سياقه الحدودي إلى “صراع احتلال” بالمعنى الذي لا نزال نعرفه حتى اليوم.

ومنذ حرب العام 1973، وزيارة السادات القدس (1977)، فكامب ديفيد (1978)، فمعاهدتي السلام المنفردتين (مصر 1979، الأردن 1994)، تفككت الجبهة العربية الموحدة الواهية بينما استعادت الدولتان أرضيهما لقاء سلام دائم مع إسرائيل. وهذا مهّد لاتفاق أوسلو (1993) بين إسرائيل ومنظمة التحرير الفلسطينية، الذي جعل المنظمة تُلقي سلاحها لقاء سلام أجهضته إسرائيل لاحقًا.

ومع إجهاض أوسلو، خصوصًا بعد اغتيال رابين (1995) وتصاعد الاستيطان في الضفة الغربية وقطاع غزة، تراجع الأمل بتسوية تفاوضية لدى الفلسطينيين، وشعرت فئات واسعة منهم بأن القضية تواجه خطرًا وجوديًا، وأن التنازل عن السلاح لم يحقق النتيجة المرجوة. وفي هذا المناخ، برزت الحركات الإسلامية المسلحة، حماس ثم الجهاد الإسلامي، كبديل مقاوم للسلطة الفلسطينية العاجزة، بخطاب ديني-ثوري يرفض التفاوض ويرى في المواجهة المسلحة الطريق الوحيد لاستعادة الحقوق، فترسخت الأصولية والسلاح والانفراد بالقرار الفلسطيني في قطاع غزة لاحقًا.

ج) من انتفاضة الحجارة إلى طوفان الأقصى (1987-2023): الاحتلال، وفقدان الأفق السياسي، وتآكل الحقوق اليومية

لم تكن الانتفاضات الفلسطينية المتعاقبة، من انتفاضة الحجارة (1987)، فانتفاضة الأقصى (2000)، فموجات التصعيد اللاحقة، ثم “طوفان الأقصى” (2023)، أحداثًا منفصلة عن سياقها، بل نتيجة تراكمات سياسية وميدانية طويلة: قيود على الحركة، قتل وقمع ممنهجان، توتر حول القدس والأقصى، وحصار غزة منذ سيطرة حماس عليها (2007) وما رافقه من جولات عسكرية متكررة.

وقد عمّق هذا الواقع شعور الفلسطينيين بأن الاتفاقات السياسية لم تغيّر جوهر العلاقة مع إسرائيل، وأن الاحتلال مستمر بأشكال مختلفة. وزاد من هذا الشعور اعتراف واشنطن بالقدس عاصمة لإسرائيل (2017) ونقل سفارتها إليها في العام التالي، رغم كونها الراعي الأساسي لعملية السلام. وفي المقابل استمرت إسرائيل في توسيع الاستيطان بالضفة رغم تعهدات أوسلو، بينما أدى انسحابها من قطاع غزة (2005) إلى سيطرة حماس عليها ((2007.

ومع تصاعد المواجهات، تحولت القضية تدريجيًا من صراع سياسي حول التسوية والحدود إلى صراع مرتبط بالكرامة والحقوق اليومية، وهو ما أسهم في صعود خطاب المقاومة المسلحة، إذ حال استمرار الاحتلال والاستيطان وإجهاض التسوية دون تحقيق الحقوق الوطنية الفلسطينية.

وفي هذه البيئة المتراجعة الأفق، وجدت إيران مجالًا للتدخل في القضية الفلسطينية وتوظيفها ضمن حساباتها الإقليمية، من دون أن يلغي ذلك أن تلك القضية نشأت قبل دخول أي طرف إقليمي على خطها، فهي في جوهرها قضية شعب تعرض للتهجير وفقدان الأرض والتنكر لحقوقه الوطنية، واستمر نضاله من أجل تقرير مصيره وإقامة دولته وفق شرعة الأمم المتحدة.

وشكّلت عملية “طوفان الأقصى” (7 تشرين الأول 2023) نقطة تحول كبرى، إذ جاءت في سياق تراكم طويل من الاحتلال والاستيطان، لكنها حملت أيضًا بعدًا إقليميًا واضحًا في ظل تطور علاقة حماس والجهاد بإيران، عبر الدعم السياسي والعسكري والمالي. فرفعت طهران شعار “إزالة إسرائيل من الوجود”، وهو ما دغدغ شعور كثير من العرب والفلسطينيين، وأظهر في الوقت ذاته عجز العرب عن تولي قضاياهم القومية بأيديهم. فتحولت المقاومة الفلسطينية إلى إحدى أدوات إيران لتعزيز حضورها الإقليمي ومواجهة إسرائيل.

وأثارت العملية تساؤلات حول القدرات التنظيمية والعسكرية التي مكّنت حماس من تنفيذ هجوم بهذا الحجم، بالرغم من الحصار والمراقبة الإسرائيلية المكثفة، وأشار مستوى التخطيط العملياتي إلى إعداد يفوق المواجهات السابقة. وفي ضوء العلاقة مع إيران، برز الدعم الإيراني كأحد العوامل المؤثرة في تطور قدرات هذه الفصائل، وإن بقي مدى المشاركة الإيرانية المباشرة في التخطيط موضع نقاش.

وفي الوقت ذاته، فتحت العملية الباب أمام تحول إسرائيلي واسع في أهداف الحرب، إذ اتجهت الاستجابة إلى إعادة تشكيل الواقع في قطاع غزة: القضاء على القدرات العسكرية لحماس وإنهاء سيطرتها السياسية، ورفض الانسحاب من القطاع رغم استعداد حماس لتنفيذ “خطة ترامب”، مع مطالبات إسرائيلية رسمية وشعبية بتعزيز الاستيطان في الضفة وصولًا إلى ضمها.

