اختر صفحة

المركز الأوروبي لدراسات مكافحة الإرهاب والاستخبارات      

الصحافة الإسبانية ودورها في إثارة مظاهر الإسلاموفوبيا

مرصد الأزهر ـ القيم الإنسانية هي العامل المشترك الذي يجمع كل البشر في العالم، والذي يجب أن تنطلق كل المعاملات الحياتية من خلالها، وتستند إليها نظرة كل إنسان لأخيه، بحيث لا يصبح اللون أو الجنس أو النوع أو الدين هو المحرك الأساسي لكيفية التعامل بين كافة الأطياف المجتمعية بما يخدم عملية التعايش السلمي بين كافة المجتمعات وكذلك بين فئات المجتمع الواحد.

من هذا المنطلق تتابع وحدة الرصد باللغة الإسبانية بمرصد الأزهر لمكافحة التطرف عملها في رصد أحوال المسلمين في أوروبا فيما يخص الاندماج داخل مجتمعاتهم.

حيث لوحظ خلال العقود الماضية أنهم يحققون في ذلك قدرًا كبيرًا من التفاعل في عملية التعايش المجتمعي في مختلف المجالات؛ وذلك لما لهم من إسهامات واضحة تهدف إلى تقدم ورقي المجتمعات التي يتواجدون بها ــ حتى وإن كان ذلك بنسبة قليلة ــ إلا أن ذلك يوضح الانعكاس الإيجابي لوجود المسلمين هناك.

وفيما يخص إسبانيا تحديدًا، نجد هذا الاندماج جليًّا في المجالات العلمية والثقافية والاجتماعية وكذلك التجارية، إضافة إلى المشاركة في الأنشطة المجتمعية والرياضية.

وكذلك الحوار بين الأديان والتقريب بين الثقافات على المستوى الأكاديمي، من خلال المؤتمرات والدورات أو على المستوى المدني من خلال الندوات والفعاليات لبعض الهيئات والمنظمات المدنية.

ولن نسهب في سرد الأمثلة التي تدل على ذلك هنا، فقد ذكرنا الكثير منها خلال مناسبات عديدة في تقارير سابقة، أما ما دعانا إلى إصدار هذا التقرير فهو ما لاحظه مرصد الأزهر أنه في بعض الأحيان يسلك أحد رجال السياسة أو الشخصيات العامة داخل المجتمعات الأوروبية دربًا قد يعرقل طريق الاندماج، وذلك من خلال ما يصرح به من إساءة أو تحريض ضد المسلمين، ويتكرر ذلك من التيارات اليمينية المتطرفة في إسبانيا وفي أوروبا عمومًا.

وللأسف فإن الاعتداءات على المسلمين في إسبانيا سواء باللفظ أو بالفعل تأتي في أغلب الأحيان استجابة لهذه التوجهات التحريضية، وهناك أشكال مختلفة لهذا التحريض.

فمنها: ما يكون من خلال خطاب سياسي أو ديني، أو مقال صحفي، أو عن طريق عرض خبر بطريقة ما تؤدي إلى إثارة الفزع من المسلمين، وبث الكراهية تجاههم، ونبذهم داخل مجتمعاتهم.

ولا شك أن للكلمة خطورة كبرى ولها دور محوري في التأثير على قطاعات عريضة من المتلقين، خاصة إذا كانت هذه الصحف أو المواقع الإلكترونية تحظى بعدد كبير من القراء والمتابعين.

في هذا السياق، يهتم مرصد الأزهر بمتابعة ما يصدر عن الصحف الغربية من منشورات تضم محتويات تؤدي إلى تفاقم ظاهرة الإسلاموفوبيا وانتشارها بين الأوساط المجتمعية المختلفة. وفيما يخص إسبانيا على وجه التحديد، فقد ركّزت وحدة الرصد باللغة الإسبانية بالمرصد على محتوى بعض الصحف، والتي كان تحريضها في بعض الأحيان صريحًا ويحث على نبذ الآخر وكراهيته.

وتبيّن ذلك من خلال عناوين العديد من الأخبار والمقالات والتقارير والمقابلات الصحفية المتعلقة بموضوعات تخص الإسلام ‏والمسلمين خلال النصف الأول من عام 2017، وذلك وفقًا لإحصائية لمرصد مناهضة الإسلاموفوبيا في برشلونة، من خلال متابعة ستة صحف إسبانية كبرى وهي: “لا بانجوارديا” ‏La Vanguardia و”إلموندو”El Mundo و”لا راثون” ‏La Razón و”‏بينتي مينوتوس” ‏‎20 minutos‎ و”إلباييس” ‏El País و”إل دياريو” ‏El Diario.