وهكذا أصبحت القضية الفلسطينية ساحة تتداخل فيها ثلاثة مستويات: الحق الوطني الفلسطيني، والمشروع الإسرائيلي الساعي إلى تثبيت وقائع جديدة، والمشاريع الإقليمية، وإيران التي توظف القضية ضمن حساباتها. أما تحديد طبيعة الخطرين الإسرائيلي والإيراني ومدى تقاطعهما، فيتطلب الانتقال إلى دراسة الدور الإيراني ومساراته وأدواته.

د) العراق وسورية ولبنان: في مرمى الاستراتيجية الإسرائيلية

شكّلت مصر وسورية ولبنان والأردن، منذ الستينيات من القرن العشرين، دول الطوق العربية المحيطة بإسرائيل بحكم الحدود الجغرافية المباشرة. غير أن توقيع مصر والأردن معاهدتي السلام مع إسرائيل (1979 و1994) أخرجهما من دائرة المواجهة العسكرية، وأقام بينهما وبين إسرائيل علاقات دبلوماسية طبيعية، من دون أن يعني ذلك قبولهما بسياسة الاحتلال أو الاستيطان أو التنكر للحقوق الوطنية الفلسطينية. وبذلك، بقيت سورية ولبنان في مواجهة إسرائيل، بينما برز العراق، رغم بعده الجغرافي، أحد أبرز خصوم إسرائيل الإقليميين.

فعلى الرغم من عدم وجود حدود مشتركة بين العراق وإسرائيل، شاركت بغداد في جميع الحروب العربية ضدها، انطلاقًا من التضامن القومي العربي، ورفضت توقيع اتفاق هدنة أو إقامة علاقات معها. كما تبنت موقفًا رافضًا لاتفاقيات السلام، وسعت في عهد صدام حسين إلى تقديم نفسها قوةً عربية مدافعة عن القضية الفلسطينية. وقد نظر العراق إلى نفسه بعد حرب الخليج الأولى ضد إيران (1980-1988)، بوصفه قوة عربية تواجه تحديات إقليمية متزامنة، في الشرق مع إيران، وفي الغرب مع إسرائيل. لكنه بوصلته في اتجاه بلدان الخليج العربية، وخاصة جارته الكويت.

وكانت إسرائيل عززت هذا الإدراك بتدمير مفاعل تموز النووي (1981)، بذريعة منع العراق من امتلاك قدرات نووية تهدد أمنها، وهو المنطق نفسه الذي تبنته لاحقاً تجاه البرنامج النووي الإيراني. وقد رسخت هذه العملية الاعتقاد في بغداد بأن إسرائيل لا تكتفي بالدفاع عن حدودها، بل تسعى إلى منع ظهور أي قوة عربية قادرة على تعديل ميزان القوى في المنطقة. ولإظهار قوته العسكري، وربما استعراضا دعائيا، أطلق العراق خلال حرب الخليج الثانية صواريخ سكود على إسرائيل، وهو ما عزز صورة صدام حسين في قطاعات واسعة من الرأي العام العربي بوصفه أحد أبرز القادة العرب الرافضين لوجود إسرائيل. وبعد سقوط الرئيس صدام حسين (2003)، استمرت الحكومات العراقية في رفض التطبيع مع إسرائيل وإدانة سياساتها تجاه الفلسطينيين، في حين زاد تأييد إسرائيل للحركة الكردية من اقتناع بغداد بأنها لا تتردد في استثمار الانقسامات الداخلية لإضعاف خصومها الإقليميين.

أما سورية، فقد ارتبط أمنها القومي بالصراع مع إسرائيل منذ العام 1948، وخاضت ضدها حروب في الأعوام (1948 و1967 و1973)، قبل أن تخسر مرتفعات الجولان التي احتلتها إسرائيل (1967) وضمتها (1981). وأصبح استمرار احتلال الجولان، ورفض إسرائيل الانسحاب منه، أحد أبرز مصادر الشعور السوري بالإذلال، بأن إسرائيل لا تسعى فقط إلى حماية أمنها، بل إلى فرض وقائع جغرافية وسياسية دائمة على حساب الدول العربية المجاورة. ورغم تفاهمات أمنية محدودة وغير معلنة بين الطرفين في لبنان (اتفاق الخط الأحمر لتقاسم النفوذ فيه، 1976 برعاية أميركية، بقي الصراع الاستراتيجي بينهما قائمًا

ولم تفضِ مفاوضات السلام التي بدأت في مدريد (1991) إلى إنهاء حالة العداء بينهما، فواصلت إسرائيل عملياتها العسكرية داخل الأراضي السورية، ومن أبرزها قصف الموقع الذي قالت إنه مفاعل نووي في دير الزور (2007). ومع اندلاع الثورة السورية، كثفت إسرائيل غاراتها على مواقع عسكرية سورية وإيرانية، بذريعة تشكيلها تهديًدً مباشرًا لأمنها. وبعد سقوط نظام بشار الأسد (2024)، وسعت إسرائيل تلك العمليات، وأقامت منطقة عازلة في جنوب سورية. وحتى بعد إعلان الرئيس أحمد الشرع سعيه إلى طي صفحة الحرب مع إسرائيل، لم تبدِ الأخيرة استعدادًا للتجاوب، الأمر الذي عزّز الاعتقاد في دمشق بأن إسرائيل تفضل بقاء سورية دولة ضعيفة وعاجزة عن استعادة قدراتها العسكرية كاملة.

وبحكم موقعه الجغرافي وحدوده المباشرة مع إسرائيل، ظل لبنان ساحة مواجهة مستمرة منذ العام 1948. وتحوّل بعد حرب (1967) إلى قاعدة تدير منظمة التحرير الفلسطينية عملياتها منه ضد إسرائيل، وهو ما أسهم في تفجير انقسامات داخلية أفضت إلى حرب داخلية (1975-1990). وتخلل هذه الحقبة اجتياحات واحتلالات إسرائيلية متكررة، أبرزها اجتياح لبنان حتى العاصمة بيروت (1982) واحتلال الجنوب حتى العام 2000، الأمر الذي رسّخ في الوجدان اللبناني قناعة بأن إسرائيل لا ترى في لبنان مجرد “جار”، بل ساحة يمكن التدخل فيها عسكريًا كلما ارتأت ذلك ضروريًا لأمنها، بصرف النظر عن حجم الأضرار والضحايا الذين يتكبدهم اللبنانيون.

ومنذ العام 2023، مع اتساع رقعة المواجهة الإقليمية (طوفان الأقصى)، ودخول حزب الله في حرب “اسناد غزة”، وجدت إسرائيل في التصعيد ذريعة لشنّ حملة عسكرية واسعة على لبنان اتسمت بكثافة تدميرية غير مسبوقة، طالت البشر والبنية التحتية والمناطق السكنية على حد سواء، وأعادت احتلال أجزاء من الجنوب اللبناني. وقد عزز هذا التصعيد الجديد القناعة اللبنانية القديمة بأن إسرائيل تنظر إلى الجنوب اللبناني تحديدًا كمنطقة نفوذ دائمة، لا يمكن لأي تسوية سياسية أن تُخرجها بالكامل من دائرة التهديد الإسرائيلي.

وبالرغم من انطلاق مفاوضات لبنانية-إسرائيلية غير مباشرة برعاية أميركية منتصف نيسان، وإبداء لبنان استعدادا للتفاوض تحت النار، فإن المسار لا يزال متعثرا: فلا إسرائيل مستعدة للانسحاب الكامل من الجنوب اللبناني، ولا في القبول بمناطق “تجريبية” جديدة في ظل اقتراب الانتخابات العامة التي تجعل رئيس الوزراء يتصلب في موقفه لكسب الأصوات، ولا حزب الله مستعد لنزع سلاحه استجابة لقرار الدولة اللبنانية بسبب تبعيته لإيران. وهذا التعثر المزدوج يكشف أن الأزمة اللبنانية لم تعد مرتبطة فقط برفض إسرائيلي للانسحاب، كما هو الحال في قطاع غزة، بل أصبحت أيضًا محكومة بمعادلة داخلية معقدة تُبقي لبنان رهينة توازنات لا يملك وحده مفاتيح حلّها.

وهكذا، وبالرغم من اختلاف ظروف سورية ولبنان، فقد جمع بينهما إدراك مشترك بأن إسرائيل لا تكتفي بالدفاع عن حدودها، وإنما تعمل أيضًا على الحفاظ على تفوقها العسكري والإقليمي ومنع ظهور قوى عربية أو إقليمية منافسة. وفي المقابل، نظرت إسرائيل إلى هاتين الدولتين كمصادر محتملة لتهديد أمنها وتفوقها الاستراتيجي، وهو ما جعل هواجس الأمن المتبادل أحد أبرز ملامح الصراع في المشرق العربي.

ثانيا: الثورة الإسلامية الإيرانية وبناء النفوذ الإقليمي وانعكاساته على العالم العربي

أحدثت الثورة الإسلامية في إيران (1979) تحولًا عميقًا في التوازنات الإقليمية في الشرق الأوسط. فلم تعد العلاقات العربية-الإيرانية محكومة بالاعتبارات التقليدية المرتبطة بأمن الحدود أو المصالح الاقتصادية، بل دخلت مرحلة جديدة اتسمت بالتنافس على النفوذ والشرعية والقيادة الإقليمية. وقد تداخل في هذا التنافس البعد الأيديولوجي مع الاعتبارات الجيوسياسية، إذ سعت الجمهورية الإسلامية إلى توظيف خطابها الثوري، وعقيدة ولاية الفقيه، وشبكة أتباعها الإقليميين، لتوسيع حضورها السياسي والعسكري خارج حدودها، بينما نظرت غالبية الدول العربية إلى هذا التوجه باعتباره تحديًا مباشرًا لأمنها القومي ولتوازنات النظام العربي. وانعكست هذه التحولات بوضوح في عدد من الساحات العربية، حيث اتخذ النفوذ الإيراني أشكالًا مختلفة، تراوحت بين الدعم السياسي والتنظيمي، والمساندة العسكرية، وبناء شبكات من القوى الميليشياوية المحلية.

أ) بناء النفوذ الإقليمي وانعكاساته على العالم العربي

منذ سقوط نظام الشاه وقيام الجمهورية الإسلامية في إيران، لم يقتصر التحول على تغيير نظام الحكم داخل إيران، بل حمل معه مشروعًا أيديولوجيًا وسياسيًا جديدًا تجاوز حدود الدولة الوطنية. فقد قامت الجمهورية الإسلامية على مبدأ تصدير الثورة، وعلى عقيدة ولاية الفقيه التي منحت القيادة الدينية العليا دورًا سياسيًا يتجاوز المجال الداخلي، وقدمت النموذج الإيراني بوصفه مشروعًا قادرًا على إعادة صياغة العالم الإسلامي وفق رؤية ثورية جديدة. ولحماية النظام، جرى إنشاء “الحرس الثوري” يجمع بين الوظائف العسكرية والأمنية والسياسية والاقتصادية، بينما “فيلق القدس” الذراع الخارجية المتخصصة التي تدير العلاقات مع الأتباع المسلحين خارج إيران.