وبعد دراسة وتحليل ما يقرب ‏من 862 منشورًا من محتوى هذه الجرائد، تبيّن أن 66% منها يشتمل على عناوين رئيسية أو فرعية أو صور ‏أو نصوص تحضُّ على كراهية الإسلام والمسلمين، أو يمكن تفسيرها على أنها مناهضة للإسلام ‏والمسلمين، مثل “الجهادية في إسبانيا: جيش مكون من مائة مسجد يستقطب مقاتلين”. ولا يخفى على القارئ المعنى الواضح من هذه العناوين، وما تحمله من تأليب للرأي العام ضد المسلمين.

كما تم التوصل من خلال الإحصائية إلى أن جريدة “لا راثون” هي الأعلى على مستوى الصحف الإسبانية من حيث ‏المعلومات والمحتوى الذي يحض على كراهية المسلمين بنسبة 68%، بينما تذيلت ‏صحيفة “إلدياريو” هذه الصحف كأقل جريدة من حيث المنشورات التي تحض على تنامي ظاهرة الإسلاموفوبيا ‏وذلك بنسبة 36%.

  

ومن خلال هذا التحليل النوعي لمحتوى هذه الجرائد يمكن تحديد المؤشرات الإيجابية أو السلبية لما يتم بثه من معلومات مقسمة إلى موضوعات رئيسية تتعلق بالإرهاب والمرأة والتطرف والحجاب واللاجئين.

وطبقاً لنتائج التحليل فإن المحتوى الذي يتعلق بالمرأة واللاجئين في هذه الصحف بسلبية تصل إلى 80%، بينما تبلغ الحالات السلبية فيما يخص قضيتي الإرهاب والتطرف حوالي 89% من إجمالي المحتويات التي تم تحليلها في هذه القضايا.

 كان مرصد الأزهر لمكافحة التطرف قد حذّر مؤخرًا من تنامي ظاهرة الإسلاموفوبيا بين أبناء المجتمع الإسباني، وذلك على خلفية هجمات برشلونة الإرهابية، والتي تعرض المسلمون على إثرها للعديد من الإساءات، ولكنهم في الوقت ذاته قابلوها بكل إيجابية وخرجوا في مظاهرات حاشدة في مختلف الميادين للتأكيد على رفضهم للإرهاب، ودعمهم لوحدة المجتمع الإسباني وتماسكه.
 .
ويؤكد المرصد على رفضه التام لأي لون من ألوان التمييز سواء ضد المسلمين أو ضد أي شريحة مجتمعية أخرى، حيث إن التمييز في حد ذاته يعد شكلاً واضحًا من أشكال التطرف والانحراف عن المسار المجتمعي الصحيح والذي يسمح بالتعددية ويرتكز في الأساس على المبادئ الإنسانية والتي منها المساواة واحترام الحريات والتعدديات الثقافية والدينية.
.
وفي الوقت نفسه، يحذّر المرصد من أن يتخذ المتطرفون مثل هذه الخطابات التحريضية مبررًا لأفعالهم الإجرامية؛ لذا فمن الضروري رأب هذا الصدع وعدم السماح بتمدده بين أفراد المجتمع لما فيه من خطورة بالغة على أمنه واستقراره.
.
.كما يدعو المرصد المسلمين أن يلتزموا بقوانين بلادهم التي يعيشون فيها، وأن يسعوا إلى المزيد من المشاركة المجتمعية، بحيث يكون ردهم على المشككين من خلال أعمالهم المفيدة ومساهماتهم الفاعلة.
.
علاوة على ذلك، ينبغي عليهم أن يضعوا نصب أعينهم التعامل مع الجميع من منطلق الأخوة في الإنسانية واحترام التعددية والتنوع الذي أراده الله سبحانه وتعالى لعباده كافة حين قال: “يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنَّا خَلَقْنَاكُم مِّن ذَكَرٍ وَأُنثَىٰ وَجَعَلْنَاكُمْ شُعُوبًا وَقَبَائِلَ لِتَعَارَفُوا” (الحجرات: 13)، وقال أيضاً: “وَلَوْ شَاءَ رَبُّكَ لَجَعَلَ النَّاسَ أُمَّةً وَاحِدَةً وَلَا يَزَالُونَ مُخْتَلِفِينَ” (هود: 118).
.
ويأمل المرصد أن يتحرى الصحفيون والإعلاميون في إسبانيا الدقة والحذر فيما يبثونه من أخبار؛ خشية أن تؤثر هذه المغالطات سلبًا على المسلمين، وربما تتسبب في تعرضهم لأذى مباشر، سواء في التعامل اليومي أو حتى النظرة إليهم بشيء من التخوف والازدراء.
.
فلا بد للجميع أن يعي الدور الإعلامي المهم في ترسيخ مفاهيم المواطنة والتراحم والوئام بين جميع أبناء المجتمع ونبذ الخلافات التي تهدد أمنه وتقدمه.