ولم يكن هذا المشروع قائمًا على القوة العسكرية وحدها، بل جمع بين الأيديولوجيا والدين والسياسة والجغرافيا الإستراتيجية. فقد سعت طهران إلى بناء شبكة من القوى والحركات المرتبطة بها خارج حدودها، مستفيدة من الروابط المذهبية والسياسية، بهدف تعزيز حضورها الإقليمي وتحويل نفوذها إلى عنصر دائم في موازين القوى في الشرق الأوسط. كما رافق ذلك خطاب ثوري ينتقد أنظمة عربية، ولا سيما الخليجية منها، باعتبارها مرتبطة بالغرب وفاقدة للشرعية الثورية، وتحمي نفسها بقواعد أميركية، خصوصا بعد احتلال العراق (2003)، ما جعل العلاقات الإيرانية–العربية تدخل منذ السنوات الأولى للثورة في مرحلة من التنافس والريبة المتبادلة.

وظهر هذا التوجه بصورة واضحة في منطقة الخليج العربي، حيث خشيت دول عربية عدة من انتقال تأثير الثورة الإيرانية إلى داخل مجتمعاتها. ففي الكويت شهدت مرحلة ما بعد الثورة محاولات مرتبطة بالمد الثوري الإيراني للتأثير في الوضع الداخلي، كما اتهمت السلطات البحرينية إيران بدعم محاولة انقلابية (1981)، ثم بتقديم الدعم لبعض التنظيمات والخلايا المرتبطة بها خلال العقود التالية. وفي السعودية أعلنت السلطات في تسعينيات القرن العشرين عن تفكيك خلايا مرتبطة بإيران.

وقد بلغت المخاوف الخليجية ذروتها خلال أحداث البحرين العام 2011. فعلى الرغم من أن الاحتجاجات البحرينية انطلقت بمطالب سياسية واجتماعية داخلية، فإن دول الخليج، ولا سيما السعودية، نظرت إليها في سياق الصراع الإقليمي مع إيران، وخشيت من أن يؤدي اضطراب البحرين إلى تحولها إلى مجال نفوذ إيراني مباشر. وقد زاد من حساسية الموقف قرب البحرين الجغرافي من الساحل السعودي الشرقي، وأهميتها الإستراتيجية بالنسبة إلى أمن الخليج. لذلك تدخلت قوات “درع الجزيرة” التابعة لمجلس التعاون الخليجي في آذار 2011 لدعم الحكومة البحرينية، في خطوة عكست انتقال التنافس السعودي–الإيراني إلى مستوى أمني مباشر، وأظهرت مدى ارتباط أمن الخليج بالتوازن الإقليمي بين الطرفين.

غير أن التنافس الإيراني–الخليجي لم يتوقف عند أحداث البحرين، بل تمظهر بتأسيس “مجلس التعاون لدول الخليج العربية” (أيار 1981)، في ظل بيئة إقليمية اندلاع الحرب العراقية–الإيرانية. وبالرغم من أن المجلس قام رسميًا على أساس التعاون السياسي والاقتصادي والاجتماعي، فإن الاعتبارات الأمنية شكلت أحد الدوافع الأساسية لإنشائه، ولا سيما ما يتعلق بهاجس حماية استقرار دول الخليج ومواجهة التحولات الإقليمية المتسارعة. وقد تجسد هذا البعد لاحقًا في إنشاء قوة “درع الجزيرة” (1982) لتعزيز التعاون الدفاعي بين دوله.

وخلال العقود التالية، أصبح الخليج العربي إحدى أهم ساحات المواجهة بين إيران والدول الخليجية، ولا سيما حول مضيق هرمز، الذي يمثل شريانًا حيويًا لتجارة الطاقة العالمية، وحول الجزر الإماراتية الثلاث (طنب الكبرى وطنب الصغرى وأبو موسى) التي سيطرت عليها إيران (1971) قبيل الانسحاب البريطاني من المنطقة. ومع تصاعد التنافس الإقليمي، لم تعد هذه القضايا مقتصرة على الخلافات السيادية والسياسية، بل انتقلت إلى المجال الأمني والعسكري؛ إذ تعرضت بعض دول الخليج ومنشآتها الحيوية لتهديدات وهجمات مباشرة أو عبر أتباع إيران الإقليميين، وصولًا إلى المواجهات العسكرية الأخيرة مع الأميركيين التي امتدت إلى أراضي بعض الدول الخليجية، حيث بررت طهران عملياتها بأنها تستهدف الوجود العسكري الأميركي والقواعد الأجنبية، بينما رأت دول الخليج فيها تهديدًا مباشرًا لأمنها وسيادتها.

غير أن التحول الأكبر في النفوذ الإيراني في المنطقة العربية جاء بعد سقوط نظام صدام حسين في العراق (2003). فقد أدى انهيار الدولة العراقية السابقة إلى فراغ سياسي وأمني استغلته إيران لتعزيز حضورها في العراق، مستفيدة من علاقاتها التاريخية مع قوى سياسية شيعية عراقية، ومن دعم أحزاب وفصائل مسلحة أصبحت لاحقًا جزءًا مؤثرًا في المشهد السياسي والأمني العراقي. وبلغ هذا النفوذ مرحلة غير مسبوقة من الترسخ والتوسع خلال رئاسة نوري المالكي (2006–2014)، ولا يزال يشكل أحد أبرز عناصر التوازن السياسي والأمني في البلاد، وإن بات يواجه قيودًا متزايدة ناجمة عن تنامي النزعة الوطنية العراقية، ومساعي الحكومات المتعاقبة إلى تحقيق توازن في علاقاتها الإقليمية والدولية.

وشكلت سورية الحلقة الثانية في هذا الامتداد. فالعلاقة السورية–الإيرانية لم تبدأ بعد (2005)، بل تعود إلى الثمانينيات من القرن العشرين، ولا سيما خلال الحرب العراقية–الإيرانية، عندما وجد الطرفان مصلحة مشتركة في مواجهة نظام صدام حسين. غير أن هذه العلاقة اكتسبت بعدًا إستراتيجيًا أكثر عمقًا بعد انسحاب سورية من لبنان (2005)، وما رافقه من ضغوط أميركية ودولية عليها عقب اغتيال رئيس الوزراء اللبناني رفيق الحريري. وفي حزيران 2005، عزز البلدان تعاونهما الأمني والعسكري، في مرحلة أصبحت فيها سورية بحاجة إلى دعم إقليمي لمواجهة عزلتها والضغوط الخارجية.

ومع اندلاع الثورة السورية (2011)، انتقل التحالف السوري–الإيراني إلى مرحلة جديدة؛ إذ لم تعد إيران مجرد حليف سياسي للنظام السوري، بل أصبحت طرفًا مباشرًا في الصراع، قدمت له الدعم العسكري والمالي والسياسي، وأرسلت مستشارين من الحرس الثوري، كما دعمت تشكيلات مسلحة حليفة لها. فتحولت سورية إلى إحدى أهم ساحات النفوذ الإيراني، وإلى ممر إستراتيجي يربط إيران بالعراق ولبنان، ويعزز قدرتها على التأثير في المشرق العربي. فوقوع لبنان في دائرة النفوذ الإيراني، جعل سورية بمثابة جسر لوجيستي في منتصف “الهلال الشيعي” الذي يصل إلى العراق وإيران.

كما امتد النفوذ الإيراني إلى اليمن، حيث أدى دعم طهران لجماعة الحوثيين إلى إدخال البلاد في دائرة التنافس الإقليمي. فتحول اليمن بعد استيلاء الحوثيين على صنعاء (2014) إلى إحدى ساحات المواجهة غير المباشرة بين إيران وخصومها العرب، ولا سيما السعودية، التي رأت في قيام نفوذ إيراني على حدودها الجنوبية تهديدًا لأمنها القومي. وفي تموز المنصرم تبادل الحوثيون والسعوديون ضربات على مطاري صنعاء وأبها، واستُهدفت المنشآت أرامكو وناقلات نفط سعودية، قابله رد سعودي محدود على الحديدة وكمران في اليوم نفسه. وتشير هذه الوقائع إلى تطوير إيران استراتيجية جديدة لتطويق المنطقة من الخليج العربي إلى البحر الأحمر، واستخدامها كورقة ضغط في الصراع الدائر. ونشير في هذا السياق، إلى انضمام جماعة الحوثي إلى حرب “إسناد غزة” (2023–2025) عبر إطلاق صواريخ وطائرات مسيّرة باتجاه إسرائيل، بذريعة وجوب وقف الحرب عليها.

وإلى جانب بناء شبكة النفوذ السياسي والعسكري، شكل البرنامج النووي الإيراني مصدر قلق متزايد للدول العربية. فمنذ تصاعد الأزمة النووية خلال عهد الرئيس محمود أحمدي نجاد، لم تنظر دول عربية عدة إلى هذا البرنامج باعتباره ملفًا تقنيًا فحسب، ولم يعجبها الاتفاق (خطة العمل الشاملة المشتركة) الذي عقد (2015) لتغييبها عنه، من دون أن يعالج مصادر القلق الأخرى المرتبطة بسلوك إيران الإقليمي، بل رأت فيه عنصرًا من عناصر تعزيز القوة الإيرانية الإقليمية. فامتلاك إيران قدرة نووية، أو الاقتراب من مرحلة “الدولة القادرة على إنتاج السلاح النووي”، من شأنه أن يمنحها قدرة أكبر على الردع، ويحمي شبكة أذرعها، ويغير ميزان القوى في المنطقة.

كما أثارت المنشآت النووية الإيرانية مخاوف خاصة لدى دول الخليج بسبب قربها الجغرافي من مراكز الطاقة والممرات البحرية الحيوية، واحتمال تحولها إلى عامل توتر عسكري وبيئي في حال اندلاع مواجهة واسعة. لذلك ارتبط الملف النووي الإيراني، في الرؤية العربية، ليس فقط بمسألة الانتشار النووي، بل أيضًا بمشروع أوسع لتثبيت دور إيران كقوة إقليمية مهيمنة.

وتزايدت هذه المخاوف مع تصاعد المواجهة الإيرانية–الإسرائيلية والأميركية منذ العام 2025، إذ لم تعد احتمالات الصراع محصورة بين إيران وخصومها المباشرين، بل امتدت تداعياتها إلى دول الخليج العربية بسبب استضافتها قواعد عسكرية أميركية، وأهميتها في أسواق الطاقة العالمية. وأظهرت هذه المواجهات أن التنافس الإيراني–الأميركي–الإسرائيلي أصبح عاملًا مؤثرًا في أمن المنطقة بأسرها، وأن الدول العربية باتت جزءًا من معادلة أمنية إقليمية تتجاوز حدودها الوطنية.

وهكذا انتقلت إيران، خلال أكثر من أربعة عقود، من ثورة رفعت شعار تصدير النموذج الإسلامي الثوري إلى قوة إقليمية تعتمد على مزيج من الأيديولوجيا، والقدرات العسكرية، والبرنامج النووي، وشبكات الحلفاء المحليين. ويأتي لبنان في هذا السياق بوصفه إحدى أبرز ساحات الذي يجسد هذا المشروع، وهو ما يستدعي دراسة مستقلة لدور حزب الله في بناء النفوذ الإيراني في المشرق العربي.

ب) إيران ولبنان: حزب الله وتآكل سيادة الدولة اللبنانية

يمثل لبنان الحالة الأكثر وضوحًا لتحول النفوذ الإيراني في العالم العربي من علاقة دعم لحزب الله لتحرير الأراضي المحتلة في الجنوب إلى حضور سياسي وعسكري مؤثر داخل دولة عربية. فقد نشأ حزب الله في سياق الثورة الإسلامية الإيرانية والاجتياح الإسرائيلي للبنان في العام 1982، وارتبط منذ تأسيسه فكريًا وعقائديًا بمبدأ ولاية الفقيه، ما مكّنه من بناء قوة عسكرية مستقلة عن مؤسسات الدولة اللبنانية.

ولم يقتصر أثر ذلك على المجال العسكري، بل امتد إلى الحياة السياسية والمؤسسات الدستورية، حيث أتاح له التأثير في مسارات سياسية حاسمة؛ من تشكيل الحكومات إلى انتخاب رؤساء الجمهورية، كما ظهر في أزمات دستورية متكررة أدت إلى تعطيل أعمال المؤسسات لفترات طويلة. وكل هذا جعل لبنان ساحة يتقاطع فيها الصراع الداخلي مع التنافس الإقليمي بين إيران وخصومها العرب والغربيين.

وقد أدى استمرار احتفاظ حزب الله بسلاحه بعد انتهاء حرب لبنان إلى قيام إشكالية أساسية حول احتكار الدولة لاستخدام القوة. فتحول السلاح إلى موضع خلافي، إذ اعتبره أنصاره عنصرًا أساسيًا في مواجهة إسرائيل، بينما رأى خصومه أن استمرار وجود قوة عسكرية مستقلة عن مؤسسات الدولة أدى إلى إضعاف سلطة الدولة وتعطيل بناء جيش وطني يحتكر القرار الأمني. وقد ظهر هذا الإشكال بوضوح في حرب تموز (2006) مع إسرائيل إثر العملية العسكرية التي نفذها حزب الله عبر الحدود من دون موافقة الدولة أو إعلامها. وأدت الحرب إلى خسائر بشرية ومادية واسعة، ودمار كبير في البنية التحتية اللبنانية، ونزوح أعداد كبيرة من السكان من الجنوب، والمنطقة الاجتماعية الأساسية الحاضنة للحزب. وقد أثارت العملية قلقا ونقاشًا واسعًا في السياسة والإعلام والأوساط الشعبية حول حقّ أي طرف داخلي في اتخاذ قرار الحرب نيابة عن الدولة.

وتكرر هذا الإشكال بعد اندلاع الحرب السورية (2011)، عندما تدخل حزب الله عسكريًا لإنقاذ النظام السوري، متجاوزًا الموقف الرسمي للدولة اللبنانية التي تبنت سياسة النأي بالنفس، في حين تنكر الحزب لتعهداته في لقاء بعبدا 2012 بالابتعاد عن الأزمة السورية. وقد عزز هذا التدخل ارتباط الحزب بالمحور الإيراني–السوري، وأظهر أن قراراته الإستراتيجية تتأثر باعتبارات إقليمية تتجاوز حدود لبنان، وتعمق ارتباط الساحة اللبنانية بصورة أوثق بالتوازنات والصراعات الدائرة في المشرق العربي.

كما برزت هذه المسألة مجددا عقب حرب غزة (2023)، عندما انفرد حزب الله بفتح جبهة عسكرية في الجنوب ضد إسرائيل لإسناد القطاع. وكان هذا يعود إلى استراتيجية إيران لإشغال إسرائيل، على أكثر من جبهة، وأدى التصعيد إلى موجة واسعة من الدمار والنزوح من المناطق ذات الغالبية الشيعية. كما فتح الباب أمام عودة إسرائيل إلى احتلال مواقع في الجنوب، الأمر الذي أعاد طرح السؤال الأساسي حول العلاقة بين سلاح الحزب وسيادة الدولة اللبنانية. ولم يتوقف مشهد الفلتان السياسي والعسكري هذا عند هذا الحد، بل أن الحزب فتح جبهة الجنوب ضد إسرائيل في أذار 2026، ردا على مقتل خامنئي الأب، وتسبب ذلك في مزيد من الاحتلالات الإسرائيلية لمناطق في جنوب لبنان، وكوارث على البشر قبل الحجر. وأدت سياسة الحزب باستمرار حمل السلاح من جهة، واحتلال إسرائيل أراضٍ في الجنوب من جهة أخرى، إلى دخول الدولة اللبنانية ضعيفة إلى مفاوضات السلام مع إسرائيل لتأمين انسحابها من جنوب البلاد.

هكذا لم تعد قضية حزب الله في لبنان محصورة في دوره كقوة مقاومة لإسرائيل، بل أصبحت مرتبطة بإشكالية أوسع تتعلق بطبيعة الدولة اللبنانية، وحدود تأثير النفوذ الإيراني، والتوازن بين الدولة والقوى غير الحكومية المسلحة. وقد أدى ذلك إلى تنامي قلق شريحة واسعة من اللبنانيين من تراجع قدرة الدولة على احتكار قرارها الأمني والعسكري والسياسي، والشعور بأن وجود قوة مسلحة مرتبطة بمحور إقليمي يضعف سيادة الدولة ويعمّق الانقسامات الداخلية والتعايش بين اللبنانيين، بين مطالب بتقسيم لبنان، وبين من يدعو الفدرلة.

ثالثا: الاستنتاج

لم تكن التحولات الإقليمية في الشرق الأوسط نتاج عامل واحد، بل جاءت نتيجة تفاعل مشاريع وقوى إقليمية متنافسة: المشروع الإسرائيلي القائم منذ قيام الدولة على الردع الهجومي، كأحد العوامل الأساسية لتوسيع جغرافية الكيان على حساب المحيط العربي، وبالتالي إعادة تشكيل النظام الإقليمي. وأدى هذا استمرار التنافر بين العرب وإسرائيل، واحتلال الأخيرة الأراضي الفلسطينية والعربية، والحروب المتكررة مع الدول والجماعات المناوئة، إلى جعل إسرائيل عنصرًا دائم الحضور والاضطراب في معادلات الأمن الإقليمي.

وفي المقابل، أحدثت الثورة الإسلامية الإيرانية تحولًا عميقًا في طبيعة التوازنات الإقليمية، إذ لم تقتصر آثارها على تغيير النظام السياسي في إيران، بل أسهمت في نشوء مشروع إقليمي يقوم على الجمع بين البعد الأيديولوجي والاعتبارات الجيوسياسية، مع توظيف شبكة من الأتباع المحليين لتعزيز النفوذ خارج الحدود. وقد أدى ذلك إلى انتقال المنطقة من مرحلة التنافس التقليدي بين الدول إلى مرحلة أكثر تعقيدًا، تتداخل فيها الصراعات الداخلية مع المنافسات الإقليمية والدولية، وتتشابك فيها الاعتبارات الأمنية والمذهبية والسياسية.

جدول ـ مجال المقارنة :إسرائيل وإيران

مجال المقارنة إسرائيل إيران
طبيعة المشروع الإقليمي ضمان أمن الدولة، والحفاظ على التفوق العسكري والتكنولوجي، ومنع ظهور قوى إقليمية تشكل تهديدا. توسيع النفوذ الإقليمي انطلاقًا من أيديولوجية الثورة الإسلامية، وبناء شبكة من الحلفاء والأذرع المرتبطة بها.
مصدر التهديد للعالم العربي احتلال فلسطين، والصراع على القدس، والسياسات العسكرية تجاه الدول والحركات المعادية. توسيع النفوذ السياسي والعسكري داخل بعض الدول العربية، ودعم قوى محلية مسلحة، والتدخل في التوازنات الداخلية.
الأداة الأساسية للنفوذ التفوق العسكري والنووي، والقوة الجوية والصاروخية، التكنولوجيا العسكرية، والتحالف الإستراتيجي مع الولايات المتحدة. البرنامج النووي، والحلفاء والأذرع المحليون، الدعم العسكري والمالي، المؤسسات الأيديولوجية، الصواريخ والمسيرات.
فلسطين جوهر الصراع التاريخي بسبب: الاحتلال، والاستيطان، والسيطرة على الأراضي الفلسطينية. استخدمت القضية لتعزيز خطابها الإقليمي ودعم حلفائها “محور المقاومة”، وإظهار ضعف العرب.
العراق اعتبر في عهد صدام حسين قوة عسكرية محتملة التهديد، خصوصًا تطوير برنامجا نوويا؛ فقامت بتدمير مفاعل تموز (أوزيراك) العام 1981. كما استفادت من تراجع العراق كقوة إقليمية بعد حرب العام 2003. تحول كبير في موقع إيران الإقليمي مع نظام صدام حسين. أصبحت إيران صاحبة نفوذ واسع في العراق عبر علاقات مع قوى سياسية وفصائل مسلحة، وتحول العراق إلى حلقة أساسية في امتداد النفوذ الإيراني نحو سورية ولبنان.
سورية دولة مواجهة بسبب موقعها في الصراع العربي–الإسرائيلي، ولا سيما ارتباطها بقضية الجولان، كما شنت إسرائيل عمليات عسكرية داخل سورية ضد أهداف مرتبطة بإيران وحلفا. وعلى الجيش السوري منذ صعود الشرع. أصبحت سورية بعد العام 2011 إحدى أهم ساحات النفوذ الإيراني، إذ دعمت إيران النظام الأسد سياسيًا وعسكريًا، وأقامت من خلالها اتصالًا جغرافيًا بين إيران والعراق ولبنان. تدهورت العلاقات معها منذ العام 2024.
لبنان خاضت إسرائيل حروبًا وعمليات عسكرية فيه، أبرزها اجتياح 1978 و1982، والاحتلال في الجنوب حتى العام 2000، وحرب 2006، إضافة إلى المواجهات المتكررة مع حزب الله (إسناد غزة وإيران) بنت إيران نفوذها فيه عبر حزب الله، مما جعله قوة عسكرية وسياسية كبرى، وأدى إلى نشوء إشكالية السلاح خارج الدولة وربط لبنان بالصراعات الإقليمية التي تشارك فيها.
الخليج العربي توسعت علاقاتها الأمنية والاقتصادية والتكنولوجية والطاقة مع بعض دوله في مواجهة إيران، خصوصًا بعد تصاعد القلق من البرنامج النووي الإيراني. رأت دوله في إيران وسياساتها تهديدًا لأمنها، دعمها بعض القوى المحلية وتنافسها على النفوذ الإقليمي. استهداف دوله منذ مطلع العام 2026.
اليمن والبحر الأحمر وباب المندب أصبح جزءًا من حساباتها الأمنية بسبب الصواريخ الحوثية وأمن الملاحة والطاقة. دعم الحوثيين كإحدى أدوات الضغط الإقليمي لاستهداف الملاحة في المنطقة، ثم السعودية وسفنها مؤخرا بالصواريخ الباليستية.
البعد النووي تمتلك إسرائيل قدرة نووية غير معلنة تشكل عنصر ردع إستراتيجي في الشرق الأوسط. أثار برنامجها النووي مخاوف إقليمية ودوليةـ خاصة من إسرائيل والولايات المتحدة، وما قد يؤدي إليه ذلك من تغيير ميزان القوى.
الأثر على سيادة الدول العربية يتمثل في التدخلات العسكرية والعمليات عبر الحدود، وفرض معادلات أمنية مرتبطة بالقوة العسكرية والتعصب الأصولي وتأثيره في حل قضية فلسطين. بناء نفوذ داخل دول عربية عبر قوى تابعة لها، بما قد يؤدي إلى إضعاف احتكار الدولة، ويتجسد ذلك في العراق ولبنان.
التحدي طويل المدى استمرار الصراع الفلسطيني–الإسرائيلي، وقضية الاحتلال، والتفوق العسكري والنووي الإسرائيلي. استمرار التنافس على النفوذ الإقليمي مع خصومها، وتحويل بعض الدول العربية، خاصة الخليجية، إلى ساحات لهذا الصراع.

ويكشف الخليج العربي عن طبيعة مركبة في السياسة الإيرانية؛ إذ يجمع بين أدوات الضغط العسكري ورسائل التفاوض السياسي. فمن جهة، أدى تنامي القدرات الصاروخية والطائرات المسيّرة، والهجمات التي استهدفت بعض المنشآت والمصالح الخليجية، إلى تعزيز المخاوف من الدور الإيراني. ومن جهة أخرى، حرصت طهران على إبقاء قنوات التواصل مع دول الخليج، مقدمة سياستها باعتبارها دفاعًا عن الأمن الإقليمي ومواجهة للوجود العسكري الأميركي. ويعكس هذا التناقض محاولة إيران الجمع بين ممارسة النفوذ والضغط من جهة، والحفاظ على علاقات الجوار والمصالح الاقتصادية من جهة أخرى.

ويظهر من خلال الحالات العراقية والسورية واللبنانية أن ضعف الدولة المركزية شكّل عاملًا أساسيًا سمح للقوى الإقليمية بتوسيع حضورها. فالعراق انتقل بعد العام 2003 من كونه قوة عربية وازنة إلى ساحة نفوذ إيراني واسعة، بينما تحولت سورية بعد الثورة إلى محور رئيسي في شبكة الاتصال اللوجستية للقوس الشيعي، بين إيران والعراق ولبنان. أما لبنان، فقد أصبح المجال الأكثر وضوحًا لتداخل العاملين؛ إذ يتقاطع فيه الصراع مع إسرائيل عبر الحدود الجنوبية، مع إشكالية النفوذ الإيراني من خلال حزب الله وعلاقته بالدولة اللبنانية. وإن نقل الحوثيين الصراع الدائر في الشرق الأوسط إلى المندب والبحر الأحمر، يؤشر إلى استراتيجية إيرانية تهدف إلى توظيف نفوذها الإقليمي، ولا سيما في العراق ولبنان واليمن، لمدّ نطاق الضغط من مضيق هرمز إلى باب المندب، وتحويل الممرات البحرية الحيوية إلى أوراق قوة في أي مواجهة إقليمية أو دولية.

كما تكشف المقارنة أن القضية الفلسطينية بقيت عنصرًا مركزيًا في إعادة تشكيل العلاقات الإقليمية؛ إذ تمثل بالنسبة إلى إسرائيل مسألة أمنية واستراتيجية مرتبطة بالسيطرة والردع، بينما شكلت بالنسبة إلى إيران أداة لتعزيز موقعها الإقليمي وخطابها السياسي. وقد أدى هذا التداخل إلى انتقال المنطقة من صراعات بين دول إلى شبكة أكثر تعقيدًا من المنافسات، تشترك فيها الدول والجماعات المسلحة والقوى الدولية.

وبذلك لا يمكن فهم التحولات التي شهدها العالم العربي خلال العقود الأخيرة من خلال عامل واحد، بل من خلال تفاعل ثلاثة مستويات متداخلة: الصراع بين العرب وإسرائيل، ورفض الأخيرة حلّ الدولتين وسعيها إلى تصفية القصية الفلسطينية نهائيا، ومحاولة إيران بناء مجال نفوذ إقليمي، وتراجع قدرة بعض الدول العربية على احتكار القرار السياسي والأمني داخل حدودها.

رابط نشر ..https://www.europarabct.com/?p=122341

*حقوق النشر محفوظة إلى المركز الأوروبي لدراسات مكافحة الارهاب والاستخبارات ـ ألمانيا وهولندا  ECCI

المراجع 

  • Buzan, B., Wæver, O., & de Wilde, J. (1998). Security: A New Framework for Analysis. Lynne Rienner Publishers.
  • Deneault, A. (2015). La médiocratie. Montréal, Lux Éditeur.

الإشتراك في نشرتنا الإخبارية المجانية

 

تابعنا على تويتر

تابعنا على فيسبوك

استطلاع رأي

هل المركز مصدر موثوق في البحث ؟

Loading ...